دور الجزائر المشبوه في سوريا

هناك من يرى أن الحكومة الجزائرية متواطئة مع الجلاد على حساب الضحية، وهناك من يرى أنها حيادية لحد ما.

الاثنين، 04-04-2016 الساعة 11:05


في كل مرة منذ اندلاع ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد، يكثر الحديث عن دور الجزائر في سوريا، خاصة أن السوريين كان أملهم كبيراً في الدولة الجزائرية بحكم الرصيد التاريخي العميق والمشترك بين الشعبين.

يوجد من يرى الحكومة الجزائرية متواطئة مع الجلاد على حساب الضحية، وهناك من يرى أنها حيادية لحد ما أو لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، وأيضاً نجد من يصوّرها على أنها متخاذلة لا تملك رؤية واضحة تجاه أزمة العصر بمعنى الكلمة.

أين يمكن أن نضع موقف نظام عبد العزيز بوتفليقة مع ما يجري في سوريا؟

تصنيف الموقف الرسمي الجزائري من أحداث سوريا لا يأتي من خلال تصريحات واضحة من المسؤولين الجزائريين، الذين يتجنّبون الشفافية والصراحة، بل دائماً يغلّفون تصريحاتهم بكلام عام ولغة خشبية، تتحدث عن ضرورة الحوار بين السوريين ورفض التدخل الأجنبي.

السبب الأساسي في عدم وضوح رؤية الجزائر، هو مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعجزه التام عن الكلام والحركة، فمنذ خطابه في 2011 الذي جاء بعد تحرك شعبي في ظل ثورات بدأت في تونس وتمددت إلى مصر ثم ليبيا واليمن، لم نسجل أن بوتفليقة تحدث يوماً مباشرة إلى الشعب، إلا من خلال رسائل مشفرة تنشر باسمه ولا يدري الجزائريون من كاتبها، فالرئيس عاجز تماماً وهذا لا يخفى على أحد.

لا يمكن أن يتجرّأ وزير خارجية الجزائر منذ وصول بوتفليقة إلى الحكم على اتخاذ أي موقف صريح، فالرئيس عيّن وزيراً للخارجية في عهد بن بلة، ثم واصل ذلك في المنصب نفسه على مدار حكم الرئيس الراحل هواري بومدين (1965 – 1979).

ولما وصل إلى سدّة الحكم كرئيس للجمهورية عام 1999 لم يستطع التخلص من قبعة وزير الخارجية، لذلك ظلت هذه الحقيبة الوزارية بين يديه، ولم يكن الوزير الذي يعين فيها سوى مجرد موظف شكلي لا يملك أي قرار سواء في التصريحات أو التعبير عن مواقف الدولة.

عجز بوتفليقة عن الكلام بعد إصابته بجلطة دماغية في 2012 جعل الدبلوماسية الجزائرية تتحوّل إلى خرساء ومتذبذبة بمعنى الكلمة، ولا تعبّر عن أي موقف سوى تلك الرسائل المسرّبة التي تكتبها جماعة يقودها شقيق الرئيس الذي يتحكّم في دواليب الدولة بطريقة غير شرعية منذ سنوات.

المواقف التي اتخذتها الجزائر حول سوريا توحي أنها تخندقت في صف نظام الأسد، فهي في الجامعة العربية رفضت الكثير من القرارات ضده، وطبعاً الجزائر تستغل ميثاق الجامعة الذي يأتي في مصلحة ممثل الجزائر، ولكن هذا الأمر يعدّ مجرد ثغرة فقط تستعملها حتى لا تغرّد في سرب التوجهات العربية المناوئة حينها لنظام الأسد الذي كان يبيد السوريين ويذبحهم على مرأى العالم برمته.

الجزائر تدّعي الحياد في مواقفها من أطراف النزاع في سوريا أو غيرها، لكنها لم تكن كذلك؛ فقد استقبلت مفتي بشار الأسد المدعو أحمد حسون، وأيضاً قام الكثير من ضباط النظام السوري بزيارات سرية إلى الجزائر، والتقوا مع نظرائهم الجزائريين وتدارسوا ما يسمونه مكافحة الإرهاب، وهذا ليس بعد ظهور "داعش" أو القاعدة في المشهد السوري، بل سبق ذلك، وكان في الفترة التي كانت الثورة السورية فيها سلمية تتجسد في مظاهرات تطالب بالإصلاح ويقابلها الجيش والمخابرات بالدبابات.

لم يقتصر الأمر على ضبّاط مخابرات سوريين، بل إنه يوجد ضباط جزائريون أيضاً انتقلوا إلى سوريا بطلب من النظام السوري، وهو ما فضحته وثائق استخباراتية مسربة في 2012، والتي أكدت أن الجزائر استجابت لطلب من الجيش السوري بضرورة التعاون لقمع الحراك الشعبي على ضوء التجربة الجزائرية في التسعينات.

أمر آخر، أنه أثناء عملي في بعثة مراقبي جامعة الدول العربية خلال الفترة الممتدة من 25/12/2011 إلى غاية مغادرتي لسورية في 10/01/2012، التقيت عدة مرات مع وزير الداخلية محمد الشعار، والعماد آصف شوكت صهر بشار الأسد، وقائد أركان الجيش ورئيس المخابرات الذي أكد لي أنه قام بزيارة سرية إلى الجزائر، كما أن الشعار حدثني عن تعاون وثيق بين الدولتين في الحرب على "الإرهاب".

تكلل مسار التعاون غير المعلن بين النظام الجزائري ونظيره السوري بزيارة وليد المعلم، وزير خارجية نظام الأسد، والذي استقبله بوتفليقة لبعض الدقائق، والتقى بكبار المسؤولين في الدولة.

وتحدّث المعلم من الجزائر أن البلدين في خندق واحد ضد الإرهاب، وطبعاً الإرهاب المقصود ليس "داعش" أو القاعدة، بل كل المعارضة الشعبية كما يصنّفها نظام الأسد.

هذا الكلام لم يأت على لسان وليد المعلم فقط، بل سبق أن تكرر مع وزير الشؤون الدينية والأوقاف محد عيسى أثناء استقباله بدر الدين حسون مفتي بشار الأسد في أوت/أغسطس 2015، الذي يوصف بمفتي البراميل بسبب فتاويه التي أصدرها من قبل تحرض النظام على إبادة المواطنين في حلب وغيرها ببراميل متفجرة.

الوزير الجزائري محمد عيسى شبّه ما تعانيه سوريا من إرهاب بما عانت منه الجزائر من قبل، والأمر نفسه بالنسبة للمفتي حسون الذي قال إن: "سوريا تقف مع الجزائر في خندق واحد".

وبذلك يكون وزير الشؤون الدينية والأوقاف الذي كان متعاطفاً مع الإسلاميين في التسعينات، قد اتهم رسمياً وضمنياً الجيش الجزائري بقتل المدنيين الجزائريين، ما دام حال الجيش الوطني الشعبي ينطبق على ما يسمى "الجيش العربي السوري" الذي ثبت أممياً ودولياً وعربياً أنه أباد المدنيين حتى بسلاح كيماوي.

محمد عيسى عندما يصوّر الحالة السورية بأنها مثل الحالة الجزائرية فهو تأكيد من عضو في حكومة الجزائر لصحة الاتهامات التي كانت توجه للعسكر من طرف معارضين جزائريين، من أنهم قتلوا المواطنين بمجازر قذرة في بن طلحة والرايس وغيرهما، والتي جاءت في إطار حملة نظرية "من يقتل من يقتل؟".

كل المعطيات تؤكد أن الجزائر لم تلتزم الحياد أبداً، فهي لم تقدم أي شيء للطرف المعارض ولا الشعب السوري، وكل الخدمات كانت موجهة لطرف واحد وهو النظام السوري، من منطلق الشرعية المزعومة التي ترافع لها الجزائر.

هل يعقل أن بشار الأسد يمتلك شرعية وهو الذي قتل أكثر من نصف مليون مواطن، وهجّر وشرّد وأخفى وعذّب أكثر من 12 مليون سوري، وهدّم أكثر من مليون منزل، ودمّر القرى والمدن على رؤوس سكانها؟

هل من الممكن أن يوصف بشار الأسد بالرئيس الشرعي وقد انتهت عهدته الرئاسية في 2014 وأقام انتخابات شكلية في 28 مايو/ أيار 2014 بمناطق يسيطر عليها فقط ولم يشارك فيها أغلب السوريين؟

طبعاً لا عجب أن تنظر الجزائر لرئيس انتهت شرعيته دستورياً وسحبها منه الكثير من دول العالم، بل تحوّل إلى قائد مليشيات إرهابية على أنه رئيس شرعي، ما دام بوتفليقة الذي رشّحوه وهو عاجز تماماً على كرسي متحرك ثم ولوه المنصب الرئاسي وهو لا يستطيع النطق حتى بالقسم الرسمي لتولي مهامه كرئيس للجمهورية، بل إن ذلك يتنافى مع قوانين الانتخابات التي تفرض الأهلية الصحية للمترشح، والزواج من جزائرية، وأن يطلب المترشح بنفسه من الجزائريين أن ينتخبوه، وهذا لم يتوفر مطلقاً في الرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لعام 2014.

حتى بعض المعارضين السوريين الذين زاروا الجزائر، وأكثرهم ممن يحسبون على المخابرات السورية، كانت في أطر غير رسمية، ولا يكادون يلتقون مع بعض الموظفين الذين لا يملكون سلطة القرار أصلاً، فلماذا لم تستقبل الجزائر المعارضة السورية الحقيقية كما فعلت مع النظام حتى تحافظ على حياديتها المزعومة؟

قد يقول قائل إن الدولة الجزائرية لا تستقبل من لا يمتلكون أي سلطة رسمية، والمعارضة السورية تبقى جهة لا تمثل الدولة، فترى لماذا يُستقبل راشد الغنوشي عدة مرات وهو مجرد زعيم حزب سياسي في تونس ولا يملك أي صفة رسمية، ويفرش له السجّاد الأحمر، ويلتقي بالرئيس بوتفليقة في رئاسة الجمهورية وهي سابقة في تاريخ الجزائر الرسمي؟

لماذا تؤوي الجزائر جبهة البوليساريو وهي ما زالت حركة تحررية لا تمتلك أي سلطة رسمية على التراب الصحراوي؟

قد يقول قائل إنه توجد دولة اسمها الجمهورية الصحراوية تعترف بها بعض الدول، وإن هذه الجمهورية لديها مناطق محررة وأخرى محتلة، فلماذا إذن لا يتم إعادة اللاجئين الصحراويين وتوطينهم في المناطق المحررة التي تخضع لسلطة البوليساريو بدل الإبقاء عليهم في تندوف ينتظرون المساعدات الدولية وفي ظروف بائسة جداً؟

نقول هذا ليس طعناً في عدالة القضية الصحراوية كما قد يتوهّم البعض، بل ما يهمنا هو التناقض الصارخ في الموقف الدبلوماسي الجزائري، الذي يدّعي عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهو يتدخل في شأن الصحراء الغربية حتى صار أكثر قادة البوليساريو لا يمكن أن يتخذوا أدنى قرار من دون العودة إلى مصالح الخارجية الجزائرية.

من جهة أخرى، إن كانت قضية الجزائر الأساسية هي فلسطين كما يدّعي بعض الجزائريين من إعلاميين وغيرهم، فلماذا تنفق المليارات على جبهة البوليساريو وترعاها على حساب لقمة عيش الجزائريين الذين صاروا يطلبون المساعدات عبر مواقع التواصل للعلاج بعدما يئسوا من دولتهم؟

أكيد سيبررون التدخل الجزائري بعدالة القضية الصحراوية، وأيضاً وجود صحراويين لاجئين على تراب الجزائر، أو لوجود مصالح إقليمية للجزائر من خلال الملف الصحراوي، خاصة أن المغرب له أطماعه المتجددة في التراب الجزائري.

مهما كانت المبررات فإنها تثبت أن الجزائر تتدخل في شؤون الدول حين تكون القضايا عادلة أو لديها مصالحها الاستراتيجية، وبذلك يسقط شعار رفض التدخل في شؤون الدول الداخلية، ويغدو مجرد اجترار شعارات لتبرير التخاذل والعجز أو التواطؤ.

كما أن الجزائر تكيل بمكيالين في مواقفها الدبلوماسية التي تخضع للمصالح الضيقة وليست للمبادئ كما تدعي في شعاراتها حول تقرير مصير الشعوب، حيث إنها لم تعترف بكوسوفا المسلمة التي استقلت عن صربيا المسيحية عام 2008، وفي المقابل تعترف بتيمور الشرقية التابعة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، والتي انفصلت عن إندونيسيا المسلمة في 2000.

أمر آخر أن رفض الجزائر التدخل في شؤون الدول هذا يفرض عليها إدانة التدخل الأجنبي من أطراف أخرى في أي دولة عربية، فلماذا لم نسمع الدبلوماسية الجزائرية تدين التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا؟

لماذا الجزائر تتخندق مع إيران التي تتدخل عسكرياً في سوريا والعراق ولبنان واليمن وتحتل الأحواز والجزر الإماراتية؟

إن كانت الجزائر ترفض التدخل الأجنبي في الدول العربية، فلماذا رفضت إدراج "حزب الله" كمنظمة إرهابية رغم تدخله العسكري في سوريا وقتله للأطفال ونحرهم بشعارات طائفية لا يخفيها حسن نصر الله ولا بقية المليشيات الإرهابية الإيرانية الأخرى؟

أيضاً رفضت الجزائر المشاركة في التحالف الإسلامي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، بحجة أن الجيش الجزائري لا يقاتل خارج حدود الجزائر، وأن هذه هي عقيدة الدولة الجزائرية منذ الاستقلال، فهذا غير صحيح فقد قاتل الجيش الجزائري مع الجيش المصري في حربه مع الكيان الصهيوني.

أيضاً تدخل الجيش الجزائري في الصحراء الغربية منتصف فبراير/شباط 1976 حيث تم تنفيذ إغارة على فيلق مغربي يتجاوز عدد عناصره 350 فرداً، حيث انقضّت الفرقة الخاصة للكومندوس الجزائري على ذلك الفيلق الذي كان يغطّ في نوم عميق بخيمات، وجرى تدميره كاملاً ولم ينج منه أحد، حيث تمّ أسر ما يقارب 250 فرداً من مختلف الرتب، أما البقية فقد لقوا حتفهم أثناء الهجوم.

كما سبق أن تدخلت كتيبة أخرى تتكون من 127 عسكرياً في التراب الصحراوي لمساعدة الفارين الصحراويين من مسيرة الحسن الثاني التي سماها الخضراء، وتعرضت الكتيبة للحصار من الجيش المغربي حيث تم أسر العسكريين الجزائريين الذين كانوا من عناصر الخدمة الوطنية حينها.

يبدو أن العقيدة الجزائرية في عدم التدخل بشؤون الدول تسقط حين يتعلق الأمر بالصحراء الغربية، في حين يحاول النظام الجزائري التظاهر بها، وهو الذي فتح الأجواء الجزائرية للطيران الفرنسي كي يعبر الأجواء ويتجه نحو مالي للعدوان العسكري عليها.

قد يقول قائل إن التدخل العسكري في أمغالا بالصحراء الغربية فرضته ظروف حرب مع المغرب، والمشاركة في حروب مصر مع "إسرائيل" كان لنداء الواجب القومي تجاه فلسطين، ولكن هذا يؤكد أن شعارات عدم التدخل ليست مبادئ دستورية كما يدعي البعض، بل تسير وفق المصالح فقط.

الموقف الجزائري في سوريا ليس حيادياً بل متواطئ مع نظام الأسد الذي ثبتت عليه حرب الإبادة على الشعب السوري، وهذا يندرج في إطار التعاون القديم بين الجزائر ودمشق، حتى إنه في فترة التسعينات وخلال الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر نجد أن المخابرات السورية قدمت خبرتها للمخابرات الجزائرية.

ولقد كشف معتقلون جزائريون سابقون في سجون الجزائر عن وجود حالة تعذيب قذرة جداً مورست عليهم عبر تيس يسمى "التيس السوري"، مستورد من دمشق حيث يستعمل في اغتصاب المعتقلين بطريقة فظيعة جداً. كما أكد معتقلون آخرون مروا على سجون سوريا ثم الجزائر أن التبادل الاستخباراتي وصل حد ولائم التعذيب المشتركة بين أجهزة الدولتين.

يوجد الكثير جداً يمكن أن نتحدث عنه في هذا الإطار، ولا يكفينا المقام طبعاً للكشف عن كل الحيثيات التي تؤكد بالدليل القاطع أن الموقف الجزائري مشبوه للغاية، وسيسجل كوصمة عار في جبين الجزائر التي كانت ملاذ الثوار من طينة نلسون مانديلا وغيره، وصارت الآن تستقبل قتلة الثوار من أشباه وليد المعلم وبدر الدين حسون وغيرهما للأسف الشديد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة