رحلة مع المرحوم بابا

أبي رحل مفقوداً في الحرب وتركنا صغاراً مع أمي ..

الأربعاء، 03-08-2016 الساعة 17:12

للمرة الأولى منذ 28 عاماً، أصطحب أبي وأكون رفقته، إلى يميني في السيارة تجلس أمي، وبين يديّ أضع اسم ابي، كان قد فعلها وصحبني كثيراً حين كنت طفلة ولكنه فجأة توقف عن فعل ذلك، ليعود رفقتي إلى دائرة التقاعد، لم أعرف أبي إلا معطاءً؛ فمنذ أن أبصرت الحياة كان والدي يمنحنا ما نريد، وحين رحل مفقوداً في الحرب وتركنا صغاراً مع أمي بدأنا نستلم راتبه ذلك الراتب الذي كان لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل سنوات الحصار الاقتصادي على العراق مطلع تسعينات القرن الماضي، كبرت ومازال أبي يعطي دون أن يأخذ؛ واليوم هو رفقتي ليمنحني جزءاً من راتبه التقاعدي.

هي المرة الأولى أيضاً التي اضطر فيها دخول دائرة التقاعد التي كنت أجهل عنوانها، كانت تلك الزيارة لغرض إتمام بصمة بموجبها يتم إدراج معاملة التقاعد للمرحوم بابا، أو كما تقول عمتي (الله يذكره بالخير)، لأن مفهوم الرحمة الإلهية عندنا للميت فقط، فقلب عمتي لا يطاوعها حتى بعد نحو 30 عاماً منذ عام 1987 على فقدان أخيها (والدي)، في الحرب العراقية-الإيرانية، القول "رحمه الله".

في ذلك اليوم المشمس شديد الحرارة كسائر أيام العراق اللاهب بطقسه وأحداثه، توجهت مع أمي إلى دائرة التقاعد في مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى، كان علينا أن نقوم بما يقوم به المراجعون ونقف في طابور تحت أشعة الشمس كما يقفون ونسأل كما يسألون؛ كوني وأمي قادمين للمرة الأولى نجهل فيها ما لم يجهلون. علمنا مسبقاً أن مشوار التقاعد طويل وأن الخوض فيه أشبه بالضرب من ضروب المستحيل؛ ولكن هو استحقاق لا بد منه وشعرة من جلد خنزير كما يقول العراقيون عن (الحكومة العراقية)، من الذين صادفناهم في دائرة التقاعد.

زيارة واحدة تكفي لإمداد قلم أي صحفي بمئات القصص المأساوية؛ لمراجعين غص بهم المكان وأصبحوا جزءاً من موظفي هذه الأبنية، وتكفي هذه الزيارة أيضاً لملء سماء الوطن بسحب دخان زفير المتقاعدين، ولأن زيارتنا الأولى جاءت بعد زيارتين أخفقنا فيهما دخول الدائرة والترويج لمعاملة التقاعد (وضع المعاملة بكامل أوراقها الأصولية في السياق المطلوب)، فإن التعرف على قصص المتقاعدين جعلني أشعر بالتقصير لإغفالي مثل هذه المواضيع الاجتماعية المهمة ومعاناة شريحة أخذت تتسع رقعتها يوماً بعد آخر في بلد زاد فيه عدد المرتشين وقل عدد المستفيدين، وجدتني أثق أكثر بمقطع من أغنية كاظم الساهر، (لا يؤلم الجرح إلا من به الألم)، ولأني اليوم أصبحت جزءاً من ذلك الجرح والألم، شعرت بمعاناة آلاف العراقيين وهم يبكرون يومهم عند عتبة دائرة التقاعد التي يجب أن تُحال هي الأخرى إلى التقاعد، فإني أعترف بتقصيري كأداة لنقل الواقع وإغفالي الكتابة عن تلك القضية إلا بعد أن لامستني شخصياً.

نعود إلى داخل الدائرة والى العّم أبو مشتاق تحديداً، رجل تجاوز الخمسين من العمر؛ يعمل كما تعمل خلية نحل كاملة؛ دون ضجرٍ أو ملل، بخلاف موظفين وموظفات مرتشين ومرتشيات داخل تلك الدائرة اللّعينة، وجدت في هذا الرجل ما يبعث على الطمأنينة وخيط من خيوط الأمل في دوائر حكومية صار الوصف الأنسب لها مستنقعات تعيش فيها حيتان لا ترحم، وحده العّم أبو مشتاق وثلة قليلة مثلهُ يحاولون إثبات أنّ الزمن ما زال فيه قليلٌ من الآخرين المخلصين.

أثناء ذلك شعرت وأمي بالإحباط؛ جاء العم أبو مشتاق الَذي يردد اسمه الجميع إذ على ما يبدو أنهم يعرفونه جيداً كما عرفناه نحن من أول زيارة، قال لنا أن معاملتكم تم العثور عليها فقد أُخبرنا قبل ذلك أنها فقدت أو أنها لم تصل إلى الدائرة أصلاً، وعلى يبدو أن كلمة مفقود صارت متلازمة لاسم أبي، حتى معاملة تقاعده فقدت ثم عثرنا عليها لكننا لم نعثر عليه هو أو حتى على رفاته.

في تلك اللحظات السعيدة حمدنا الله كثيراً وهنأنا بعضنا البعض؛ فقد أنجزنا أولى خطوات الرحلة المجهولة في عالم المتقاعدين، شعرت حينها لا بد من السخرية لإضفاء نوع من الفكاهة بدل اليوم الممل هذا، قلت لأمي: أعتقد أنكم ستستلمون تقاعدي بدل تقاعد والدي إن استمرينا بمراجعة هذه الدائرة، رمقتني أمي بنظرة عدم الرضا لما تفوهت به، وقالت بنبرة عصبية (يا ستار) وسكتت.

مضى ثلاثة شهور ولم تتحرك المعاملة إلا خطوة واحدة، علينا إن ننتظر لعام أو عامين للحصول على هوية التقاعد، إن لم يكن لدينا من الواسطة ما يكفي، فقد قالت لي إحدى النسوة ممن كانت تتدافع للدخول إلى دائرة التقاعد أنها ومنذ ثماني سنوات تراجع هذه الدائرة باستثناء بعض السنوات التي اضطرت خلالها الهجرة من الوطن نتيجة الوضع الأمني المتردي، في تلك الأثناء همست اخرى لأمي بأنها ومنذ عامين تراجع الدائرة دون أن تحصل على التقاعد حتى قتل شقيقها وأصبح بحوزتها معاملتان (فايلان)، واحد لها تقاعد زوجها الذي قتل قبل عامين، والأخرى تقاعد أخيها لوالدتها.

عدنا إلى منزلنا بعد تناول وجبة الغداء والتي كانت سندويتش الفلافل كما رغبت، والشاورما (الگص) رغبة أمي، كان على أمي الاستعداد لرحلة أخرى مع دائرة أخرى هذه المرة في العاصمة بغداد ومع دائرة كهرباء الوسط، حيث استحقاقنا من راتب (المرحوم أبي) منذ أربع أعوام بأثر رجعي، غير أن مدير الدائرة يرفض تسليمنا كامل ما نستحق وهنا لا داعي للحديث أكثر عن الدوائر الحكومية المستنسخة (copy-past)، في بلد تشفق على سكانه المعاناة لكثرة معاناتهم، عوضاً عن ذلك لنحتسي فنجان من قهوة بطعم العراق، فكل شيء في هذا العراق بطعم القهوة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة