روسيا.. والتوسع الإقليمي

كل الرسائل والضغوطات الإقليمية والدولية باتت تجري من خلال الساحة السورية.

الخميس، 18-08-2016 الساعة 19:09


الغطرسة الروسية حولت المشهد والمعطيات السياسية والأمنية في المنطقة نحو حالة الفوضى الشاملة وحرب إقليمية أوسع بصورة رسمية؛ فالتدخل الروسي الإيراني في الأزمة السورية يهدد الاستقرار الإقليمي من خلال تغيير الهيكلية الأمنية وفرض الوقائع العسكرية، باستخدام البطش العسكري، والقوة الصلبة ضد المدنيين السوريين الذين تحولوا إلى أداة للصراع الإقليمي والدولي.

كل الرسائل والضغوطات الإقليمية والدولية باتت تجري من خلال الساحة السورية، ففي ظل غياب القيادة والفراغ الأمني الذي أحدثه الانسحاب الأمريكي من العراق تسبب في نقلة نوعية لصالح إيران وروسيا، بل وفتحت أسوأ نوافذ السيناريوهات والاحتمالات السياسية والأمنية في المرحلة المقبلة.

فهل تريد روسيا فعلاً الحفاظ على بشار الأسد؟ هل هناك اتفاق استراتيجي بين إيران وروسيا على غرار الاتفاق الأمني والعسكري بين تركيا والناتو؟ كيف يمكن إعادة هيكلية الشرق الأوسط من الناحية السياسية والأمنية؟ هل هناك بوادر لقيادة سنيَّة في المرحلة القادمة في ظل التطورات الراديكالية في تركيا، والتردد السعودي؟

إن السياسة الروسية في الشرق الأوسط تمكن قراءتها وفق المنظور الواقعي والبحث عن التوسع الإقليمي على حساب الفراغ الأمني واختلال توازن القوة التي أحدثها الربيع العربي، إذ تهدف روسيا إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية أكبر بكثير من طاغية الشام وجنون المليشيات الطائفية، فروسيا تدرك قواعد اللعبة الدولية جيداً، وتسعى إلى الحصول على مركزها في تلك اللعبة قبل أن تكون ضمن الفريق الآخر الذي تدار اللعبة السياسية في ساحاتهم.

ولأن بشار الأسد وغيره من الأطراف المستبدة التي تسعى لإرضاء الأطراف الدولية عادة لا تشكل جزءاً من اللعبة، بل تكون فقط مجرد أداة في إدارة التنافس السياسي والاقتصادي على المستوى الدولي.

روسيا لا تهتم كثيراً ببقاء الأسد من عدمه، ولكن في المرحلة الراهنه بقاء الأسد مهم لشرعنة الوجود العسكري الروسي في سوريا، وكذلك للضغط على الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي فيما يخص أوراق الخلاف والتنافس الاقتصادي معهم، وكذلك ملء الفراغ الإقليمي بالاستفادة من التنافر الإيراني السعودي، والتباين التركي الإيراني، وبذلك تكون روسيا القوة الأكثر تنظيماً في ملء الفراغ والبقاء في الشرق الأوسط.

لقد أدركت إيران حجم الخسائر من العزلة الدولية التي فرضت عليها لأكثر من عقدين، وذلك لأن الحديث عن عزلة إيران بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أمر سطحي يعبر عن عدم الإلمام بالتطورات والتفاهمات الاستخباراتية والأمنية بين إيران وبين كثير من الدول الغربية، من ضمنها الولايات المتحدة.

وبعد الاتفاق النووي دخلت إيران مرحلة جديدة عبرت عن قوتها الإقليمية، وأتاحت لطهران فرصاً جديدة للحصول على النفوذ والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، واعتباراً من ذلك تعامل إيران مع كل الأحداث التي جرت في الشرق الأوسط ومنها الربيع العربي، فالتوسع في استخدام المذهب كأداة للتأثير على دول الجوار ما هو إلا سياسة إيرانية جديدة في تحقيق توسع استراتيجي من خلال استخدام جميع الوسائل العسكرية والقوة المرنة.

