خيارات الحلف السني القادم: تنازلات أو موت!

لا بد للجميع من الاعتراف بأن التفكير بمصلحة وطنية عليا يقتضي وجوباً التفكير بالسياق الإقليمي العام أولاً.

الثلاثاء، 21-07-2015 الساعة 12:00


ليس هناك أولوية الآن، في سياق تمدد إيران لصناعة جمهوريتها الثانية، سوى مجابهة مشروعها بمشروع مضاد، فالمشروع الآخر القادم من الضفة الأخرى للخليج العربي لا يميز عِـقَـالاً عن عِـقَـالْ، ولا شماغاً عن غترة! ولا منارة مسجد سني عربي عن شيعية عربية أخرى، المشروع الآخر القادم عبر الضفة الأخرى للخليج العربي هو مشروع اللاتعايش، واللاقبول للآخر، هو مشروع لا يعرف سوى التفرد والاستيلاء ومحو كل وجود آخر مخالف له بالفكر أو المصالح، إنه صراع وجود!

ليس هناك متسع من الوقت ولا كثير من الرفاهية الفكرية لبدء المشروع السني الكبير، فالسياق ليس سياق اكتساب مصالح، ولا تثبيت منافع محدودة بسياق محلي أو وطني، والاعتماد حصرياً على النظريات الأمنية التقليدية القائمة على حماية أنظمة الحكم ليس ذا جدوى في سياق تهديدات إقليمية وجودية تمس الكيان العربي الخليجي بشكل مباشر، والكيان العربي العام بشكل أوسع.

في خضم التوقيع الأخير على الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لا بد للجميع من الاعتراف بأن التفكير في مصلحة وطنية عليا يقتضي، وجوباً، التفكير في السياق الإقليمي العام أولاً، فالوطن جزء من جيرانه، وهو يستمد وجوده واستقراره من وجودهم، وإن كان مجلس التعاون الخليجي يمثل إضافة هامة فيما سبق لدول الخليج، فإنه الآن ضرورة قصوى، وأولوية مطلقة، إن تم تفعيل مقتضياته التي مضت عقود ونحن ننتظر معظمها!

ليس هناك خيار آخر، لا بد من الاتفاق على المشروع السني، وإنشاء حلف واقعي، والعمل تحت مظلته، بكل ما يقتضي ذلك من تنازلات محدودة على صعيد السياق الوطني، فالوطن المحدود الصغير يصبح دولة عظمى بتحالفه مع نظرائه المتسقين معه ويجمعهم رصيد فخم من التاريخ واللغة والدين.

ليس الحلف السني الذي نقصده هنا طائفياً كما توحي كلمة "سني" بذلك، فنحن نستخدمها كوصف يميّز هذا الحلف عن ذاك المضاد له، الطائفي بامتياز! ومن ثم لجأنا لهذا الوصف مضطرين، لوجوب التمايز بالوصف وضرورة التعريف والتمييز، لكن الحلف الذي نعنيه هنا هو "إنسانيٌّ" بالمقام الأول، عربي في جذوره وانتمائه، إسلامي في هويته وبنائه، وهي هوية عقائدية تابعة للغالبية الساحقة من الأمة الإسلامية، فالأمة ليست طائفة، وعقيدتها ليست مذهباً!

وحتى أولئك الذين يصابون بالحساسية والحكة الشديدة من الخطاب الديني: لا بد لهم من الانضمام لهذا الحلف، فالصراع الدائر الآن ليس صراعاً على مصالح، بل صراع فكري يسخّر الموارد والمصالح والطاقات خدمة للعقيدة، ويحصر الانتماء الإنساني ووجوده تبعاً لانتمائه الأيديولوجي، لذا لا بد من تنازل، واعتراف بضرورات الانخراط في عمل ذي بُعد ديني عام مثل الحلف الذي ننادي به هنا، فالضرورات تبيح المحظورات، والعقل المرن يبحث عن الحكمة والحصافة وفقاً للسياق والثوابت الكبرى، وليست هناك حكمة أعظم من ترسيخ الوجود الإنساني وحماية حق الحرية في الحياة الإنسانية، بغض النظر عن الهوية والعرقية والانتماء!

الحلف السني هو حلف الجميع، والجميع ليست أوطاناً فقط، بل شعوب، وحركات، وطنية وإسلامية، ينبغي أن تنتهي حقبة الصراع بين الدولة وبين "مؤسسات" أفرادها المدنيون، فالمواطن هو الدولة، إن امتنعت الدولة عن شيطنته تبعاً لاعتقاداته وآرائه، والمواطن هو الجندي الأول لها، إن منحته الدولة ثقتها. القضية الآن ليست قضية من "يستولي" على الحكم، ومن "يجلس" في الصدارة، ومن "يقول" ما يقول من رأي، كما أن القضية ليست مناداة بديمقراطية ولا حقوق بالتعبير هنا أو هناك، ولا حتى مزيد من الحريات! فهذه رفاهية الآن في سياق الحرب المباشرة الموجهة إلى إقليمنا الخليجي العربي السني ذي الأيادي البيضاء على الإنسانية. القضية الآن هي قضية وحدة، واتفاق، ورص للصفوف وحفظ للوجود من خلال إحكام البناء وتشديد الوحدة الداخلية.

وفي عالمنا المعاصر أطياف واسعة وشتى من حركات الإسلامية المعتدلة، التي تتبنى فكراً قويماً، وتنزع إلى السلمية، وتبادر إلى البناء والمساهمة في تطوير الوطن، وبعض تلك الحركات لها تاريخ طويل ورصيد مشرّف من المواقف الوطنية، ومثل هذه الطاقات يجب أن تتعاضد مع دولها في الحلف الذي ننادي به هنا. فمنظومة الاستقرار تبدأ داخلياً من لملمة رجالات المجتمع ووجاهاته وقادته وعلمائه في سياق كبير وشامل، ونحن متيقنون أن الجميع سيضع خلافاته جانباً وينضم لهذا الحلف إن أخلص "قادته" في بنائه، ونجحوا بمخاطبة رعاياهم "بالتي هي أحسن".

لا بد، إذن، أن تتنازل الدول عن عداءات عبثية مع أطياف معتدلة من حركات إسلامية ووطنية، وتتوقف عن ملاحقة بعض المخالفين الذين لا يمثلون تهديداً لوجودها، بل لا يمثلون أي تهديد، لا الآن ولا في المستقبل، بالنظر إلى حجم التهديد الذي تمثله إيران لوجود دولنا، واستقرارها، فمثل هذه العداءات لم تنجح إلا بالإساءة لصور تلك الدول المشرقة لدى شعوبها، ولم تنجح في فرض أمنٍ ولا نظام بقدر ما أشاعت سخطاً وإحراجاً لدى أبنائها الوطنيين المخلصين، ونحن هنا نستثني أولئك الذين يمارسون الإرهاب ويرفعون السلاح ويعلنون خصومتهم لدولهم وتهديدهم لأمنها، فهؤلاء ابتداء لا سبيل للتعاون معهم فضلاً عن التحالف معهم!

ليس الوقت وقت عتب، ولا فتح جراح، ولا محاسبة على أخطاء الماضي، لا بد من إعادة "تكوين" العائلة الوطنية الكبرى، ومداراة جروح حصلت في الزمن الماضي، وتحسين الثقة بين المواطن ودولته، وبين الناشط وحكومته، وبين متدين من طائفة أقلية ومجتمعه، لا بد من زرع الثقة من جديد، بعد أن هزها في الماضي رياح التدخل الأجنبي والحماقات الأمنية.

كما أن على الآخرين، من أصحاب الحركات الإسلامية والوطنية، مراجعة خطابهم، والوقوف واقعياً على الأرضية الرخوة المهتزة من تحتهم، فهم ليسوا بقادرين على قيادة أوطان، ولا تحمل عبء حكمها، وقد كشف الربيع العربي عن تخلف رهيب في قدرات هذه الحركات القيادية، وابتعادهم كثيراً عن السياسة وفن الحكم الرشيد، فالعلم بالشيء لازمٌ لحسنِ أدائه، فكيف يأتي العلم بالسياسة والحكم لمن خاوى السجون وألف السرية والخوف تحت أبواب مغلقة؟

ينبغي على الحركات الإسلامية المعتدلة المعاصرة، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، الإقرار بأن التماهي مع القوى الوطنية، والتصالح مع الحكومات، خدمة للحلف الذي ننادي به هنا، هو سبيلها الوحيد والحصري والمكافئ لإمكانياتها، فلا سبيل للأدبيات التي تحلم بمعجزة إقامة "دولة" فضلاً عن "إدارة" ما هو موجود أصلاً، فالعمل الذي يمهّد لذلك ما زال قاصراً محدوداً، رغم طول الأمد وكثرة التضحيات، ولا بد من طمأنة الجميع حول مفاهيم مثيرة للجدل، تشمل معاني "البيعة" و"التنظيم" و"الوطنية" من منظور تلك الحركات، ولا بد من إعادة صياغة خطابها ليتناسب مع الواقع، ويجد موقعه اللائق في الحلف السني الكبير الذي ننادي به.

لا بد للجميع من تقديم تنازلات: الدولة، والحركة المدنية، وفئات المجتمع، الكل ينبغي أن ينخرط بمشروع كبير، إذ لدى إيران في "بحر خطاياها الواسع"، حسنة واحدة كبرى، وهي توحيد كل أطياف المجتمع العربي المسلم (باستثناء أولئك الطائفيين)، ضد إيران وضد مشروعها، وهذا الخط العام هو الذي يجب الوقوف عنده، وجعله نقطة انطلاق للعمل في المستقبل القريب، إذ ليس هناك خيار آخر، وليس ثمة فئة مستثناة أو لا جدوى من وجودها، فكل طاقة هي لازمة، وكل لبنة تساهم في البناء، وأساس قوتنا هو تعاضد "المتنوع" و"المختلف"، هذا قدرنا وخيارنا الوحيد، أما الخيار الآخر: فهو بقاؤنا في خانة "الممنوع" من الوجود و"المتخلف"!

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة