خليجيون يظهرون في القدس

مَن يستدرج المسؤولين الخليجيين والعرب والمسلمين إلى القدس إنما يضللهم، ويورِّطهم بمعلومات يكتشفون زيفها في الميدان بعد فوات الأوان.

الأربعاء، 07-01-2015 الساعة 13:03


مهمة تاريخية أنجزوها بدخول المدينة، دعموا صمود الأهالي، وقضّوا مضاجع الاحتلال، وعايشوا خلالها الواقع. إنه انطباع يشكِّله مسؤولون خليجيون وعرب ومسلمون، في تصريحات يطلقونها بعد زيارات خاطفة إلى القدس.

لكن لحظة! فهناك ما يبعث على الريبة في الرواية. فالمقدسيون لم يخرجوا في مسيرات الترحيب بزوارهم، أمّا ملابسات التسلّل إلى المدينة فتعوزها التفاصيل والتوضيحات.

يقول بعضهم إنهم زاروا القدس "للاطلاع على الواقع". حسناً؛ ألم يكونوا على معرفة بحال المدينة أساساً، وأيّ شيء أدركوه من "واقعها" في سويعات قليلة؟ ثمّ أيّ معاناة عايشوها مع تسهيلات يمنحها المحتل لعبور مركباتهم الفارهة، وأيّ "قدس" رأوا تحديداً في نهاية المطاف؟! تكفيهم لإدراك واقع القدس مراجعة تقارير القمة، وبيانات الحكومات والخارجيات الخليجية المتراكمة منذ منشأ الاحتلال، إن لم يثقوا تماماً بالمضامين الإعلامية الواردة بالبث المباشر.

ويقولون إنها زيارات لدعم صمود المقدسيين. لكن؛ ألم تكن لدعم القدس ألف طريقة وطريقة، فأي إضافة نوعية حققتها جولاتهم فيها تحت علم الاحتلال وبصحبة جنوده؟

لم يقدِّم أولئك المسؤولون والشخصيات بين يدي زياراتهم وعداً بالتحرير أو رؤية للصمود أو إسناداً يغيِّر واقع المقدسيين تغييراً مباشراً.

ثمّ إنّ مهمة دعم الصمود لا تتطلّب من المسؤول الموقّر الانتقال الفيزيائي إلى بؤرة الاحتلال، فثمة عناوين متروكة بانتظار من يبغي التحرك؛ تبدأ من تشغيل مفاتيح الضغط السياسي والاقتصادي على مساندي احتلال القدس من الحكومات والشركات، مع الكف عن التلكؤ في تفعيل موارد الدعم المطلوبة لتعزيز صمود المقدسيين الذين يحاربهم المحتل في لقمة عيشهم. ولا حاجة للتذكير بإمكانية التخلي عن مبادرات السلام والأيدي الممدودة لسلطة احتلال القدس تحت لافتتها.

في ما يجري كثير من التكتم. فلا يشرح المسؤول الخليجي أو العربي أو المسلم بعد الزيارة، كيف تعامل موكبه مثلاً مع جنود الاحتلال الواقفين عند بوابات القدس، قبل إزالة العوائق من طريقه، ولماذا اختصّوه تحديداً بالضوء الأخضر وحرموا معظم الفلسطينيين منه؟

كثير هو المسكوت عنه في هذه الزيارات، ولا إفصاح مطلقاً عن التنسيقات الأمنية التي تتم مع سلطات الاحتلال لتيسير دخول هؤلاء المسؤولين والشخصيات على عجل وخروج المواكب منها بالشكل ذاته.

مَن يستدرج المسؤولين الخليجيين والعرب والمسلمين إلى القدس إنما يضللهم، ويورِّطهم بمعلومات يكتشفون زيفها في الميدان بعد فوات الأوان، فلا يصارحهم مثلاً بأنّ التسلل خلسة عبر بوابات الاحتلال يقتضي تنكيس الرؤوس تحت العلم الإسرائيلي والتجوال في المدينة بعين خفيضة في مواجهة نظرات الجنود المحيطين بالمسجد الأقصى.

ثمة حملة استدراج تجري تحت لافتات مغرية، مثل "زيارة أولى القبلتين"، و"تعزيز صمود أهالي القدس"، مع الطمأنة بأنّ "الترتيبات مع الإسرائيليين" تقضي بعدم وضع أختامهم على جوازات السفر الخليجية. أمّا هذه "الترتيبات" فليست سوى نسخة من تطبيقات التنسيق الأمني البغيض، الذي يتمّ إقحام الخليج وعالمه العربي والإسلامي به.

لم تسجِّل حملة استدراج الخليجيين لزيارة القدس المحتلة نجاحاً يُذكر مع الشعوب، حتى الآن، رغم تدبيج الفتاوى المريبة التي "تجيز" ذلك. لكنّ الحملة أنجزت اختراقات مع مسؤولين وشخصيات تسللوا إلى القدس بالفعل، فأخرجتهم من التاريخ وأحرجتهم مع الشعوب وأشغلتهم طويلاً بتبرير ما أقدموا عليه.

ما ينبغي قوله إنّ الخليج لا يربح من زيارات مسؤوليه إلى القدس، كما لا تكسب القدس شيئاً يُذكر منها. والأحرى أنّ دخول القدس عبر بوابات الاحتلال هو عبء على المدينة وأهلها، ففي ملابساته إذعان للأمر الواقع الذي تكرِّسه السلطات الإسرائيلية فيها كلّ صباح.

وفي نهاية المطاف؛ لا يعبأ المقدسيون بزيارات كهذه، لأنهم ينتظرون الفاتحين، ولا تلتفت القدس لجولات خاطفة تجري بالتنسيق الأمني مع محتليها.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة