خطورة نجاح دولة "الخلافة الإسلامية" بالعراق

أرمان أريفي صحفي متخصص في الشأن الدولي بجريدة لوبوان الفرنسية، وله كتب عديدة في شؤون الشرق الأوسط وعلاقة فرنسا بإيران.

الثلاثاء، 08-07-2014 الساعة 17:58


جاءت فكرة إزالة الحدود الاستعمارية، التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية، نتيجة استجابة للضغوط المتزايدة من السنة العراقيين الذين عانوا الاضطهاد من السلطة الشيعية في البلاد.

وبالرغم من وفاة الخلافة الإسلامية منذ قرن تقريباً، إلا أن رياح عودتها أوشكت على الهبوب من جديد بإعلان الدولة الإسلامية، خاصة أنها أنجزت جملة انتصارات على أرض العراق.

وكانت الحروب الأهلية في كلا البلدين (العراق وسورية) سبباً رئيسياً في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، ثم الإعلان عن الخلافة، وأخيراً ظهور الزعيم العراقي "خليفة المسلمين" أبو بكر البغدادي، الذي نصَّب نفسه تلقائياً خليفة لكل المسلمين بجميع أنحاء العالم.

ويقول رومان كاييه، الباحث والمتخصص في شؤون القضايا الإسلامية بمركز الجيل الجديد للأبحاث وقضايا الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية: إن البغدادي سعى إلى البحث عن سلطة إقليمية مرتبطة بمكان، بالإضافة إلى سلطة روحية، فاختار لفظ الخلافة، ليكتسب الطبيعة الجهادية في نشاطه وتحركاته، فضلاً عن كسبه عاطفة المسلمين بالإعلان عن الخلافة التي تمثل عودة سلطان الدولة الإسلامية الجامعة من جديد.

والمثير للانتباه أن تنظيم الدولة الإسلامية حلّ محل تنظيم القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري، بالرغم من وجوده وصدور تصريحات له في الفترة الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي نشأ منذ عام 2004 عقب الغزو الأمريكي للعراق، تحت اسم (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) عقب نجاحه في ضم العديد من الجماعات الإسلامية، على أمل تكوين دولة إسلامية في العراق بعد ذلك.

إلا أن البغدادي فاجأه منذ عام 2010 في الاستعداد والتجهيز؛ بقيادة التنظيمات السنية بالعراق عبر مجالس الصحوة، ثم استغل الصراع السوري في بسط نفوذ أكبر في المنطقة.

الإرهاب والتعايش

وفي عام 2013، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية طموحه إلى إعلان الخلافة الإسلامية؛ بدءاً بالعراق حتى لبنان مروراً بالأردن وفلسطين.

ومع أن جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة موجودة في سورية، فإن أنظار البغدادي كانت تتجه دوماً نحوها، محاولاً فرض نفوذه في الداخل السوري، فطلب زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري منه صرف أنظاره ورجاله عن سورية، والعودة إلى العراق وترك جبهة النصرة هناك، إلا أن البغدادي رفض طلبه معلناً تمرده على تنظيم القاعدة.

وبالمقارنة بين تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة الأخرى، نجد أنه يختلف عن بقية التنظيمات بطموحه المعتمد على السيطرة وبسط النفوذ، فقد سارع إلى تعيين حاكم عسكري وقاض إسلامي وقائد للشرطة، لتطبيق الشريعة الصارم في كل منطقة تابعة له في كل الأراضي التي يحقق فيها إنجازاً.

وتسببت تلك الخطوة ببث الرعب في قلوب السكان المحليين، فقابلها بتقديم العديد من الخدمات الاجتماعية، فضلاً عن توزيع الخبز والماء والسولار مجاناً، كما بادر إلى إنشاء العديد من الجمعيات الخيرية، والأسواق الاستهلاكية التي تتحكم في الأسعار، فضلاً عن تخصيص منطقة بذاتها لبيع اللحوم الحلال، ومكتب في كل منطقة للتنسيق بين القبائل وإصلاح ذات البين بين السكان.

وشيئاً فشيئاً، أعلن التنظيم دولة الخلافة، عقب الاستعداد الداخلي مع السكان المحليين للحصول على دعمهم وتأييدهم، ويؤكد بيير جان لويزارد مدير الأبحاث بالمركز الوطني للبحوث العلمية (CNRS) أن سلطوية "الدولة الإسلامية" ساعدت كثيراً في الإعلان عن الخلافة، التي جاءت على عكس كل المعايير التي وضعها السنة في العراق سابقاً، إذ اعتمد بشكل كبير على مفهوم القوة في بسط النفوذ في بداية الأمر.

وبرغم تطور الأحداث، فإن لويزارد استند إلى الفتاوى الشرعية التي تؤكد ضرورة حصول الخليفة على تأييد من علماء السنة، واحترام سلطة العلماء لأنه اختير في الأصل على أساس ديني.

ويضيف كاييه أنه بدلاً من الطريق الطبيعي لاختيار الخليفة، فإن الجهاديين يعتقدون بمشروعية موقفهم وأنهم سيحظون بتأييد العلماء لهم، كما يعتقدون أن عصرهم العصر الذهبي للخلافة، كما أنهم لم يلتفتوا إلى فتاوى علماء السنة المعتدلين، بل يرونهم خونة وولاؤهم يتجه إلى النخبة الحاكمة فقط.

وأكد كاييه في دراسة له أن الجماهير ستظل في سبات عميق حيال تنظيم الدولة الإسلامية ما دامت الأخيرة ستعلن دوماً عن عدوها الأول في وضح النهار وهي (إيران) الداعم الأول للشيعة في المنطقة.

واستفاد تنظيم الدولة في حقيقة الأمر من الأزمة التي وقعت في سورية، فمنذ يناير/كانون الثاني الماضي، استغل التهميش الذي يعانيه أهل السنة في العراق، وعمل على خطب ودهم وكسب دعمهم، بل سعى إلى تشكيل قوات تحالف من القبائل السنية المختلفة بقيادة ضباط سابقين ممن كانوا يعملون في الجيش البعثي التابع لصدام حسين.

ونجح هذا الأمر نتيجة شعور القبائل السنية بالتمييز من السلطة الداخلية الشيعية، والإهانة بتخلي الدول العربية السنية المجاورة عنهم، فكان ذلك سبباً قوياً في تدعيم تنظيم الدولة الإسلامية؛ أملاً في استعادة حقوقهم، والتغلب على النظام الشيعي في بغداد، على حد زعم كاييه.

واعتمد تنظيم الدولة الإسلامية مصطلح "الخلافة"، لبسط نفوذ البغدادي على من حوله، وضرورة الرجوع إليه في كل الأمور، وليكون ممثلاً للسلطة السياسية والروحية في منطقة الخلافة، وخاصة أن في ذكرها ربطاً بالخلافة الإسلامية الأولى، والتي بلغت ذروتها في الخلافة الأموية التي أسسها الخليفة معاوية، وقد استمرت دولته في الفترة (661-750)، والذي كان يتخذ دمشق مقراً للخلافة الأموية في الماضي، ثم انتقلت إلى بغداد بعد إطاحة العباسيين بها، وبدء الخلافة العباسية (750-1517)، إلى أن انتهى عهد الخلافة تماماً في أواخر العصر العثماني (1517-1924) بانتهاء الإمبراطورية العثمانية، عقب خسارتها في الحرب العالمية الأولى بتحالفها مع ألمانيا.

خيانة فرنسية-بريطانية

في عام 1916، أبرمت الحليفتان فرنسا وبريطانيا اتفاقات سرية، أهمها الاتفاق على تطبيق سايكس بيكو في الشرق الأوسط، والعمل على زرع مفهوم القوميات العربية.

وعلى الرغم من وعود فرنسية بريطانية بإنشاء مملكة عربية في المنطقة تكون بديلاً لمفهوم الخلافة بالشرق الأوسط لامتصاص غضب الشعوب، فقد خانوا العهد والاتفاق بعد ذلك عندما ظهرت سايكس بيكو، وفقاً لما يؤكده الباحث الفرنسي لويزارد، فظلت الذاكرة العربية تنظر دائماً إلى سايكس بيكو أنها أولى مراحل خيانة الوعود التي قطعها الفرنسيون والبريطانيون على أنفسهم.

وفي عام 1920، أصبحت فرنسا، رسمياً، وصية على لبنان وسورية، وبريطانيا وصية على العراق وشرق الأردن (الأردن حالياً) وفلسطين من خلال عصبة الأمم المتحدة.

ثم عملت كل من فرنسا وبريطانيا عقب ذلك على تحقيق استقلال الدول الخاضعة لوصايتها باستثناء فلسطين، مع علمهم أن الاستقلال سيكون محفوفاً بكثير من المخاطر لعدم اعتماده التوازن الديمغرافي والديني في التقسيم، فوجدت الكثير من القبائل الممتدة من سورية إلى العراق ممزقة بين بلدين، فقد سعى الأوصياء لتحقيق ذلك، كما طبقوا الأمر نفسه على وادي البقاع بين لبنان وسورية.

وشهدت المنطقة العربية منذ هذا التقسيم عدم استقرار، بل ظلت السلطة هي منتهى أحلام الطغاة في مقابل الحفاظ على هذه الحدود، وسيادة دين على آخر وعرق بشري على غيره.

فعانت سورية من طائفة العلويين الشيعية بقيادة حافظ الأسد وابنه بشار، الذين حكموا البلاد بقبضة من حديد، وكان الضحية هي الأغلبية السنية، على عكس العراق، حيث حكم صدام حسين مدة 24 عاماً لمصلحة السنة على حساب الشيعة الذين يمثلون الغالبية في الشعب العراقي لو استثنينا الأكراد.

إنشاء الولايات الاستعمارية

وعقب سقوط العراق بعد الغزو الأمريكي له، وبعد إجراء أول انتخابات برلمانية في عام 2005، كان منطقياً أن يفوز الشيعة بأغلبية ويستحوذوا على البرلمان، إلا أن رئيس الوزراء الشيعي المستبد نوري المالكي، وضع قيوداً كثيرة على السنة في العراق في محاولة للثأر من الماضي.

ويحذر لويزارد من خطورة ما قام به المالكي، فيقول: "إذا أخفقت السنة في أن تجد لها مكاناً في العراق، فإن دولتي العراق وسورية اللتين رسم الاستعمار حدودهما، ستؤولان إلى الزوال، لأنه أصبح راسخاً في الأذهان أن السلطة تحت وصاية الاحتلال لن تكون إلا في أيدي الأقلية على حساب الأغلبية".

ومن ثم، فإن الإعلان عن الخلافة التي تمتد من العراق حتى سورية، ستكون نقطة شرف تحسب للتنظيم بإعلانه وفاة حدود سايكس بيكو، كما أنه سيكون وبالاً على المنطقة؛ بجذب الجهاديين من جميع أنحاء العالم، في ظل التمييز العنصري الذي تمارسه الأقلية ضد الأغلبية في حالة إزالة الحدود، وأملاً في تحقيق حلم الخلافة مرة أخرى.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة