دلالات موقف الحركة القومية من الأحزاب والانتخابات المبكرة

يتناوب تسليط الأضواء على الأحزاب التركية المؤهلة لتشكيل الحكومة مع حزب العدالة والتنمية في الأيام القادمة.

الجمعة، 26-06-2015 الساعة 10:06


يتناوب تسليط الأضواء على الأحزاب التركية المؤهلة والمحتملة لتشكيل الحكومة مع حزب العدالة والتنمية في الأيام القادمة، فقد بدأ تسليط الأضواء على حزب ديمقراطية الشعوب الكردي الذي كان فوزه بنسبة عالية (13%) فاقت كل التوقعات، وبالأخص أنها جاءت على حساب هبوط نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية الحاكم نحو سبع درجات على أقل تقدير، والتي حرمته من قدرته على تشكيل حكومة أغلبية منفرداً، ثم تركزت الأضواء على مواقف حزب الشعب الجمهوري بعد أن أبدى حزب الحركة القومية رد فعل مستعجل يرفض فيه التحالف مع العدالة والتنمية في حكومة ائتلافية، وهو ما كرره صلاح الدين ديمرطاش برفض التحالف مع العدالة والتنمية في حكومة ائتلافية أيضاً، فبقي التطلع إلى حزب الشعب الجمهوري وإلا فإلى انتخابات مبكرة جداً، لعجز حزب العدالة والتنمية تشكيل الحكومة وحده، وعجز أحزاب المعارضة عن تشكيل حكومة ائتلافية وحدها باستثناء حزب العدالة والتنمية.

وأخيراً انتهى الحديث عن تحالف حزب الشعب الجمهوري مع العدالة والتنمية بسبب الشروط التي وضعها رئيس الحزب كلجدار أغلو، ومنها: التناوب في رئاسة الحكومة بحيث يرأس الحكومة كل حزب لمدة عامين، وتقاسم الوزارات بالتساوي دون النظر إلى نسبة التصويت، مع اشتراط حصوله على حقائب وزارات العدل والداخلية والتعليم، وعدم تدخل السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية، وأن تكون رئاسة البرلمان من نصيب حزب الشعب الجمهوري، وأخيراً إعادة محاكمات الوزراء الأربعة الذين اتهموا بقضايا فساد، وتم تبرأتهم عن طريق البرلمان وليس القضاء، فقد لاقت هذه الشروط رفضاً حاسماً من حزب العدالة والتنمية، ما اغلق باب التحالف بين العدالة والتنمية، والغريب أن أعضاء البرلمان المنتخبين عن حزب الشعب الجمهوري يؤيدون هذه المطالب مما يعني أن حزب الشعب الجمهوري يمارس سياسة إحساس بالفوز الكبير لمجرد أن حزب العدالة والتنمية لم يتمكن من تشكيل الحكومة منفرداً، ولظنه أن حزب العدالة والتنمية لا يستغني عن التحالف معه، بعد الرفض الأولي لكلا الحزبين المتبقيين، مما دفعه لعرض حكومة ائتلافية مع الحزبين الآخرين، وإغراء دولة باهتشي بتولي رئاسة الحكومة، الذي رفض دعوة كلجدار أغلو جملة وتفصيلاً، رافضاً بشكل قاطع أن يشارك في حكومة ائتلافية فيها حزب ديمقراطية الشعوب الكردي.

وعلى إثر ذلك توجهت الأنظار وتسلطت الأضواء على تحالف العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، بعد تراجع الأخير عن رفضه الأولي للتحالف مع العدالة والتنمية، وأولى البوادر الإيجابية جاءت من رئيس حزب الحركة القومية عندما رفض دعوة كلجدار أغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري إلى انتخابات مبكرة إثر فشله في الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزب المعارضة أولاً، ومع حزب العدالة والتنمية ثانياً، وهذا الموقف من باهتشلي لا بد أن يحمل على تصور مبدئي لديه على حكومة ائتلافية مع العدالة والتنمية فقط، فهو يرفض دعوة التحالف مع حزب الشعب الجمهوري أولاً، ومن باب أولى رفض التحالف مع ديمقراطية الشعوب الكردي جملة وتفصيلاً، ولذلك من الطبيعي أن يبقى الاحتمال الأخير والأقوى حتى الآن في الساحة التركية في تحالف الحكومة بين العدالة والتنمية مع الحركة القومية، ولإدراك باهتشلي أيضاً عدم إمكانية كلجدار أغلو من إبعاد حزب العدالة والتنمية عن السلطة التنفيذية في المرحلة المقبلة، مهما كانت رغبات القوى الخارجية أو الدول الكبرى، لأن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الأول في الانتخابات، فلو اعتبرت كل الأحزاب أنها فائزة في تلك الانتخابات فإن حزب العدالة والتنمية هو الفائز الأول، والأكثر نسبة في عدد نوابه في البرلمان، ولا يمكن تجاهله إطلاقاً، فعدم فوزه الكبير لا يعني خروجه من الحكومة بالمعادلة القائمة داخلياً تحديداً.

وعند تسليط الأضواء على تحالف الحركة القومية مع العدالة والتنمية فإن الأنظار تذهب إلى شروط كل منهما على الآخر، ومن شروط حزب العدالة والتنمية للمشاركة في حكومة ائتلافية الموافقة على سياسة الحكومة السابقة التي كان الحزب ينتهجها قبل الانتخابات، ومنها الموافقة على مواصلة مكافحة ما أطلق عليه الحزب بالكيان الموازي، وفي مقدمة هذا الكيان الموازي جماعة الخدمة التي يتزعمها فتح الله جولن والأحزاب الإرهابية، والشرط الثاني الاستمرار في مشروع عملية السلام والمصالحة الداخلية مع كافة القوميات التركية وفي مقدمتها عملية السلام مع الأكراد، ويذكر في هذا الصدد مطالبة الحزب شركائه في الحكومة عدم التدخل في صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية، التي كفلها له دستور 1982 مع التعديلات القانونية التي أجريت عليه بعد ذلك، وبالأخص بعد أن أصبح رئيساً منتخباً من الشعب بطريقة مباشرة.

وأما حزب الحركة القومية فله عدد من الشروط التي يصفها بأنها خطوطاً حمراء، ومنها وهو الشرط الأول والمتوقع من حزب الحركة القومية في ألا يكون لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي أي وجود أو مشاركة ضمن التشكيلة الحكومية، أي أن حزب الحركة القومية يتقبل مشاركة وزراء من حزب الشعب الجمهوري وهو شريك له في هذا الائتلاف، ولا يقبل المشاركة في حكومة فيها وزير واحد من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، بل ويشترط إلغاء محادثات السلام مع ممثلي الأكراد، سواء من حزب ديمقراطية الشعوب أو مع عبد الله أوجلان، كما يطالب بالعودة عن الاتفاق المبدئي السابق مع أوجلان وبسط نفوذ الدولة في كل تركيا، والقضية الأخرى التي يحاور بها حزب الحركة القومية ويشترطها هي عودة رئيس الجمهوري رجب طيب أردوغان كرئيس فخري، وعدم ممارسته لأي سياسية تتدخل في شؤون الحكومة، وبقائه رئيساً فخرياً للجمهورية كما كان الحال في السابق، إضافة للمطالبة بمحاكمة الوزراء الأربعة المتهمين بقضايا فساد، وهم من وزراء حكومة أردوغان السابقة، قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية، وأثيرت قضيتهم في حملة مكافحة فساد الحكومة في حملة التشهير ضد حكومة العدالة والتنمية في منتصف حزيران 2013.

هذه صورة عن تجاذبات السياسيين الطبيعية بعد انتخابات غير حاسمة لصالح أحد الأحزاب السياسية بتشكيل الحكومة منفرداً، وهذه الصورة طبيعية لأن الأصل والمعتاد في الديمقراطيات الأوروبية والغربية هو تشكيل الحكومات الائتلافية في الأنظمة السياسية البرلمانية، فالأصل في النظام السياسي البرلماني هو تشكيل حكومات ائتلافية وليس حكومات الحزب المنفرد، بينما في النظام السياسي الرئاسي يقوم رئيس الجمهورية المنتخب باختيار رئيس حكومة لتشكيل الحكومة من حزب رئيس الجمهورية المنتخب، ويمكنه توجيه التكليف لرئيس وزراء ووزراء من خارج الحزب الفائز في الانتخابات الرئاسية، ولكن يبقى رئيس الجمهورية المنتخب هو المسؤول عن أداء الحكومة ووزرائه وتغييرهم بآخرين إذا دعت الضرورة لحين انقضاء مدة رئاسته، كما في النظام الرئاسي الأمريكي والفرنسي والروسي وغيرها مع وجود فوارق بينها، ولذلك فمن الطبيعي أن تنشأ مثل هذه الاختلافات والتناقضات بين الأحزاب السياسية في النظام البرلماني والمقيدة بالحاجز الانتخابي أيضاً.

إن رفض دولة باهتشلي عروض كلجدار أغلو بتولي الحكومة إذا وافق على التحالف الثلاثي ضد العدالة والتنمية أولاً، ورفضه لدعوته بانتخابات مبكرة ثانياً، وموقفه المبدئي من النزعات القومية في تركيا، تؤكد أن حزب الحركة القومية يمارس العمل السياسي بنضوج أكبر من كلجدار أغلو الذي يذهب إلى سياسة انتقامية من حزب العدالة والتنمية وقيادته التاريخية، كما يشترط مكاسب شخصية واجتماعية واقتصادية، قد لا يوافقه عليها قيادات وأعضاء حزبه وأن أبدى أعضاء الحزب في البرلمان تأييداً له في مطالبه، ولكن تأييدهم قد يكون من باب رفع سقف المطالبات على أمل تحصيل بعضها، ولكنها ربما أضاعت فرصة كان ينبغي على حزب الشعب الجمهوري اقتناصها لو كان بأيدي رئاسة أخرى، ولذلك فإن الوعي السياسي الذي يظهره حزب الحركة القومية اليميني ضروري جداً في تجاوز هذه المرحلة الحاسمة، حتى لا يتم استغلالها في إضعاف الديمقراطية التركية المعاصرة، ولا في إضعاف الاقتصاد التركي، وكلاهما يؤثران على بعضهما البعض، فإفشال الديمقراطية وعدم تشكيل حكومة ائتلافية بسرعة وحكمة سيؤدي إلى فشل اقتصادي، وإذا طال زمن تشكيل الحكومة أو عمل البعض على تأخيرها عمداً، سواء بضغوط داخلية أو خارجية بهدف خلق اضطراب في الشارع السياسي الحزبي، أو دفع البلاد إلى انتخابات مبكرة، فإن ذلك سيؤدي إلى إرهاق اقتصادي يتحمل خطورته وخسارته الشعب الذي انتخب هذه الأحزاب، مما قد يعود بالسلب على العملية الديمقراطية نفسها، لذلك فإن الديمقراطية التي اتت باستقرار تركيا وأمنها في العقد الأخير كفيلة أن تحفظ الاستقرار والأمن إذا تم تفعليها بإيجابية ووعي سياسي حزبي حكيم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة