دول الخليج والجماعات الإسلامية… هل من نقطةٍ في منتصف الطريق؟

الوضع الخليجي في المشهد الدولي ليس أقل تعقيداً، حيث يلوح في الأفق تقاربٌ إيراني - غربي.

الأربعاء، 21-01-2015 الساعة 09:04


أخذ ملف العلاقة بين دول الخليج والجماعات الإسلامية مساحةً واسعةً من المختصين والخبراء متابعةً وقراءةً وتحليلاً وتنبؤاً، لما يمثله هذا الملف من أهمية كبيرة تلقي بظلالها على كل الملفات المتعلقة بمنطقة من أكثر مناطق العالم اضطراباً (الشرق الأوسط)، حيث يأتي الانقسام الحاد الحاصل بسببه، في مرحلةٍ غير مسبوقةٍ من الضعف والتناحر والتفرُّق العربي على مستوى الدول والشعوب والجماعات، والتربص بهم من قبل المشاريع الأخرى.

ويرافق ذلك تحديات واحتمالات داخليةٍ مفتوحة لدول الخليج، فالسعودية وعمان أمام تحدي تغيير هرم السلطة في أي لحظة، والبحرين تواجه تهديدات داخلية لها ارتباطات خارجية لم تعد خفية، والكويت صارت بين جارين متحالفين متربصين بها، إيران والعراق، والإمارات تتوجس مثل الكويت من خلايا نائمة أعلنت عن تفكيك بعضها وإنهاء إقامة حاملي جنسيات بعينها، خلال العام الفائت، وتبقى قطر، وكلنا نعرف مقدار الضغوط عليها إقليمياً وحتى خليجياً.

تكتسب دول الخليج أهميتها الاستراتيجية من أربعة عوامل رئيسية سنرتبها بعجالة، بحسب تأثيرها دولياً وإقليمياً، أول هذه العوامل هو لكونها المستودع والمنتج الأكبر للنفط في العالم، وثاني هذه العوامل هو موقعها الاستراتيجي قرب المضائق والقنوات البحرية ذات الحيوية الاستراتيجية، لكونها تربط قارات العالم ببعضها، وثالث هذه العوامل هو حضور رمزية مكة والمدينة المنورة وأثرهما الروحي على أكثر من ربع سكان العالم متوزعين بالعيش في اتجاهاته الأربع، ورابع هذه العوامل هو لكونها أسواق نشطة للمنتجات العالمية، يفوق حجم استهلاكها حجم دول يبلغ تعدادها أضعاف تعداد المقيمين في دول الخليج.

ومن الواضح لأي متابع أن كل عناصر الأهمية هذه معرضة للتهديد في حالة توسع الاضطرابات في المنطقة، أو انتقالها إلى العمق الخليجي، لا قدَّرَ الله.

الوضع الخليجي في المشهد الدولي ليس أقل تعقيداً، حيث يلوح في الأفق تقاربٌ إيراني - غربي، وأمريكي على وجه الدقَّة، وما سيجره هذا التقارب من تخفيفٍ أو غلقٍ لملف العقوبات على إيران، المنافس التقلدي الطَّموح على الجغرافية الخليجية، يضاف لذلك المستجدات المتوقع حدوثها على إثر حادثة صحيفة (شارلي إبيدو) الفرنسية، والتي من الصعب التكهن بحجم فعلها، ورد الفعل الذي ستواجه به، وكل ذلك له تأثير كبيرٌ على الوضع الخليجي، كما أن استخدام سلاح النفط من قبل دول الخليج سيجعلها في دائرة الاستهداف من الدول النفطية المتضررة، وأولها روسيا.

لا نريد هنا أن نكرر الكلام عن المخاطر الإيرانية التي باتت تتهدد دول الخليج، والتي من المتوقع أن تزداد في حالة توصل الدول الغربية إلى حل لقضية النووي مع إيران، فهذا أصبح من نافلة القول، وباتت الدول الخليجية ليست تدركه فقط، بل تلمس بعض مظاهره وآثاره لمس اليد.

ويبدو أن كل هذه المخاطر والتحديات، بالإضافة للمخاطر التي يمثلها تمدد الفصائل السنية المتشددة، ستفرض رؤيةً خليجيةً جديدة، لذلك رأينا مؤشرات تلوح في أفق سياسات دول مجلس التعاون الخليجي وعلاقتها بالملفات الخارجية بدأت، مع وبعد، المصالحة الداخلية لدول المجلس، وإن كانت هذه المؤشرات ليست -لحد الآن- بما يكفي لوصفها بـ"تغير في الرؤية الاستراتيجية" لدى هذه المنظومة، وإن كان بعض الخبراء يذهب أبعد من ذلك، حيث يرى "أن عام 2015 م سيشهد إعادة تنسيق المصالح العربية السنية الإقليمية للأمور بشكل يقبل الإسلام السياسي المعتدل على عكس ما كان في السابق.

إن أردنا تلمس المؤشرات والتقاط الإشارات فيما يخص العلاقة مع ملف الجماعات الإسلامية في المنطقة، فعلينا أن نذهب إلى أقصى رؤيةٍ تشددت في هذا المجال، وهي هنا (أبوظبي)، على اعتبار أن قياس التغيير عندها سيكون أوضح من العواصم الخليجية الأخرى.

فرغم التنافر الآيديو- سياسي الذي بدا واضحاً بين أبوظبي والجماعات الإسلامية، هناك مؤشرات مهمة ظهرت في الأسبوعين الأخيرين، وإن حملت بعض الضبابية، وهي السمة التي صبغت السياسة الإماراتية مؤخراً، حيث جاءت على لسان أشخاصٍ من المستوى الثاني لاتخاذ القرار الإماراتي، منها على سبيل المثال ما صرح به مستشار الشيخ محمد بن زايد في الشأن المصري، إذ أوضح أن الإمارات ودول الخليج لا يمكن أن تكون مع حكومة "تهدر كرامة الإنسان وتنتهك حقوقه وحرياته"، وهو موقف مغاير لموقف الإمارات منذ إزاحة حكومة مرسي، يضاف لذلك استقبال أبوظبي لوفد من حكومة الإنقاذ الوطني بطرابلس، التي يرأسها "عمر الحاسي"، في حين كانت الإمارات توصف بالداعم القوي لحكومة "عبد الله الثني" وبرلمان طبرق، وتتبنى مع مصر موقفاً معلناً ضد حكومة الإنقاذ الوطني بطرابلس.

وهنا أيضاً. فما رشح عن الوفد الليبي بعد اللقاء، سيعتبر -إن صح- تغيراً واضحاً في تعامل أبوظبي مع الأزمة الليبية، فقد نقلوا عن المسؤول الإماراتي على الملف الليبي قوله: "إنَّ حكومته كانت تسمع لطرف ليبي واحد، ولم تستمع لباقي أطراف الأزمة"، ولا يمكن أن نقرأ هذا الموقف بمعزلٍ عن الرؤية الخليجية الاستراتيجية المشتركة، التي تم تبني خطوطها العريضة في قمة الدوحة الأخيرة.

ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء حالة التوجس لدى دول الخليج مما يسمونه "الإسلام السياسي"، ونرى هنا أن على الحركات ذات المرجعية الإسلامية أن تدرك أن استقرار دول الخليج يمثل أحد ضمانات استقرار محيطها العربي والإسلامي المشتعل والمحفوف بكل أنواع المخاطر، وتلك مصلحةً عليا لكل الأطراف اليوم، لذا ينبغي ضرورة العمل على تقديم ضمانات تدفع التوجس وتُحِلُّ الاطمئنان لدى حكومات الخليج، خصوصاً أن المجتمعات الخليجية مجتمعات متدينة بطبعها، وتقليدية، وتعيش في حالة من العدل والاستقرار النسبي العالي، مع حالة من الانسجام بين الشعوب وأنظمة الحكم، على خلاف محيطهم الإقليمي.

دول الخليج بدورها، أصبحت تدرك أن حالة الفوضى والإضطراب في عمقها الاستراتيجي العربي، وفي مصر بالدرجة الأولى، باتت تشكل عبئاً اقتصادياً وسياسياً مكلفاً، كما أصبحت تدرك حاجتها لجماعات إسلامية معتدلة تؤمن بالتداول السلمي للسلطة، للوقوف في وجه التمدد الصفوي والنهج التكفيري السني على السواء.

إن نقطة المنتصف التي ندعو إليها تقوم على ركيزتين أساسيتين هما، إعلان صريح من الحركات ذات المرجعية الإسلامية (والإخوان المسلمون على وجه الخصوص) بأنهم لا ينوون فتح أو دعم فروع لهم في دول الخليج، وأنهم لا يقدمون غطاءاً لأي دعوة هناك، وسواء أجاءت الدعوة من فردٍ أو مجموعة.

مقابل ذلك تساعد دول الخليج دول المنطقة على فرض حالة من الاستقرار النابع من إرادة الشعوب عبر إرساء عمليةٍ ديمقراطية دستورية ترضي جميع الأطراف، والسعي لمصالحة حقيقية بين كل الأطراف المؤمنة بالحل السلمي، بلا إقصاءٍ ولا انتقاء، تبدأ من مصر وليبيا، ثم تتفرغ للملفات الثلاثة الأخطر التي تحدق بدول الخليج (العراق وسوريا واليمن).

لقد بات من المهم جداً التأكيد على حقيقتين مهمتين في هذا المشهد، أولاهما أن مجتمعات هذه المنطقة شبابية (تمثل شريحة الشباب فيها أكثر من نصف المجتمع). وهو جيل يختلف عن سابقيه، في آماله وتطلعاته وحتى طرق تفكيره ووصوله إلى الحدث والمعلومة وتوظيفهما.

والثانية أن فقدان هذا الجيل لفرصة تحقيق آماله وتطلعاته عبر حالة مجتمعية طبيعية ومستقرة ستجعل منهم قنابل موقوتة، وتدفع بهم غالباً، بعيداً عن كل الجماعات التي تنادي بالسلمية باتجاه الجماعات الأكثر تشدداً والتي لا تؤمن بغير العنف وسيلةً للتغيير.

وقد جرب الجميع أن هذه النار ككرةٍ متدحرجة، تعبر الحدود وتهدم السدود أمامها كلما كبر حجمها، ولن يكون في مقدور أحدٍ السيطرة عليها، أو أن يكون آمناً من شرها.

إن الفرصة اليوم تأريخية، في ظل عودة العلاقات الطبيعية الخليجية الداخلية، والسعي الجاد لإعادة رسم سياستها الخارجية ومنظومتها الأمنية، وأرى هذه الفرصة مواتيةً للعمل على إعادة ترسيخ علاقة دول المجلس بتركيا كخطوة أولى، ثم العمل من خلال قطر وتركيا على تخفيف حدة الإختلافات والبحث عن التوافقات والضمانات المتبادلة، اللازمة لإحداث حد أدنى من الاستقرار.

لقد باتت كل الأطراف في المنطقة، دولاً وجماعات وشعوباً، يدركون حجم المأزق والمنعطف التأريخي الذي تمر به منطقتهم، وهي تواجه مخاطر التهديدات الاستعمارية الدولية، والتغول الفارسي الصفوي، وتمدد الفكر التكفيري والسلوك المتشدد المحسوب على السنة، وعلى المنظومة الدينية الخليجية تحديداً، وبات لزاماً على الجميع عمل مراجعة سريعة وذكية تبني حلولاً واقعية تجنب شعوب هذه المنطقة وحدودها ويلات هذه المخاطر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة