دلالات فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية

الدلالة الكبرى التي ينبغي الوصول إليها كنتيجة لهذه الانتخابات البرلمانية هي حاجة تركيا إلى تجديد في أحزاب المعارضة، وتجديد في خطابها وأدائها السياسي.

الثلاثاء، 03-11-2015 الساعة 12:43


فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية المبكرة في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، وبحسب النتائج النهائية غير الرسمية، حصل حزب العدالة والتنمية، بزعامة أحمد داود أوغلو، على نسبة 49.4%، بعد فرز 99.99% من مجموع صناديق الاقتراع، وحصل حزب "الشعب الجمهوري"، أكبر وأقدم أحزاب المعارضة التركية برئاسة كمال قليجدار أوغلو، على نسبة 25.3% من الأصوات، وكلاهما رفع نسبة التصويت له، في حين حصل حزب "الحركة القومية"، برئاسة دولت بهتشلي، على نسبة 11.8%، وحصل حزب "الشعوب الديمقراطي" بزعامة صلاح الدين دميرطاش على 10.6% من الأصوات، والحزبان الأخيران هبطت نسبة التصويت لهما بنسبة كبيرة كادت تخرجهما من البرلمان التركي، الذي يضع حاجزاً انتخابياً هو 10% لدخول البرلمان، في حين حصلت باقي الأحزاب الأخرى والمستقلون على 3.30% من الأصوات، وعددهم 21 مرشحاً مستقلاً.

ومن الملاحظات المهمة في هذه الانتخابات هي النسبة العالية من المشاركة الشعبية في الانتخابات التي بلغت 87.11%، وهي من أعلى النسب العالمية من إجمالي من يحق لهم التصويت من الناخبين الأتراك. وللإشارة، فقد بلغ عدد الناخبين المسجلين في الداخل 54 مليوناً و49 ألفاً و940 ناخباً، في حين بلغ عدد صناديق الاقتراع في عموم البلاد 175 ألفاً و6 صناديق، من ضمنها 358 صندوقاً وزعت على السجون.

من أوائل الإشارات على مغازي هذه الانتخابات ما عبر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة هي :"أكبر انتصار على الإرهاب وداعميه"، حيث تعرضت تركيا في الأشهر الأربعة الماضية لمئات العمليات الإرهابية، التي قتل فيها مئات المواطنين الأتراك المدنيين والعسكرين، كان آخرها وأخطرها وأكثرها ألماً تفجيرات أنقرة وسروج، التي استهدفت تجمعات شعبية للمواطنين الأكراد، وكانت منظمة "داعش" هي أكثر التنظيمات المشتبه فيها بتنفيذ هذه التفجيرات، وإن كان التخطيط ليس حصراً على داعش، بحكم التعاون الإرهابي بين داعش ومخابرات الأسد وبعض الأحزاب الكردية المعادية لتركيا، كما ثبت ذلك استخباراتياً، من التقاء هذه الأطراف في محافظة الحسكة في شهر مايو/ أيار الماضي للتخطيط لأعمال إرهابية داخل تركيا، وقد أعلن عنه رئيس الوزراء التركي دواد أوغلو بعد تفجيرات أنقرة.

لقد أشار الرئيس التركي أردوغان إلى أن نتائج الانتخابات هي: "رسالة لكل أحزاب المعارضة وزعمائها"، لأن بعضها -وبالأخص الأحزاب الثلاثة المعارضة- قد أخطأت في حساباتها وفي لغتها الانتخابية، وكذا في شعاراتها، فقد هاجم بعضها شخص رئيس الجمهورية الذي ينبغي أن ينظر إليه على أنه بعيد عن المنافسات الحزبية، بغض النظر عن ماضيه السياسي والحزبي، بدليل أن الرئيس أردوغان تقدم بالتهنئة إلى الشعب التركي أولاً ثم لحزب العدالة والتنمية ثانياً، وأكد "أن الشعب اختار الأمن والاستقرار"، وأن هذه المشاركة الكبيرة هي: "تعبير جلي عن الإرادة الوطنية".

هذه النتائج ستتم قراءتها كثيراً، من وجهات نظر عديدة، وستكون الدقة في التحليل من حظ الأكثر قرباً من واقع هذه الانتخابات وما سبقها من انتخابات بلدية وبرلمانية ورئاسية خاضها حزب العدالة والتنمية بعد عام واحد من تأسيسه عام 2002، حيث نجح في كل تلك الانتخابات، وهي أحد عشر انتخاباً واستفتاءً، بنسبة متزايدة مطردة دائماً، وما كان خارج هذا السياق في انتخابات 7 يونيو/ حزيران 2015، كان له أسبابه الخاصة من المكر والخديعة وإرهاب الناخبين في جنوب شرقي تركيا بقوة السلاح، مما رفع من نسبة حزب الشعوب الديمقراطي، وهبطت بنسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية هناك، إضافة للخديعة التي تمت في إسطنبول؛ بتصويت حزب الشعب الجمهوري لنواب حزب الشعوب الديمقراطية في اتفاقية تمت حياكتها خارج تركيا، وكان الكيان الموازي الإرهابي طرفاً مشاركاً فيها، وهو ما اضطر حزب العدالة والتنمية لمعالجة أخطائه في المؤتمر الاعتيادي الخامس في الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول 2015، والاستجابة لضغوط القواعد الشعبية للحزب في اختيار أسماء المرشحين لدوائر الحزب، وتجديد رسالة الوعود والتطمينات للشعب التركي، على مستقبله ومستقبل وطنه وحمايته من الإرهابيين.

ومن دلالات هذه النتائج أن أحزاب المعارضة قد لعبت على معزوفة كراهية الشعب التركي للسياسة الخارجية للحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، سواء بتذمره من التدخل التركي في دعم ثورات الشعب العربي، أو مساعدته للاجئين السوريين والعراقيين والمصريين وغيرهم في تركيا، وربما إضافة إلى ذلك اتهام حزب العدالة والتنمية أنه يأخذ الشعب التركي نحو الرجعية الإسلامية والحياة العثمانية والانتماء إلى الشرق، كما ظهر في احتفالات تأسيس الجمهورية بتاريخ 29/10/2015، أي قبل يومين من تاريخ الانتخابات البرلمانية، فظنت أحزاب المعارضة أن الشعب التركي سوف يعارض هذه المساعي الحكومية بإحياء الاستعراضات العسكرية على الطريقة العثمانية، وبالأخص أنها تضمنت تلاوة آيات قرآنية باللغة العربية، وأناشيد دينية صوفية، كثيراً ما عملت الحكومات التركية العلمانية السابقة على محاربتها، ولكن نتائج الانتخابات جاءت عكس توقعات هذه الأحزاب، ودلالة ذلك أن حسابات أحزاب المعارضة وخطاباتها كانت خاطئة ومضللة، فالشعب التركي في النهاية صوّت لحزب العدالة والتنمية بكل سياساته وبرامجه وعلاقاته الخارجية ومواقفه من الدول الخارجية، فالفوز الذي حققه حزب العدالة والتنمية هو فوز لسياساته الخارجية أيضاً، وبالأخص في الملف السوري الأكثر صعوبة وسخونة، لارتباطه بالبعد الكردي والتقاء الأحزاب الكردية التقليدية اليسارية على معاداة حزب العدالة والتنمية والدولة التركية أيضاً، ولارتباطه بالطائفة العلوية التركية التي يتم تجييشها لتقف ضد سياسات حزب العدالة والتنمية وحكوماته من أسرة الأسد، ولكن دون تجاوب من العلويين الأتراك الذين لا يؤيدون السلوك الإجرامي لأسرة الأسد ومحورها الطائفي الإيراني المتشيع.

لا شك أن أخطاء الأحزاب الأخرى في معالجة نتائج الانتخابات الماضية في 7 يونيو/ حزيران قد سجلت نقاطها السلبية على أداء تلك الأحزاب، ومنها إخفاق الأحزاب السياسية التركية في تشكيل حكومة ائتلافية، وهو ما دفع الأحداث باتجاه تسريع الذهاب للانتخابات البرلمانية المبكرة، لم تستطع الأحزاب المعارضة مواكبتها ولا التجاوب مع تطوراتها، على الرغم من مشاركتها في صناعتها، فقد ظنوا أن صناعة المتاعب لحكومة العدالة والتنمية المؤقتة سوف يربك حكومة داود أوغلو، ويربك حزب العدالة والتنمية، ولكن النتائج كانت عكسية عليهم أيضاً، فقد استطاع حزب العدالة والتنمية الاستفادة منها لمصلحته، ومنها:

1ـ المواقف المتعنتة لرئيس حزب الحركة القومية "دولت بهجلي"، ورفضه المشاركة في حكومة ائتلافية، وطرحه شروطاً تعجيزية على حزب العدالة والتنمية، ورفع لاءات كثيرة في وجه حزب العدالة والتنمية، وهو ما أفقده نائبه في رئاسة الحزب أرطغرل توركش أرسلان، ابن مؤسس الحزب، وانضمامه هو وعدد كبير من أعضاء الحزب إلى حزب العدالة والتنمية، وهذا أدى إلى أن تذهب أصوات 4.3% من أصوات حزب الحركة القومية لحزب العدالة والتنمية.

2- عملت الأحزاب الكردية الإرهابية، وبالأخص حزب العمال الكردستاني، على تهديد الأمن الداخلي في الشارع والمدن التركية، بهدف خلق حالة فلتان أمني تفرض عملية تأجيل الانتخابات، ولكنها فشلت في ذلك، وخلقت حالة كراهية للأحزاب الكردية التي تعادي الاستقرار الأمني في تركيا.

3- أدت حالة الاضطراب الأمني إلى تدهور الحالة الاقتصادية، وركود السوق التجاري في محافظات كثيرة في تركيا، وبالأخص المحافظات التي يزيد فيها نسبة المواطنين الأكراد، وهذا خلق حالة غضب لديهم ضد المتسببين لهذه الحالة الاقتصادية السيئة، ولذلك عاقبوا من فعل ذلك، وصوتوا للاستقرار الأمني والاقتصادي.

4- محاولة بعض أحزاب المعارضة استرضاء الرأي العام الأوروبي والغربي على حساب استرضاء الشعب التركي، وهذا سلوك مرفوض لدى الشعب التركي، ولا يعبر عن انتماء وطني، بل قد تكون نوعاً من الخيانة الوطنية في رأي قطاع كبير من الشعب التركي.

5- تشكيك بعض أحزاب المعارضة بجدوى العديد من المشاريع الاقتصادية الكبرى التي وعد بها حزب العدالة والتنمية في حملاته الانتخابية السابقة، وقد باشر تنفيذ العديد منها، مثل مطار إسطنبول الدولي، وهو من أكبر مطارات أوروبا، وغيره من المشاريع التي وقفت أحزاب المعارضة ضدها لمصلحة مشاريع أوروبية منافسة في ألمانيا وغيرها، فبدا ذلك عملاً ضد مصالح الشعب التركي وتقدم مجتمعه واقتصادية ودولته.

هذه بعض أخطاء أحزاب المعارضة في فهم عقلية الشعب التركي وطريقة تفكيره، ولا شك أنّ حملة حزب العدالة والتنمية الانتخابية خلال هذه الأشهر الخمسة الماضية كانت الأكثر تأثيراً ونجاحاً، وساهمت سياسة أحمد داود أوغلو المتوازنة في قيادة سفينة الانتخابات المبكرة لمصلحة الشعب التركي، وهو ما جعل الناخب التركي يهرع إلى الانتخابات ويصوت لحزب العدالة والتنمية، وهو يدرك أبعاد هذا التصويت وأهميته على مستقبل تركيا وقوتها ومنعتها، فحزب العدالة والتنمية عالج أخطاءه بهدوء وباعتراف ضمني بوجودها، واستثمر أخطاء الأحزاب الأخرى دون أن يدخل في مناكفة وطنية معها، إلا حيثما اضطر في مواجهة الأعمال الإرهابية لحزب العمال الكردستاني وتوابعه السياسية مثل حزب الشعوب الديمقراطي.

إن الدلالة الكبرى التي ينبغي الوصول إليها كنتيجة لهذه الانتخابات البرلمانية هي حاجة تركيا إلى تجديد في أحزاب المعارضة، وتجديد في خطابها وأدائها السياسي، فتقدم الحياة السياسية في تركيا يتطلب أحزاب معارضة سياسية متطورة في أفكارها السياسية، وغير خاضعة لمواقفها الأيديولوجية، فالعمل السياسي مغاير للعمل الفكري والأيديولوجي، ومتطلبات حياة الشعوب تريد العمل السياسي وليس العمل الثقافي ولا الأيديولوجي، ولا المناكفات القومية ولا الأحقاد الطائفية، لأن أصوات الشعب لا يمكن تقسيمها على أساس طائفي أو قومي بغيض.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة