دلالة فشل روسيا في توظيف مجلس الأمن لمصلحتها

مساء الثلاثاء 2016/2/17 وزع مندوب روسيا لدى مجلس الأمن مشروع قرار روسي يمكن وصفه بأنه ضد تركيا.

الاثنين، 22-02-2016 الساعة 16:44


مساء الثلاثاء 2016/2/17 وزع مندوب روسيا لدى مجلس الأمن مشروع قرار روسي يمكن وصفه بأنه ضد تركيا، حيث أعلنت عنه البعثة الروسية الدائمة لدى الأمم المتحدة يوم الجمعة 19 فبراير/شباط، وقالت: "إن روسيا وزعت مشروع قرار بين أعضاء مجلس الأمن بشأن إجراءات تركيا المقوضة لسيادة ووحدة الأراضي السورية"، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: "إن روسيا ستدعو اليوم (الجمعة) مجلس الأمن للانعقاد لبحث هذه المسألة، وتقديم مشروع قرار يحتوي على مطالب بوقف أية إجراءات من شأنها تقويض سيادة ووحدة أراضي سوريا التي تتعارض مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 وأيضاً تقوض جهود إطلاق عملية المصالحة السورية".

هذه الإجراءات التي أعلنتها القنوات الدبلوماسية الروسية، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد مهد لها بشكل منفصل في وقت سابق من يوم الجمعة مع الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن حول الوضع في سوريا، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بتصاعد التوتر على الحدود السورية التركية، أي إن روسيا تأخذ مشروع القرار هذا بشكل جدي وليس كمناورة سياسية فقط، وليست هذه هي المرة الأولى التي تطرق فيها روسيا أبواب مجلس الأمن لاتخاذ قرار دولي ضد الدولة التركية، وهذا يذكر بمحاولات أمريكا وضغوطها على مجلس الأمن لإصدار قرار بمهاجمة العراق عام 2003، ولكن أمريكا لم تتمكن من إصدار هذا القرار بسبب الرفض الفرنسي والروسي في ذلك الوقت، واضطرت أمريكا إلى دخول حرب العراق على مسؤوليتها الخاصة، على الرغم من مشاركة العديد من الدول لها ولو شكلياً.

فلماذا تسعى روسيا لإصدار قرارات دولية ضد تركيا؟ ولماذا تصر على ذلك وتحاول المرة بعد الأخرى، وحتى هذه المحاولة الأخيرة أخفقت روسيا من إصدار قرار من مجلس الأمن يشير إلى منع تدخل دول خارجية لتوتير الوضع في سوريا، وهي وإن لم تذكر اسم تركيا، إلا أن المقصود صدور القرار ، وبعد ذلك سوف تترجمه روسيا على تركيا مباشرة، وقبل غيرها، وإذا ضمت إليها أحداً فليس غير الدول التي تقدم المساعدات للشعب السوري ضد الطغمة المستبدة بالسلطة، التي قتلت نصف مليون سوري للبقاء في الحكم، وفي مقدمة هذه الدول المملكة العربية السعودية، التي ترفض الاحتلال الإيراني الطائفي مثلها مثل تركيا، وإن كانت لا تزال تواصل التفاهم مع روسيا حول سوريا دون الاصطدام معها.

هذه المحاولات الروسية تؤكد أن روسيا تقرأ الأحداث في سوريا بصورة خاطئة، وانها تورطت في الأعمال العسكرية في سوريا بصورة خطأ أيضاً، ويمكن فهم هذه الخطوة من روسيا أنها لا تريد الدخول في حرب أوسع من سوريا، وبالذات مع تركيا، وإذا ما وقعت في هذه الحرب مع تركيا فإنها تريدها أن تكون مغطاة بقرارات دولية من مجلس الأمن، حتى يرفع بوتين عن نفسه المسؤولية في التهور في حرب مع تركيا أمام الشعب الروسي والبرلمان الروسي والاقتصاديين الروس والسياسيين الروس والعسكريين الروس، فبوتين دخل في العمليات العسكرية في سوريا، وفي ظنه أنه عالج أخطاء التدخل الأمريكي في محاربة داعش، فما أخذت أمريكا تشكو منه في محاربة داعش في العراق وسوريا بعد سنة من الغارات الجوية هو عدم وجود قوات برية في العراق وسوريا، لتمسك بالأرض بعد قصف قوات داعش وفرارها منها، وفي ظن بوتين أن اتفاقه مع الحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله اللبناني سوف توفر له قوات برية تحتل المواقع التي تخرج منها داعش، وعندها أخفق بوتين في إدراك الخديعة الإيرانية بأنه استقدم إلى سوريا بطلب من قاسم سليماني لضرب المعارضة السورية وليس لضرب داعش، بل لاستخدام داعش في ضرب المعارضة السورية كما يفعل الأسد والحرس الثوري الإيراني.

هذا يعني أن بوتين قد غرق في الخديعة التي رسمها له الحرس الثوري الإيراني مع بشار الأسد وحزب الله اللبناني، بدليل أن بوتين أخذ يواجه صعوبات داخلية سياسية وعسكرية واقتصادية، فالجيش الروسي غير راض عن مجريات العمليات العسكرية، وسرغي لافروف يهدد بالاستقالة من وزارة الخارجية، وحتى السفير الروسي لدى الأمم المتحدة السيد فيتالي تشوركين انتقد علانية دور بشار الأسد الأخير، الذي أخذ يستثمر القصف الروسي لمواقع المعارضة السورية، ليعتبرها انتصارات له شخصياً أولاً، ويرفض الرؤية السياسية الروسية ثانياً، فجاء في تصريحات تشوركين: "إن روسيا ساعدت الأسد على تغيير موازين الحرب، ولذلك فلزاماً على الأسد الآن اتباع الخط الروسي والالتزام بمحادثات السلام"، مضيفاً: "إن روسيا تعمل نحو التسوية السلمية للأزمة السورية، وإن محاولة استعادة السيطرة على كامل البلاد سيكون تصرفاً بلا جدوى، وسيسمح للصراع بالاستمرار للأبد بما قد يسهم في ظهور موقف شديد الصعوبة يشمل السوريين أنفسهم"، وتمنى السيد تشوركين على الرئيس الأسد: "أن يأخذ تضحيات روسيا بالاعتبار".

فهذا التصريح للسفير الروسي هو اعتراف قانوني كامل المسؤولية من أن روسيا دخلت سوريا لمساعدة بشار الأسد، وليس لمحاربة داعش كما كانت الحجة الروسية وباركتها الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ولكن بشار الأسد أمام اجتماع لنقابة المحامين أخذ يعلن رفضه للحلول السياسية التي ترعاها روسيا، ورد فعل السفير الروسي في مجلس الأمن دليل على هذا الاختلاف بينهما.

إن ما أتى بروسيا إلى سوريا الخديعة الإيرانية، والغرور والغطرسة لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فظن أنه يستطيع أن يكسب نصراً دولياً في سوريا بسهولة، ولكن بدا الآن أن إيران أكبر عدو لبوتين، ولكنه لا يستطع محاسبتها أولاً، وقد اشترطت عليه مقابل تقديم المساعدات البرية من الحرس الثوري ومليشيات حزب الله اللبناني أن يعادي أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية، التي تقف للسياسة الإيرانية التوسعية في سوريا والعراق والبلاد العربية بالمرصاد، وجاء التحرش الروسي بتركيا يوم 2015/11/24 بعد يوم واحد من زيارة بوتين لإيران ولقائه مع خامنئي يوم 2016/11/23، فبوتين خضع في حربه في سوريا لشروط إيران، وفي مقدمتها الاختلاف مع السياسة والحكومة التركية ومهاجمتها، فلما وجد صلابة في الموقف التركي، أخذ بوتين يطالب الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن تركيا وعدم التدخل في الصراع الروسي التركي، لأن بوتين يريد أن يظهر أن الخلاف مع تركيا المتأسلمة فقط، وليس مع أوروبا المسيحية ولا مع حلفها العسكري الناتو، الذي يرفض رؤساء أركان جيشه الدخول في حرب معه لاعتبارات عسكرية محضة أولاً، وعدم وجود مبرر حقيقي لخوض حرب مع الناتو ولا مع تركيا أيضاً.

لقد جاء قرار واشنطن رفض مشروع القرار الروسي الذي قدمته موسكو في مجلس الأمن بشأن عملية عسكرية تركية محتملة بسوريا، ضربة سياسة لبوتين ولافروف، وكذلك كان الموقف الفرنسي مماثلاً للموقف الأمريكي، ولكن الموقف الفرنسي أصدق من الموقف الأمريكي، فأمريكا لا تمانع وقوع توتر وربما اشتباكات بين روسيا وتركيا، في حين ترفض فرنسا ذلك، وتحذر من دخول روسيا وتركيا في حرب بخصوص سوريا، أما المواقف الألمانية فهي أكثر قرباً من السياسة التركية من ذي قبل، وترى الصحف الألمانية أن توتر الأوضاع الأمنية في تركيا هو تهديد للأمن الأوروبي كله، ولا يمكن قبول الموقف الروسي بتوتير الأمن التركي من خلال الأحزاب الكردية الإرهابية حتى لو كانت ورقة ضغط أمنية على الرئاسة والحكومة التركية فقط، وهذا الموقف يمكن فهمه على أن أوروبا معنية أكثر من أمريكا برفض إخفاق بوتين في سوريا أن يتحول إلى توتير للأمن الأوروبي نفسه، بدليل إصدار مؤتمر القمة الأوروبي الأخير في بروكسل بياناً قال فيه: "إن المجلس الأوروبي يدعو النظام السوري وحلفاءه إلى التوقف فوراً عن مهاجمة جماعات المعارضة غير الإرهابية، وهو ما يهدد احتمالات السلام ويفيد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) ويحرك أزمة اللاجئين".

فهذا البيان الأوروبي يحمل موقفاً رافضاً للسياسة الروسية في سوريا، ويطالبها بوقف قصف مواقع المعارضة السورية المعتدلة؛ لأن ذلك لا يساعد على إيجاد حل سياسي في سوريا، بل يقدم مساعدة مباشرة لداعش أيضاً، وهذه المرة الأولى التي يغمز فيها مؤتمر قمة أوروبي بوجود علاقة مشبوهة بين روسيا وداعش.

لقد أعلنت المندوبة الأمريكية الدائمة في مجلس الأمن، سامنثا باور، في مؤتمر صحفي بعد إخفاق روسيا في تمرير مشروع قرارها: إنه كان يتعين على روسيا أن تطبق قرار مؤتمر ميونيخ الأخير القاضي بوقف "الأعمال العدائية" في سوريا، "بدلاً من تشتيت انتباه العالم"، وهي تقصد الخطوة السياسية الفاشلة بدعوة مجلس الأمن لإصدار قرار ضد تركيا، وأشارت إلى الأخطاء الروسية في حملتها العسكرية ضد الشعب السوري بإشارتها إلى أن "ثمة حملة باستخدام القنابل على المناطق الشمالية في سوريا تضرب المستشفيات وتتسبب في تشريد جماعي لنحو سبعين ألفاً"، وهي تقصد القصف الروسي وإن لم تسمه، مشيرة إلى أن مشروع القرار الروسي "ما هو إلا لصرف الانتباه عن حقيقة أن لدينا بالفعل ما نحن بحاجة إلى أن ننفذه".

ولو كان مشروع القرار الروسي صادقاً باحترام كامل السيادة السورية، ويطالب بالوقف الفوري لأي قصف أو توغل عبر الحدود وكذلك التخلي عن أي محاولات أو خطط للتدخل الأجنبي البري في سوريا، لكان على روسيا أن ترفض التدخل الإيراني منذ أربع سنوات، وهي تعلم ذلك وتدعمه بالأسلحة والتأييد السياسي الدولي، ولكن الإخفاق الروسي بعد خمسة أشهر أخذ يدفع الرئيس بوتين للتخبط العسكري باستخدام أكثر للأسلحة الفتاكة، تزيد في قتل المدنيين وتشريدهم من سوريا، بهدف التطهير العرقي لمن يعارض الاحتلال الروسي، ودفعه أكثر للتخبط السياسي بمطالبة مجلس الأمن أن يصدر القرارات الظالمة لتقدم له غطاء لمزيد من القصف وتوسع الصراع إلى خارج سوريا، بينما أفضل وأهم خطوة يجب على السياسة الروسية أن تتخذها هي محاسبة كل من خدع روسيا للتورط في سوريا، وفي مقدمتهم قادة الحرس الثوري الإيراني أولاً، وأن تضع روسيا يدها بيد الدول التي تساعد الشعب السوري للخلاص من الطغمة المستبدة بالسلطة منذ ستة وأربعين عاماً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة