ربيع الإسلام والسلام يبدأ من غزة

اليهود الذين شاركوا في مظاهرات التنديد بالقمع والقتل ومخططات الإبادة الممنهجة في غزة، يقولون إنها تشكل وصمة عار على جبين الدين اليهودي، وتشكل الخطر القادم على أمن الدولة العبرية وعلى السلام العالمي.

الخميس، 31-07-2014 الساعة 09:23


أوحت إلي الحرب المسعورة التي تشنها إسرائيل على المدنيين والأطفال والأبرياء في قطاع غزة جملة من الخواطر، وظلت تجول بفكري حقيقة تاريخية وهي أن ملوك العرب في حرب 1948 كانوا يرسلون المتطوعين والسلاح إلى فلسطين، أما جمهوريات اليوم فإما ترسل الدواء والبطاطين والخيام، وإما تكتفي بالبيانات (المنددة!) أو تدعو لاجتماع الجامعة العربية أو مجلس الأمن! سبحان مغير العرب من جيل الفداء إلى جيل العزاء!

وتذكرت أن الله سبحانه خلق الفصول الأربعة لتتعاقب من أجل رزق المخلوقات، فالخريف يمهد الأرض للزرع ويسمح بالحرث ويبعث الريح فيه لقاحاً، ويعقبه الشتاء فيهطل مطراً مدراراً ينعش الزرع ويخرج السنابل حبلى بالقمح والشعير والرز، ثم يأتي الربيع ليكون الخير باعث أمل ورخاء ويعتني المزارع بأرضه سقياً وعلاجاً وتشذيباً إلى أن يحل الصيف، وهو موسم الحصاد مرفوقاً بحمد الله وشكره على نعمائه... وتلك الأيام نداولها بين الناس.

ولا تختلف الحياة السياسية عن فصول العام، فيرى المؤمن فيها ما سماه سبحانه التدافع، لأن الله خلق الشعوب والقبائل وألهم نفوس الناس فجورها وتقواها وجعل دورات القرى، أي الحضارات مثل دورات الفصول، فانظر من حولك شعب فلسطين وهو اليوم يمر بمحنة أخرى تحت قنابل الصهاينة في غزة البطلة، لتدرك أنه عاش خريف التهجير والشتات سنة 1947 بإرادة جائرة من دول أوروبية سبق أن ذبحت اليهود وأبادتهم، وأراد حكامها بعد دحر النازية أن يكفروا عن ذنوب أوروبا المسيحية فأعطوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون، وأنشأ الغرب المسيحي كياناً عبرياً مزروعاً في جسد إسلامي ومسيحي قديم، لم يتنكر يوماً للطائفة اليهودية ولم يضطهدها، بل حماها كما وقع في التاريخ مرتين، الأولى حين لوحق اليهود والمسلمون معاً في الأندلس على أيدي نفس المسيحيين المتطرفين وأُحرقوا في محاكم التفتيش، والثانية حين أبيد اليهود على أيدي هتلر النازي فوجد الناجون من اليهود خلال المحنتين ملجأهم الأمين لدى المسلمين.

كان شتاء أبناء فلسطين قاسياً سنة 1947 و1948 حين حل شعب دخيل مكان شعب أصيل، وأتذكر شخصياً أنني حين انتُخبت رئيساً لإحدى جلسات المؤتمر الدولي للاتحاد العالمي للبرلمانات في خريف 1982 (نفس خريف العدوان على بيروت وإخراج المناضلين الفلسطينيين منها نحو قبرص ثم نحو تونس)، وكان مؤتمرنا منعقداً بمقر البرلمان الإيطالي بروما، وكانت الجلسة مخصصة بإلحاح البرلمانيين العرب للنظر في شؤون الشرق الأوسط، ألقيت خطاباً في كل الوفود المشاركة ومنها الوفد الإسرائيلي ووفد منظمة التحرير، بصفة ملاحظ، ووفود بريطانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية، وكنت من قبل خطابي توجهت إلى سكرتيرة المؤتمر وأخذت منها السير الذاتية للوفدين الإسرائيلي والفلسطيني (ومن بينهم المناضل خالد الحسن رحمة الله عليه)، وبدأت خطابي بالقول للبرلمانيين الحاضرين: "نريدكم أن تفهموا سر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكي تفهموا هذا السر سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الإسرائيلي؟ شالوم ولد في بروكلين وحاييم ولد في فيانا وديفد ولد في اليمن وإيزاك ولد في ميلانو... كما سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الفلسطيني، فخالد ولد في حيفا وكمال في الناصرة وناصر في القدس وجمال في نابلس... هذه حقيقة مأساة فلسطين، يهود قادمون من مدن العالم لا علاقة لهم بفلسطين، وفلسطينيون من أرحام أرض فلسطين ولدوا فيها ونشأوا بين زيتونها وكرومها وهجروا منها، فهم اليوم في تونس وعمان وبيروت وباريس ونيويورك سيرجعون بعد المؤتمر إلى مهاجرهم، بينما اليهود الذين جاءوا من أصقاع الأرض واغتصبوا فلسطين سيعودون بعد مؤتمرنا إلى فلسطين. وأقسم لكم اليوم أيها القراء الأعزاء بعد مرور أكثر من ثلث قرن على هذا الخطاب الذي ألهمنيه الله سبحانه لا أزال أتذكر باعتزاز كيف صفق لي وقوفاً جل أعضاء الوفد الأمريكي والألماني والفرنسي وكيف صرخ الإسرائيليون غضباً وتنديداً. وأعتقد مع طول التجربة وكثرة التعايش مع الأحداث أن السبب بسيط، وهو أن المنطق العقلاني والرؤية التاريخية يستطيعان التأثير على رأي عام عالمي مغشوش، عوض استعمال لغة العواطف والحماس والحمية. لذلك آليت في كل مواقفي السياسية والتعبير عن أفكاري ألا أعتمد إلا على العقل والبصيرة التي أمرنا الله أن ندعو بفضلها إلى سبيله تعالى، مع اعتماد قوة الحجة التاريخية وبرهان الحق الساطع. ولهذا السبب أشد على أيدي المناضل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس على تغيير لغة الخطاب المتوجه للرأي العام الغربي والذي بثته بالمباشر القناة الرسمية الفرنسية فرانس 24 يوم الأربعاء 23 يوليو/ حزيران، وهي قناة الحكومة الفرنسية، فقد قال خالد بأن حماس لم تستهدف سوى جنود العدو المهاجمين، بينما يقتل الصهاينة مئات الأطفال والنساء والشيوخ ويقصفون المستشفيات وبيوت الله وهو ما سماه مشعل (الانتصار الأخلاقي على جيش تساحال) وهو أيضاً ما دعا السيدة (نافي بيلاي) رئيسة مفوضية حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وفي نفس يوم الأربعاء، إلى التصريح بقوة ومن على منبر الأمم المتحدة بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في العدوان المستمر على المدنيين في قطاع غزة. لعل بعض قرائي الأفاضل يردون عليّ قائلين: وماذا يفيد غزة من هذه التصريحات ما دامت إسرائيل لا تقيم وزناً لا للأمم المتحدة ولا بالطبع لخطب العرب، ولا تعتمد سوى على منطق القوة والتفوق منذ.... سبعين عاماً؟ هذا صحيح، ولكن المقاومة الفلسطينية وخاصة التي اعتمدت على قوة العقيدة نجحت في قلب الموازين التقليدية القديمة والعقيمة، أولا بالاعتبار والبصيرة وقراءة أخطاء الماضي في الحراك العسكري والدبلوماسي، وثانياً بتطوير تقنيات السلاح الرادع. ويكفي أن نذكر فقط إيقاف شركات الطيران الأوروبية والآسيوية وحتى الأمريكية رحلاتها إلى مطارات إسرائيل، وما ينجر عن ذلك من خسائر اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية لإسرائيل، وهو ما حرك لوبيات إسرائيلية لتعود بمراجعة مواقفها، لا محبة في الفلسطينيين، بل خوفاً على إسرائيل، قناعة من هذه اللوبيات بأن سياسات التهور ورفض حل الدولتين لو يتواصل ستصبح دولة إسرائيل عبئاً ثقيلاً على الإدارة الأمريكية الحاضنة لهذه الدولة والضامنة لبقائها وتفوقها، ولعلمكم يا قارئي العربي، فإن آلاف اليهود شاركوا في مدن أوروبية وأمريكية في مظاهرات التنديد بالقمع والقتل ومخططات الإبادة الممنهجة، التي كما يقول هؤلاء اليهود، تشكل وصمة عار على جبين الدين اليهودي وتشكل الخطر القادم على أمن الدولة العبرية وعلى السلام العالمي.

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

سي إن إن ترك: لقطات جديدة للحظة ركن السيارة الدبلوماسية السعودية بمرآب في إسطنبول حيث كانت مفقودة منذ يوم اغتيال خاشقجي قبل أن تجدها الشرطة الاثنين