دواء لبناني للإقليم

أعرف حرقة اللبنانيين حين يقلبون صفحات دفتر خسائرهم. أوجاع من فقدوا أعزاءهم. ومن اقتلعوا من جذورهم.

الأربعاء، 15-04-2015 الساعة 08:17


تذكر اللبنانيون البارحة 13 نيسان (أبريل) 1975. تذكروا الرصاصات الأولى في حربهم الطويلة. حرب كان يفترض أن تكون انتهت مع توقيع اتفاق الطائف في 1989. وشاهدت على الشاشات لبنانيين يطرحون أسئلة صعبة: هل خرجنا فعلاً من الحرب؟ هل استخلصنا العبر اللازمة؟ وهل يمكن بناء السلام بالحجارة نفسها التي شيدت فيها جمهوريات الحرب؟ وكيف نكون خرجنا إذا كان قصر الرئاسة شاغراً؟ ونعيش في ظل حكومة هشة بطبيعتها؟ ألم يحن الوقت بعد لإلغاء النظام الطائفي في لبنان؟

أعرف حرقة اللبنانيين حين يقلبون صفحات دفتر خسائرهم. أوجاع من فقدوا أعزاءهم. ومن اقتلعوا من جذورهم. ومن انتظروا طويلاً معرفة شيء عن مصير مفقوديهم. لكن هل ثمة ما يبرر بعد الكتابة عن تلك الرصاصات الأولى في بيروت؟ وماذا عن 13 نيسان العراقي؟ والسوري؟ واليمني؟ والصومالي؟ والليبي؟ يخالجني شعور أن ذلك التاريخ اللبناني المؤلم خسر موقع الصدارة في لائحة الانهيارات العربية. القتل العراقي أشد. والقتل السوري أكثر هولاً. والتفكك الضارب في المنطقة أعمق بكثير من التفكك اللبناني وقد يؤدي الى ترسيخه وتعزيزه.

لا مبالغة في القول إننا نعيش أياماً أخطر من تلك التي عشنا عشية انطلاق الرصاصات الأولى في لبنان. وإن صمامات الأمان الدولية ضعيفة جداً وإن صمامات الأمان الإقليمية مفقودة إلى درجة صب الزيت على أي نار تشتعل. وإن التجاذبات الخارجية التي كان لبنان مسرحاً لها في 1975 هي أقل ضراوة وبكثير من التجاذبات الحالية التي استدرجت إلى معاركها من كانوا قادرين سابقاً على لعب دور الإطفائي.

مثال بسيط وتحديداً عن سوريا. شكا اللبنانيون طويلاً من سوريا القوية. أي سوريا المستقرة في ظل نظام صارم يعتبر الإمساك بأوراق داخل حدود جيرانه، وخصوصاً في لبنان، جزءاً من أمنه وقدرته على التفاوض مع كبار اللاعبين. بلغ الأمر حد أن النظام السوري أدمن إدارة لبنان لتطويعه وإعادة تشكيله وإلحاقه بسياساته. لكن الأكيد اليوم هو أن سوريا المفككة أشد خطراً على لبنان من سوريا الموحدة. لا يقتصر الأمر على وجود أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان بل يتعداه لى الفرز الدموي الحاصل في سورية وارتسام حدود جديدة وخرائط جديدة داخل الخريطة السورية التي تعلمها اللبنانيون في كتب الجغرافيا.

تعاملت سوريا مع المريض اللبناني بعد 13 أبريل/ نيسان 1975 بوصفها دولة متماسكة ومحصنة ضد وباء الطائفية اللبناني. عالجت المريض اللبناني على طريقتها. وها هي الحرب المدمرة في سوريا تظهر أن تلك الدولة التي فرضت الاستقرار في لبنان، ولو بأثمان مرتفعة، خسرت قدرتها على فرض الاستقرار داخل أراضيها وتمزقت خريطتها. هناك ما هو أكثر. النقاشات الهادئة حول مستقبل سوريا في وزارات الخارجية ومراكز الأبحاث تكاد تُجمع أن الحل يجب أن يقوم على "إنصاف السنّة وتطمين العلويين وإرضاء الأكراد". أي الحل اللبناني القائم على تسوية بين المكونات.

دعك عزيزي القارئ من الهجاء الذي يكيله السياسيون العراقيون للمحاصصة الطائفية. السياسات لا تشبه اللياقات. بكّر العراقيون في اعتناق شيء من النموذج اللبناني. غياب الواقعية المتبادلة أطال مرحلة الآلام وتبادل الضربات بين المكونات. غداة الغزو الأمريكي للعراق طلب المبعوث الأمريكي جاي غارنر ومعه السفير خليل زاد من المعارضة تشكيل حكومة موقتة لإدارة البلد. وكان الأمريكيون يعتقدون أن جلال طالباني هو المؤهل لقيادتها. لم ينجح الاقتراح "لأن بعض القوى كان يفكر أن رئيس الوزراء يجب أن يكون شيعياً". والكلام لطالباني نفسه. هذا الفشل ساهم في مجيء بول بريمير وما ارتكبه من حماقات.

حادثة أخرى معبّرة. في 2010 سألت الرجل القوي في العراق رئيس الوزراء نوري المالكي عن شعور السنّة بالتهميش فأجاب: "السنّة شركاؤنا وسنعطيهم ما يطمئنهم". وأظهرت الأيام أنه لم يعطهم ولم يطمئنوا. واليوم يتجدد الجدال نفسه. تحرير تكريت لا يحل المشكلة إذا لم يشعر المكون السنّي أنه شريك حقيقي. غياب هذا الشعور يضاعف صعوبة معركة الموصل. كل الأفكار المطروحة للحل تشبه تحسين الجرعات من الدواء اللبناني.

فضحت رصاصات 13 أبريل/ نيسان 1975 أحوال المريض اللبناني. خبأت دول المنطقة الحساسيات والكراهيات بين المكونات تحت الشعارات الفضفاضة وحواجب مدير المخابرات. تبين لاحقاً أن أمراض لبنان ليست غريبة. وأن لبنان ابن الإقليم ولون مستقبله. حكومات هشة. ومؤسسات متصدعة. وجمهوريات صغيرة. ونزوح مجموعات سكانية. ونزاعات مذهبية وإرهاب. وحدود بلا هيبة. وجيوش صغيرة موازية تتحول قوى إقليمية. أعرف فجيعة من حلموا بالديمقراطية والمؤسسات وحقوق الإنسان والاعتراف بالآخر. كانت حرب لبنان رسالة تشير إلى الهاوية التي تنتظر الإقليم. أخطأ كثيراً من ابتهج برؤية المريض اللبناني يسعل دماً.

(الحياة)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة