داعش عدوة الثقافة والمعرفة

داعش تدّعي أنّها دولة إسلامية، وهل لدولة إسلامية أو غير إسلامية أن تُبنى بغير العلم والقلم؟

الأربعاء، 25-02-2015 الساعة 21:20


لم يمض سوى شهرين على دخول داعش الى مدينة الموصل حتى كشّرت عن أنيابها وأبانت عن مكنون نفسها بحقد دفين لحضارة وشعب هذه المدينة العريقة، فانكشف زيفها وتسترها بالدين حين قامت بتفجير مساجد الأنبياء، ثمّ طمس معالم المدينة الحضارية زاعمين أنّها من معالم الشرك، واستمرّ مسلسل القتل والتخريب ستة أشهر حتى دخلت سنة 2015 فأقدمت داعش بمطلعه على جريمة شنيعة تذكرنا بأيام هولاكو حيث قامت بحرق المكتبة المركزية والتي تضم ما يقرب من عشرة آلاف كتاب في شتى العلوم والفنون ناهيك عن مئات المخطوطات والتي يرجع تاريخها إلى العصور الذهبية في صدر الإسلام وما بعده، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنما يدلُّ على الانحطاط العلمي والفكري عند تلك الجماعة، وإلا فمن مصلحة مَنْ أن يُحارب العلم وأن يُقتّل العلماء؟!

داعش تدّعي أنّها دولة إسلامية، وهل لدولة إسلامية أو غير إسلامية أن تُبنى بغير العلم والقلم؟ وكيف تُبنى وهي تحرق تراثها وتأبى الانتفاع من تراث الأمم الأخرى؟

رغم عدم قناعتي التأريخية بما فعله المغول عندما اجتاحوا بغداد وفعلوا الأفاعيل في مكتباتها حرقاً أو إلقاءً في النهر، لعدم امتلاكهم مؤهلات معرفية تمكنهم من أهمية الكتاب وما يحويه، ولست ممن يؤمن بأن التأريخ يعيد نفسه. لكني أصبحت اليوم أراجع قناعتي بما يفعله أحفاد هولاكو (داعش) من إحراق المكتبات في عموم العراق، وتحديداً المكتبة المركزية التابعة لمحافظة نينوى شمال العراق، وقبلها نهب مكتبة الأوقاف، وإحراق أهم المخطوطات، ناهيك عما ارتكبته تلك الأيدي الآثمة في مكتبة جامعة الموصل من إحراق لكتب الفلسفة واللغة الإنجليزية وسواها.

أكثر من عشرة الآف كتاب بين ثقافي واجتماعي وعلمي وأدبي وديني، وآخر يصنف في العامة، أحرقتها عصابات داعش في الجانب الأيسر وتحديداً في منطقة الفيصلية هناك.

براءة اختراع تسجل لداعش في اغتيال العلم والعلماء وما تبقى من تراث يحدد هوية أمتنا، وهو ما بقي من أمجاد عزتنا، كنت أتصور شخصياً أن ينتهي تغول هؤلاء عند المساجد وتفجيرها بحجة وجود مراقد دينية فيها؛ فمسجد النبي يونس عليه السلام في جبل التوبة يمثل أصح قبر لنبي بعد قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد تم تفجيره، وجامع النبي شيث، والنبي جرجيس على خلاف أنهم أنبياء أو أولياء تم تدميرهما، ليصل العدد بعد ذلك ما يقارب من 50 مسجداً في محافظة نينوى وحدها.

أي جرأة هي تلك التي تدمر وتحرق مسجداً والله من فوق سماواته يخاطب: (ومن أظلم ممن مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين....).

داعش اليوم حققت ما عجز عنه غيرها؛ فهي بارعة في تدمير حضارة أفنى الأجداد سني عمرهم في بنائها، وهم لا يؤمنون إلا فيما عشعش في عقولهم المتهالكة من مفاهيم ربما يفيد منها أصحاب العقول المتخلفة كهم.

إن اغتيال المعرفة، وإشاعة الجهل، وتسويق الأفكار التكفيرية، تمهيد لغزو عقلي يمارسه الجهلة، لشطب روح التسامح الذي أشاعته الكتب المحروقة، كما أن العمل يدل على عداوة حتى النخاع في أذهان هؤلاء خصوصاً أن أغلبهم لا يمتلك مؤهلاً معرفياً.

داعش اليوم بقلة معرفتها، تؤسس لعودتنا إلى القرون الجاهلة الأولى، حيث شريعة الغاب، وحيث لا علم ولا معرفة، ما قام به ثلة طاغية من إحراق للكتب والمكتبات سيعود عليهم بالوبال والخزي؛ لأن التأريخ سيسجل أنه في زمنين تم إحراق المكتبات والكتب: في زمن هولاكو، وزمن داعش.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة