خرافات في الملعب

للكرة مفعولٌ ضابط. يتعلّم الشعب معها أن يشاهد، وأن يصفِّق. لا مجال للمناقشة، فالاختيارات محصورة بين ألوان الفرق المتنافسة.

الأربعاء، 10-12-2014 الساعة 17:17


انقضت جولة أخرى من كأس الخليج، تركّزت الأنظار خلالها على المساحة المكسوّة بالعشب الأخضر، حيث يتقاذف عشرون لاعباً الكرة بأقدامهم، بمعاونة حارسين اثنين.

يستحقّ آلاف المتفرجين من حولهم أن نتأمل أوضاعهم أيضاً، بعد إطفاء أضواء الملاعب على الأقل. ومن وراء هؤلاء ملايين تابعوا المشاهد عبر الشاشات؛ وهم شعوب بأكملها تقريباً.

إن سأل أحدهم: لماذا يجري هذا كله؟ لماذا تتدافع الجماهير إلى الملاعب؟ ولما تستهلك أوقاتها الثمينة في تعقّب كرة وهي تتحرّك في الاتجاهات المتعارضة؟ سيأتي الردّ: إنها الرياضة، المفيدة للصحة، والنافعة للاقتصاد، والمشبّعة بالقيم.

حسناً، لكنّ المنافسات الرياضية لا تفيد صحة الجمهور، الذي يلتهم مواد تنصحه بها الدعايات المصاحبة للحدث الرياضي. يحصل المتفرِّجون على سعرات سخية مع كل مباراة فتتراكم شحوماً. قد يحسب بعضهم أنهم يزاولون الرياضة، لكنهم يتفرجون ولا ينخرطون في ملاحقة الكرة.

للكرة قيمتها السياسية. فمن تختطفهم المباريات يغادرون عالمهم الواقعي، بهمومه وتعقيداته، وبقضاياه السياسية أيضاً. كأس الخليج هو المناسبة التي لا غنى عنها لغضّ الطرف عن الحرائق المشتعلة على أطراف الإقليم. تتوجّه الجماهير معه إلى منافسات محسوبة النتائج بالأهداف والنقاط، فللمعركة هنا حدودها وقوانينها، خلافاً للمعارك الكبرى التي تكسر النظُم والتوقعات معاً.

وللكرة قيمتها الاقتصادية التي تستنزف جيوب الشعب. فعندما يكسب اللاعبون مبالغ طائلة مع نجاحاتهم؛ فإنّ ذلك يجري على نفقة مصفقي المدرجات أو متابعي الشاشات. مع كلّ جولة تدفع الشعوب أموالاً طائلة، بطرق مباشرة وأخرى التفافية. إنه اقتصاد الكرة الذي تجود جيوب الجماهير بإيراداته المتراكمة في جيوب قليلة نسبياً. ولاستنزاف الجيوب مسالك التفافية حقاً، منها الرسائل الإعلانية المتدفقة إلى أعماق الجماهير خلال المواكبة التي تختطف الأنفاس؛ فهي تستدرج الشعب إلى شراء ما لا يحتاجه على الأرجح. وستعود بعض هذه الأموال على سادة الملاعب من خلال أجور الإعلانات.

للكرة مفعولٌ ضابط. يتعلّم الشعب معها أن يشاهد، وأن يصفِّق. لا مجال للمناقشة، فالاختيارات محصورة بين ألوان الفرق المتنافسة. تتوزّع الأدوار بوضوح بين ملعب مفتوح للقلّة؛ وحشود هائلة لا تملك سوى الفرجة والتصفيق أو الهتاف من مقاعدها. يتعلم الشعب مع الكرة تمجيد الأشخاص والرايات، وسيكون المتفرِّج الجيد هو أكثرهم دراية باللاعب النجم الذي يتحوّل إلى زعيم.

تحتشد الجماهير في الملاعب كما لا يحدث في أي مكان آخر تقريباً، لكنها تتصرّف حسب نظُم محددة وتقاليد متكرِّسة. تنقسم الجماهير إلى تأييد فريقين متعارضين، وهكذا يتواجه الشعب في الملاعب، ولا يتوحّد. فهل يتأهل كأس الخليج لإنعاش الوعي بالمشترك بين بلدان الإقليم أم يغذي الشعور بالتباينات إلى حد الضغينة؟

تذهب الكرة بالعقول. إنها تعيد تعريف الزمن، وتمنحه أبعاداً جديدة. يصبح الزمن مقسّماً إلى وحدات جديدة حسب دورية المنافسات القدمية. وتطول اللحظة مع الاستعادة البطيئة المتكررة للمشاهد المثيرة في الملعب. تتحوّل الضربة بالقدم في هذا الاستدعاء البطيء إلى أهم اللحظات المجيدة في الحياة. تتركز طموحات الأجيال ضمن حياة الملاعب وضرباتها، وتتعلّق الآمال بأحذية اللاعبين وقمصانهم. هم يفارقون ذواتهم في لعبة التقمّص، فجميعهم يريدون أن يصبحوا ميسي، لكنّ ميسي يبقى واحداً فقط.

مع التعلّق بأبطال الملاعب تنشأ القدوات النموذجية للأجيال، ولكنها قدوات تترنّح أحياناً بين الفضائح والمنشطات، فضلاً عن أن تكون قد تميّزت أساساً في الحياة المدرسية أو العملية. تتركز خبراتها في الملعب، لكنّ إشعاعها يمتدّ إلى الحياة ككلّ. يتحوّل نجوم الملاعب إلى ناظمي سلوك، فهل يتمّ ذلك عن جدارة؟

ثم تبقى القيم التي يتحدثون عنها في شعارات من قبيل "روح رياضية". تتعاظم النزعات الفردية في الملاعب رغم الاحتفاء الشكلي بالجماعة. ففي البدء يظهر الفريق متماسكاً، ثم ينتهي المشهد باللاعب البطل الذي يستأثر بالأنظار. تتضاءل قيمة الزملاء في الفريق في حضور البطل الذي يستأثر بالاهتمام.

وفي الملاعب فرصة أخرى لتبادل التطبيقات السخيفة. من صبغ الوجوه، وتصابي الكهول؛ إلى نفخ المزامير، والتصرّف ببلاهة. يكتسب هذا كلّه مشروعية طالما أنه يجري في الملعب وفي مواجهة الكاميرات. وعندما يظهر التصرّف على الشاشة يصبح مشاعاً للأمة والعالم.

ومع ارتفاع الكأس، أخيراً، تكون الأمّة قد بلغت ذروة المجد والانتصار. إنها اللحظة المنشودة التي تطلّع إليها الشعب طويلاً. يفوز فريق بعينه، ويخسر آخرون الجولة دون أن يخسروا الأمل بكسبها في جولة قادمة. هي متوالية تختزل الإنجاز بالرمز، فتصرف البصر والبصيرة عن الواقع.

هل من مكان تتناقض فيه الشعارات مع الواقع كما في الملاعب؟

ليست الرياضة رياضة بحقّ، وإنما هي مزيج من السوق والفرجة والإنفاق والإثارة وتضخّم الأنا وتبديد الأوقات. إنها حبوب منوِّمة أيضاً، تحتاجها المجتمعات للانصراف عن واقعها.

بعد زمن طويل، قد يكتبون عن حاضرنا، وكيف "كانوا غارقين في تعقّب كرة صغيرة، تتقاذها أربعون قدماً، في ملعب مكسوّ بالعشب الأخضر، .. بينما الحرائق تأكل الأطراف".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

نشر صور لموظفين بالقنصلية السعودية وهم يحرقون وثائق فيها بعد يوم من مقتل خاشقجي