رفع الحصار عن إيران إنقاذ أم استخدام لها؟

كانت أمريكا غير راغبة بالدخول في حرب مع إيران بسبب مشروعها النووي لا غير، على غير عادتها مع حكومة صدام حسين.

الاثنين، 25-01-2016 الساعة 18:11


في اليوم الذي وقع فيه الرئيس الأمريكي أوباما قرار رفع العقوبات عن إيران، معتمداً على قرار هيئة الطاقة الذرية الدولية التي أكدت خلو إيران من أي نشاط نووي محظور، وأن ما بقي هو في مجال الأبحاث العلمية النووية فقط، في اليوم نفسه 18/1/2016 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما "وجود خلافات عميقة ستبقى بين الولايات المتحدة وإيران"، على الرغم من بدء تنفيذ الاتفاق النووي معها، فكان ذلك أول خطاب له بعد بدء سريان الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، وفي ذلك دلالة يجب التفكير فيها، والسؤال عن التفاهم الأمريكي الإيراني أهو حقيقي، أم أن أمريكا تسير وفق خطة استدراج لإيران للاستفادة منها أو استغلالها أو ابتزازها أو استخدامها إقليمياً ودولياً، بعد أن نجحت أمريكا في إلزام إيران بتفكيك مشروعها النووي، وبالأخص مفاعل آراك، الذي وقفت إيران طويلاً ضد تفكيكه، وضد الاعتراف بوجوده في الأصل، ثم اضطرت تحت فاعلية العقوبات إلى تفكيك مشروعها النووي والتراجع عنه ومن ضمنها مفاعل آراك.

هذا الصمود الإيراني الذي دام 13 عاماً، كان أقل ضرراً على إيران من الضرر الذي لحق بالعراق بعد حصاره من عام 1990 ولغاية 2003، أي ثلاثة عشر عاماً أيضاً، ولكن انتهى بالحرب على العراق واحتلاله المزدوج من قبل أمريكا وإيران، حيث إن أمريكا لم تكن لتدخل في الحرب على العراق لولا إقناع المعارضة العراقية لها، وعلى رأسهم أحمد الشلبي، بأن الشعب العراقي سوف يستقبلها بالورود أولاً، وإقناع أمريكا بأن إيران سوف تقدم كل الدعم اللوجستي لها ثانياً، وأن القوات البرية الموصوفة بأنها من المعارضة العراقية من قوات بدر والجنود العراقيين الفارين إلى إيران لأكثر من عشر سنوات هي جاهزة في إيران لمساعدة الجيش الأمريكي، ومعهم الإيرانيون المتجنسون من قوات الحرس الثوري الإيراني، ولذلك فقد كانت أمريكا غير راغبة بالدخول في حرب مع إيران بسبب مشروعها النووي ولا غيره، على غير عادتها مع حكومة صدام حسين، حيث تعمدت أمريكا خداعه بدخول الكويت أولاً، وخداع العالم والأمم المتحدة والكونغرس بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، تبين كذبها بعد فوات الأوان، لأن أمريكا كانت تريد الحرب واحتلال العراق بتشجيع إيراني، في حين لم تكن كذلك مع إيران، وقد أبدت الحكومة الإيرانية تعاوناً مع أمريكا، وهذا ما شجع الإدارة الأمريكية، وبالأخص وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) على التفاهم مع القيادة الإيرانية، وعلى إنجاز تفاهمات شفوية أو مكتوبة بخصوص أمن الشرق الأوسط وشؤونه السياسية، وبالأخص أمن الدولة الإسرائيلية أولاً، ثم مستقبل الدول العربية بعد ظهور ثورات الربيع العربي عام 2011.

وهكذا نجحت أمريكا في ترويض إيران في علاقاتها العدوانية مع أمريكا وإسرائيل والغرب، في حين فتحت أمريكا الأبواب الواسعة لإيران لإجراء اضطرابات سياسية وأمنية في البلاد العربية والشرق الأوسط، ولكن بشرط التفاهم عليها وعدم تجاوز الشروط الأمريكية فيها، ولذلك أكمل أوباما تعليقه على رفع العقوبات عن إيران وعن علاقة أمريكا بإيران بأن "واشنطن ستبقى صامدة لرد تهديدات إيران لاستقرار الشرق الأوسط والخليج العربي، ودعمها للإرهاب، وانتهاكها لحقوق الإنسان"، أي إن أمريكا سوف تبقى تلاعب إيران في هذه القضايا، وهي:

1ـ استقرار الشرق الأوسط والخليج العربي، كما فعلت بتشجيع علي عبد الله صالح والحوثيين على الانقلاب في اليمن، بعلم السفير الأمريكي.

2- دعم إيران للإرهاب.

3- انتهاك إيران لحقوق الإنسان داخل إيران، بهدف إشعار الشعب الإيراني بأن أمريكا قريبة منه.

وعلى الرغم من إشادة أوباما بالاتفاق النووي، ورفع العقوبات المتعلقة ببرنامج طهران النووي، أوضح أوباما "أن الولايات المتحدة ستواصل تطويق إيران بالعقوبات"، وأولى قضايا الاختلاف بين أمريكا وإيران اليوم هو: "تهديدات طهران بسبب برنامجها الخاص بالصواريخ بعيدة المدى"، كما لم ينس أوباما أن يذكر بأن العمل العسكري لم يكن ضرورياً مع إيران كما كانت تريد الدولة الإسرائيلية والمحافظون في الكونغرس، قائلاً: "إن الاتفاق النووي مع إيران أثبت قوة الدبلوماسية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أهدافها، دون اللجوء إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط"، بل ذهب أبعد من ذلك عندما رجح التعاون مع إيران الثورية الخامنئية عندما أضاف قائلاً: "إن أمريكا قوية وذات مصداقية، ويمكنها أن تعزز علاقاتها مع طهران"، فلا يستغربن أحد بعد ذلك الصداقة الأمريكية الإيرانية، فإيران قايضت أمريكا مشروعها النووي بصداقتها، وهو ما عبر عنه مراراً جواد ظريف، بأن المكسب الإيراني الأكبر هو صداقة الغرب وكسب ثقته، فإن تراجعت أمريكا عن صداقة إيران فإن إيران قد تتراجع عن اتفاقها النووي معها، وقد كانت سنوات الربيع العربي السابقة، وسلوك إيران فيها، خير دليل على التعاون الإيراني مع أمريكا، ولذلك كان تركيز أوباما على ذكر ما التزمت به إيران كالتالي:

1 ـ قال أوباما: "وفق الاتفاق لن تتمكن إيران من الحصول على السلاح أو القنبلة النووية".

2 ـ وقال أوباما: "إنه بموجب الاتفاق سيراقب المفتشون الدوليون على مدار الساعة يومياً وعلى طول السنة الأنشطة والمنشآت النووية الإيرانية".

3 ـ وقال أوباما: "إن المفتشين باستطاعتهم الدخول لمختلف المنشآت النووية، ولا يمكن لإيران بعد اليوم إخفاء أي نشاط نووي، وفي حال محاولتها ذلك ستُكشف مباشرة".

4 ـ قال أوباما: "إنه ما زال يقف بحزم ضد تهديدات إيران لإسرائيل ودول أخرى بالمنطقة".

5 ـ قال أوباما: "إن الاتصالات مع طهران تكثفت في الفترة الأخيرة، وهو ما أدى إلى الافراج عن سجناء أمريكيين"، وإنه: "ضغط على الرئيس الإيراني حسن روحاني نفسه للإفراج عن المحتجزين الأمريكيين في طهران".

وقد صادف قبل توقيع أوباما لرفع العقوبات أن دخل زورق عسكري أمريكي المياه الإقليمية لإيران في الخليج العربي، وقيام الحرس الثوري باعتقالهم، وهم عشرة بحارة، وخلال أربع ساعات تم الإفراج عنهم، حيث لم ترغب أمريكا باستثمار هذه الحادثة، فطالبت إيران بالتخلي السريع عنهم، فأُخلي سبيلهم، وليس بمستبعد أن يكون لذلك صلة بالإفراج عن السجناء الإيرانيين في أمريكا.

وعلى العموم، فإن توقيع الاتفاق بين أمريكا وإيران ورفع العقوبات عن إيران، وما سبقه وجرى خلال السنوات الأربع الماضية، يؤكد أن أمريكا سوف تستخدم إيران كثيراً بدعوى الصداقة الأمريكية الإيرانية، وقد يكون هذا الاستخدام فيه مصالح مشتركة بين إيران وأمريكا، ولكن فيها خسائر أو أضراراً لدول أخرى، وفي مقدمتها:

1 ـ استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة، حيث عملت الإدارة الأمريكية على إدامة الصراع في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وقد كان لإيران يد طويلة وجارحة فيها، فكان التورط الإيراني في سوريا والعراق واليمن بموافقة أمريكية، في سياق الاتفاق النووي.

2 ـ إشعال حروب أخرى في السعودية والبحرين والكويت والأردن، فإن لم تستطع إشعال الحروب الأهلية فيها، فبإثارة المشاكل السياسية أو المذهبية الطائفية، أو المشاكل القومية كما تفعل الآن في تركيا بدعمها لقيادة قنديل في شمال العراق، للقيام بأعمال إرهابية تضرب الاستقرار السياسي في تركيا وتؤثر في تراجع الاقتصاد التركي.

3 ـ التشجيع على المشاكل بين الدول، أو توريط دول في الحروب، أو الدخول في تحالفات مع دول أخرى لإثارة عداوات دولية، تخدم المصالح الإيرانية الأمريكية، وليس التورط الروسي في سوريا، والخلاف الروسي التركي، والخسائر الروسية القادمة في سوريا، إلا أمثلة على هذا النوع من الاستخدام الأمريكي لإيران.

إن ما تتمناه السياسة التركية أن تتحرر إيران من سياستها الطائفية، لأنها ليست سياسة صالحة، وقد أضرت بإيران كما أضرت بالدول العربية وتركيا، ولم يكن المستفيد إلا أمريكا وإسرائيل، فما ادعته إيران بهيمنتها على أربع عواصم عربية ما هي إلا أوهام قتلت الكثيرين دون فائدة.

لقد قدمت تركيا الكثير من المساعدات الاقتصادية لإيران في عهد الحصار والعقوبات الدولية، وتأمل تركيا أن يتواصل التعاون الاقتصادي بينهما، على الرغم من وجود اختلاف في وجهات النظر السياسية حول عدد من القضايا، ومنها السلوك الإيراني في سوريا، وفي العراق، وفي اليمن وغيرها، وإذا صح أن لإيران أصابع في العمليات الإرهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني، أو قوات حماية الشعب الكردية السورية ضد تركيا، فإن ذلك سيكون خطراً على استقرار تركيا وإيران، وعلى العلاقات الثنائية بينهما معاً.

لقد رحبت الحكومة التركية برفع العقوبات عن إيران، وهي تأمل أن تبدأ السياسة الإيرانية عهداً جديداً ليس مع أمريكا فقط، وليس مع الدول الأوروبية فقط، وإنما مع الدولة التركية ودول المنطقة أيضاً، لأن إيران لن تستطيع الاستقرار الاقتصادي في بلادها إذا هي عملت على توتير الأوضاع في المنطقة، فعدوى الحروب الداخلية من الممكن أن تنتقل إلى داخل إيران، والأوراق التي تمتلكها دول المنطقة داخل إيران هي أقوى مما تمتلكه إيران فيها أيضاً، لذلك فإن السياسة الإيرانية مطالبة أن تكون وفية لمن وقف معها أيام الحصار والعقوبات، فإن لم تقف وفية معه، فلا أقل من ألا تقف عدوانية في سياستها الاقتصادية. ولعل من سوء حظ إيران أن رفع العقوبات الاقتصادية عنها تزامن مع هبوط أسعار النفط، وهو مؤهل لمزيد من الهبوط، مما يستدعي أن تقف إيران مع جيرانها في علاقات تعاون واستقرار وأمن وسلام، وإلا فإن الخسارة لن تكون لطرف واحد أولاً، ولن تكون من واحد ثانياً، وعودة أمريكا إلى سياسة العقوبات لن تطول ثالثاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة