دولة المليشيا.. وصناعة الحقد !!

العراق بلد لا يزل موجوداً على الخريطة السياسية للعالم، ولكن في واقع الأمر كل محافظة تعتبر دولة بحد ذاتها.

الخميس، 10-12-2015 الساعة 19:59


إن الحديث عن العراق كدولة بات أقرب إلى الفرضية منه إلى الواقع، بل أصبح مثلاً يضرب به في قياس الأنظمة والدول الفاشلة، أما الإنسان العراقي هو الآخر فيعيش أسوأ مراحل تاريخية لا تختلف عن تلك المراحل التي مرت على أهالي ما بين النهرين في العهود التاريخية الغابرة، وكذلك في التاريخ المعاصر لهذه المنطقة.

إن الفراغ في القوة يفرز نتائج خطيرة على الاستقرار السياسي والأمني للمجتمعات البشرية؛ خاصة في ظل النظام العالمي الجديد وعصر الدول القومية. وبالنسبة للعراق فمنذ الاحتلال الأمريكي تم تسليمه لنخبة فاسدة لا تنتمي للوطن، ولا تشعر بالمأساة التي مر ويمر بها الفرد العراقي الذي لم يذق طعم الاستقرار جراء مغامرات القائد الأسطورة في فترة صدام، وتحول معاناته إلى كوابيس المليشيات وتقديس الرايات والشعارات وتشريع القتل، وتقديس الفاسدين، والعمل وفق الأجندة الإقليمية التي لم تتوقف يوماً عن التدخل السلبي في شؤون العراق.

وبعيداً عن السرد التاريخي، السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، من يحكم العراق؟ هل العراق كدولة ما يزال له بقاء؟ هل هناك فرق بين مليشيات تعمل وفق أجندة مذهبية وتقتل باسم آل البيت؛ وداعش الذي يقتل الناس باسم رب آل البيت؟

إن الأزمات السياسية والأمنية التي يمر بها العراق منذ الاحتلال الأمريكي أفرزت نخبة فاسدة لم تكن لديها الدراية الجيدة في إدارة الدولة، ولم تع المعادلات الداخلية والخارجية في إدارة بلد معقد كالعراق، ففي البعد الداخلي رسموا سياسة البلاد على الكره والعنصرية المذهبية على درب العنصرية القومية التي سبقت الاحتلال، بل وسارعت النخبة الجديدة إلى تقديس التصرفات والممارسات الخاطئة لتعبئة الطبقات الفقيرة، وتهيئة المشاعر العاطفية في إدارة الشارع العراقي، حيث توفر لهم الفرصة في الاستمرار بالفساد المالي والإداري وإهدار المال العام لصالح عوائلهم وأُطرهم الأيديولوجية والحزبية، وبذلك تحول حكام العراق إلى أبرز أغنياء العالم، واستمر التفاوت الطبقي في الداخل وازداد التخلف وتجذر الجهل، وفي ظل الأنظمة الفاشلة يعد الأمن والتخويف من أبرز الأوراق في إخضاع العامة لرغبات الفئة الحاكمة، فالمالكي بدأ يتصدق على الشعب العراقي من خلال تقليل نسبة القنابل والانفجارات في عاصمة الرشيد، وكأن الشعب العراقي حلم بالقائد الملهم السيد المالكي الذي حوَّل العراق إلى قائمة الدول المتصدرة في ملفات الفساد.

- من يحكم العراق؟

إن العراق منذ بداية تسلم المالكي لرئاسة الوزارء ينقاد من قبل الدول الإقليمية بل وتحوَّل إلى ساحة للتصفيات السياسية بين أكثر من طرف، فالولايات المتحدة كانت تخاطب طهران عبر العراق والعكس صحيح، وبعد الربيع العربي استمرت إنجازات المالكي من خلال تقوية الدول الإقليمية للعراق، وأصبح العراق يدعم النظام السوري بالمال والمليشيات الطائفية؛ رغم الممارسات الهمجية التي مارسها النظام البعثي السوري من سنة 2003 ولغاية 2008 ضد العراقيين بإرسال الجماعات الإرهابية وخلايا الموت، وبدلاً من أن ينظر القادة العراقيين إلى إضعاف النظام السوري من ناحية استراتيجية لصالح العراق؛ اختاروا العمل وفق الاصطفاف الإيراني والانشغال بالشعارات العاطفية التي لم تجلب للعراق سوى المزيد من الدمار والمعاناة!

إن بغداد لا تمتلك قرارها الذاتي، ولا يوجد قائد أو عقلية سياسية تملأ الفراغ النخبوي الذي حصل في العراق جراء إسناد الأمور إلى غير أهلها، مما تسبب في صيرورة البلاد عن طريق هولاء من سيىء إلى أسوأ، فالمالكي على سبيل المثال يعد حجر العثرة في أي عملية إصلاحية أو محاولة إبعاد السياسة عن المذهبية والعواطف التي تسيء إلى التعايش السلمي بين مختلف الأطياف العراقية.

إن الشعب العراقي منذ المظاهرات التي اندلعت في معظم المحافظات العراقية عبر عن استيائه للفشل النخبوي في العراق، فالعيش الكريم والحريات العامة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من المحال تحقيقها في ظل استمرار النخبة الراهنة!

إن العراق بلد لا يزل موجوداً على الخريطة السياسية للعالم، ولكن في واقع الأمر كل محافظة تعتبر دولة بحد ذاتها، من خلال تحكيم كل حزب بما يشتهي من دون أي اعتبار للمبادىء الديمقراطية أو الأسس المشتركة بين أطياف الشعب العراقي.

إن احتكام الأمور في العراق إلى المليشيات، وإدارة البلاد من قبل مجاميع مصلحية؛ اتخذت من تسليح المدنيين سوقاً لتمرير بضاعتهم الفاسدة تبعث بمستقبل قاتم للأجيال القادمة.

وإن أخطر الظواهر التي يعيشها البلد في الوقت الراهن تكمن في الحرب المقدسة، وتقديس الرايات! فالميليشيات المدعومة من قبل الحكومة تقتل باسم آل البيت، وداعش تقتل باسم رب آل البيت، والتعبئة غير المسؤولة في المناطق الحساسة والمتنازع عليها تعبر عن فشل حالة الدولة في العراق، وكيف أن مصير الشعب بات بأيدي أفراد لا يعبأون بالقتل، ولا يعرفون معنى للتعايش السلمي واحترام كرامة وحقوق الإنسان، إن تسليح الحشد الشعبي وتوفير الموارد المالية له قد حل محل الجيش المهني، ولم يعد من الممكن الحديث عن المعايير الوطنية في عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية!

داعش والمليشيات الشيعية التي تقتل باسم الدين؛ وجهان لعملة واحدة هي الإرهاب، لأن الارهاب والترهيب سواء مورس ضد العراقيين في الوسط أو الجنوب، أو في كوردستان يظل إرهاباً، وإن العراق لم تقم له قائمة في ظل النفوذ العسكري للمليشيات، واستمرار ادارة البلاد من قبل الطيف السياسي الذي أثبت فشله لسنوات متتالية.

إن التاجيج الطائفي وفتح جبهة مع الكورد في طوزخرماتو وكركوك؛ يعد تلاعباً بالنار، ولو حدث أي تصادم فعلي بين الكرد والشيعة فالنتائج ستكون كارثية. وعلى الحكومة والأحزاب العراقية والعقلاء في العراق الاختيار بين حكم المؤسساتية أو الانجرار إلى حرب لا يحمد عقباها؛ من بدئها ومن يعمل على إثارتها في الداخل والخارج.

وأخيراً على الأطراف الكوردية العمل على تقوية الجبهة الداخلية، والوقوف أمام ممارسات نوري المالكي الذي طالما حلم وعمل على إشعال الحرب الأهلية في العراق، فهو المهندس في تدمير البنية التحتية للعراق، وهو السبب الرئيس لاحتلال الموصل من قبل داعش، وهو العقل المدبر للانتهاكات التي حدثت مؤخراً ضد الكورد في المناطق المتنازع عليها من خلال إثارة النعرات الطائفية، ويبدو أن استدراك الأحداث والمعطيات من الأمور المعقدة على النخبة الحاكمة في العراق، وهو ما سينعكس على البحث عن البدائل، وكل طيف يدعو دولة إقليمية لحمايته من الطيف الآخر.. وبذلك سوف ترفع أجهزة التنفس الاصطناعي على جسد العراق .. ويعلن حالة وفاته رسمياً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة