خارجية الجعفري لا تُمثّل السنّة ولا الكرد

داعش ما هو إلا صناعة تحمل ماركة مسجلة من إيران والولايات المتحدة، وباعتراف السياسيين الأمريكيين أنفسهم.

الأربعاء، 17-08-2016 الساعة 13:58


مرة أخرى تخرج علينا الولايات المتحدة لتمثل دور المنصف العادل، الذي يكشف عن معاناة أتباع الديانات المختلفة، وما تلقاه من اضطهاد بسبب انتماءاتها الدينية، لتعطي نصائحها لدول العالم بضرورة الالتزام بحقوق الإنسان وحرية التديّن.

وفي تقرير صدر عن خارجيتها قبل أيام، مؤلف من 276 صفحة، غطت فيه واقع الاضطهاد الديني (حسب ادعائها)، في أكثر من 200 دولة حول العالم، قد حظيت فيه "داعش" ودورها الذي قامت وتقوم به، تغطية وافرة من هذا التقرير، وتحملها مسؤولية جرائم الإبادة الشاملة ضد الأقليات الدينية في المناطق التي تسيطر عليها.

وفي الوقت الذي تشير فيه كثير من الأدلة إلى إنَّ تنظيم داعش ما هو إلا صناعة تحمل ماركة مسجلة من إيران والولايات المتحدة، وباعتراف السياسيين الأمريكيين أنفسهم، ذلك حينما اتهم مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب صراحة، الرئيس الأمريكي باراك أوباما والمرشحة الديمقراطية للرئاسة الأمريكية هيلاري كلنتون، بأنهم هم من يقفون وراء صناعة تنظيم داعش، ذلك الاتهام الذي سرعان ما تراجع عنه بعد إدراكه بتجاوزه للخطوط الحمراء في تصريحاته؛ مع كل ذلك تأتي أمريكا بتقريرها هذا لِتتهم داعش بأنها منظمة إرهابية تقترف جرائم الإبادة العرقية.

وذكرت وزارة الخارجية الأمريكية، بتقريرها السنوي عن الحرية الدينية حول العالم، لتقول إنَّ تنظيم داعش قد ارتكب مجازر إبادة بحق الأقليات الدينية منها والأكثريات في الشرق الأوسط، على اختلافها. حيث يقول التقرير بالنص: "لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يمارس استراتيجية وحشية، وهو ما يرى وزير الخارجية جون كيري أنه يمثل إبادة جماعية ضد الإيزيديين، والمسيحيين، والشيعة، والشبك، وغيرها من الجماعات الدينية".

تلقت وزارة الخارجية العراقية تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بالمزيد من الترحيب، وأعلنت ارتياحها الشديد به، واجتزأت من هذا التقرير، الكلام الخاص بجرائم داعش ضد الشيعة والمسيحيين والأيزيديين والشبك، متناسيةً، بل مهملةً، ما تم ذكره في نفس التقرير عن جرائم داعش ضد السنّة والكرد في العراق. وهي بتصرفها هذا تعطي رسالة للداخل العراقي وللعالم، بأنها تستثني العرب السنّة والكرد في تمثيلها الخارجي، وإنها وزارة ليست لجميع العراقيين، وأنَّ تنظيم داعش الإرهابي لم يضطهد السنة، إنَّ داعش هو من يمثل السنة، وهو اتهام مبطن للسنّة بالعراق، باعتبارهم داعمين للإرهاب ومؤيدين له، ومن ثم تحميلهم مسؤولية كل الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش وما زال يرتكبها بحق العراقيين وباقي شعوب المنطقة.

في حين أنه في واقع الأمر يُعد أبناء السنّة المتضرر الأكبر من جرائم داعش. إنَّ هذا الإيحاء بتحميل السنّة مسؤولية جرائم داعش، هو بالضبط ما تريد إيران أن يراه العالم، من أنَّ الإسلام الذي يمثله السنّة، هو إسلام وهابي، وإرهابي، غير متحضر، ولا يواكب روح العصر الذي نعيشه. وإنَّ "النموذج الإسلامي الإيراني"، هو النموذج الذي بإمكانه أن يتعايش مع المنظومة العالمية بقيادة أمريكا.

والحق يقال، لقد صدقت إيران في هذا، فالنموذج الإسلامي الإيراني (إذا صح أن ندعوه نموذجاً إسلامياً) هو بالفعل النموذج الذي يستطيع أن يتآلف مع منظومة غربية فاسدة وظالمة مثل المنظومة الأمريكية والغربية التي تحاول قلب المفاهيم رأساً على عقب، وتتعامل بنفاق وازدواجية مع حقوق الإنسان في العالم.

ولنسأل خارجية الجعفري، من الذين يعيشون الآن في مخيمات النازحين؟ أليسوا السنّة، ومن الذين يتم تدمير مدنهم على رؤوسهم؟ أليسوا السنّة، ومن الذي دفع وما زال يدفع خيرة شبابه لمحاربة داعش ومن قبلها القاعدة؟ أليسوا السنّة.

لقد حارب السنّة، تلك التنظيمات التي لم تستثن شاباً سنياً واحداً في المناطق التي تسيطر عليها إلا وألصقت به تهمة الردة، إذا امتنع عن مبايعتها على القتال ضمن صفوفها. وأجرمت داعش بحق العراقيين السنّة ما يفوق الوصف، وجعلت منهم أقلية في وطنهم، بعدما كانوا يشكلون فيه الأغلبية الساحقة. بعد كل هذا تأتي خارجية الجعفري لتستثني السنّة من اضطهاد داعش.

واتهم بلينكن "نائب وزير الخارجية الأمريكي" تنظيم داعش الذي يسيطر على أراض شاسعة في العراق وسوريا (بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي). ونحن نعلم والعالم كله يعلم، أنَّ جرائم التطهير العرقي تقع على السنّة بالدرجة الأولى، سواء كانت من قبل داعش أو من قبل المليشيات التابعة لإيران. فلماذا لم يتم إدراج المليشيات العراقية الشيعية التابعة لإيران في تقرير الخارجية الأمريكية؟ وهي تمارس التطهير العرقي وجرائم الإبادة بحق السنّة بالعراق وسوريا، بدم بارد وأمام أنظار العالم كله، والأدهى من ذلك أنها ترتكب أعمالها تلك تحت غطاء النظامين المارقين الحاكمين في العراق وسوريا، وتحت رعاية إيران أكبر دولة داعمة للإرهاب، وبمساعدة من قبل أمريكا وروسيا، فأمريكا تدعم النظام العراقي ومليشياته، وروسيا تدعم نظام الأسد ومليشياته.

بعد ذلك يأتي علينا من يدّعون أنهم ممثلو السنّة بالعراق، ليشجبوا موقف حكومة بغداد، ممثلةً بوزارة خارجيتها التي رحبت أشد الترحيب بتقرير وزارة الخارجية الأمريكية الآنف الذكر. وهل وزارة الخارجية العراقية كانت قد أقدمت على هذا الترحيب لولا ضعف أدائكم السياسي، ولولا أنكم غارقون في خلافاتكم وانقساماتكم؟ فخارجية الجعفري لم تُقدم على عملها هذا إلا بسبب ضعفكم وخوركم، وانشغالكم بمصالحكم الشخصية الضيقة، فأقصى ما تفكرون به هو كيفية إقالة سليم الجبوري من منصب رئيس البرلمان، والتفكير بمن سيغنم منصبه من بعده، متناسين قضايا السنّة المصيرية ومصير وجودهم في العراق.

أيها السياسيون السنة، هل أنتم فرحون بتقرير وزارة الخارجية الأمريكية الذي تعتبرونه قد أنصف السنّة؟ وإن ترحيب خارجية الجعفري الذي تغافل اضطهاد السنّة هو فقط الذي أساء إليكم؟ ألم تعلموا بأن الأمريكان الذين أنتم مغرورون بهم، هم من سلطوا عليكم داعش ومن قبلها القاعدة لتدمير أهلكم؟ وماذا تنتظرون من خارجية الجعفري؟ هل تنتظرون أن تنصفكم وتنصف من تمثلون وهم قد باعوا العراق ومن فيه لإيران؟ كفى ضحكاً على أنفسكم، واعترفوا بالحقيقة التي لا تخفى عن أحد، من أنّكم لستم إلا مجرد شكل تجميلي يجملون به العملية السياسية العرجاء في بغداد، لا أنتم قد نفعتم أهلكم، ولا أوقفتم عمليات الدمار الجارية عليهم.

ونقول للولايات المتحدة الأمريكية، متى كنتِ تراعين حقوق الإنسان الدينية أو سواها، لتعطي شهادات حسن السلوك لدول العالم؟ أليس من الأولى لكِ أن تصوني حقوق مواطنيك ذوي البشرة السوداء من ظلم واضطهاد البيض؟ لقد وصلنا إلى الألفية الثالثة وما زال هناك في أمريكا من يحتقر ويغبن حق أخيه الإنسان الذي يعيش معه في بلد واحد، ليس على شيء، إلّا لأنه يختلف معه بلون البشرة. ألم تضطهدوا كل الديانات السماوية في بلدكم وتستفزون مشاعر أتباعها وتضربون معتقداتها بالصميم، حين شرعتم لزواج المثليين في بلدكم. فالذي بيته من زجاج، لا يرمي الناس بحجر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

الخارجية السعودية: نثمن تعاون تركيا المتميز والتي ساهمت جهودها بشكل هام في مسار التحقيقات