وبذلك تحولت إيران إلى قوة لا يستهان بنفوذها، ليس فقط في إطارها المحدد كدولة، وإنما في كل من العراق، واليمن، وسوريا، ولبنان، وحتى في شمال إفريقيا من خلال علاقاتها مع الجزائر.

إن فتح إيران لأجوائها، وكذلك توفير القواعد العسكرية لروسيا، يؤكدان مرور المنطقة بأخطر مراحلها، وتؤكد أيضاً أن الرد على التهديد الإيراني بات صعباً، وأن دول الخليج وكذلك الأطراف السنيَّة في موقف لا تحسد عليه من الناحية الاستراتيجية، فموازين القوة تتجه لمصلحة طهران.

فاتفاق إيران عسكرياً مع روسيا بمثابة اتفاق أمني عسكري على غرار الاتفاق الموجود بين أعضاء الناتو، وعليه فإن الاتفاقية العسكرية الجديدة بين طهران وموسكو توفر للأولى غطاءً نووياً لا تحتاج معه للاستمرار في تطوير برنامجها النووي.

كما أن الممر المائي الذي يجري العمل عليه بين البلدين، وبمشاركة بعض دول الاتحاد السوفييتي السابق، يعقد الأمور أكثر، ويفرض حقائق جيوسياسية يصعب على الدول التي رضيت بأن تكون أداة في اللعبة الدولية، وركزت ثقلها على محاربة الجماعات المدنية في الداخل، والتعامل معها.

بناء على ما سبق فإن إعادة هيكلية الأمن الإقليمي وفق المنظور الروسي سوف يفرز الكثير من المشاكل الجيوسياسية والأمنية لشعوب المنطقة، ويفتح الباب أمام الراديكالية ومزيد من العنف والدماء؛ فالأمن الإقليمي مسؤولية جماعية، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التعامل معها بغطرسة عسكرية روسية، ولا بمصالح فارسية ضيقة، فقد أصبحت ايران تتعامل مع الملفات الحساسة بانتهازية وبراغماتية عالية من أجل صناعة الردع مع الدول الأخرى خاصة تركيا والسعودية.

لذلك فالسنَّة يعانون أزمة قيادة حقيقية ليست فقط في العراق واليمن ولبنان وسوريا، وإنما على المستوى الإقليمي، فالدولة التركية حاولت الكثير من أجل تحقيق استقرار إقليمي من خلال نموذج الكل مستفيد (Win/Win) بعيداً عن الطائفية. لكن إيران استمرت بالمشروع الطائفي، وعندما أرادت تركيا صناعة الردع لم تلق أي اهتمام من قبل الدول السنيَّة خاصة السعودية ودول الخليج.

وحدها قطر التي استدركت الموقف وخطورة المرحلة، وساندت المشروع التركي، وإن كان السبب وراء العزلة التي أصابت تركيا هي اهتمامها بقضايا السنَّة، والعمل على تغيير النظام السوري، واليوم أدركت أنقرة الأخطار التي أوقعت نفسها فيها، ولم تلق أي دعم من قبل حلفائها.

إن التوسع الروسي سوف يغير الكثير من المعطيات، وسوف يغير كذلك الخريطة السياسية في الشرق الأوسط، واليوم نحن أمام إعادة هيكلية الأمن والخريطة السياسية الجديدة، والتي ستكون على حساب الشعوب والدول الضعيفة.

ونظراً لضعف أداء الإدارة الأمريكية الحالية، واستغنائها عن حلفاء الأمس؛ فكثير من الدول تتجه نحو حماية مصالحها من خلال الانضمام إلى الأقطاب الجديدة، وإذا لم يحل محل القطب الإقليمي المكون من روسيا وإيران أي بديل، فإن الكثير من المعادلات ستنقلب رأساً على عقب، لذا يبدو أن المنطقة برمتها مقبلة على تغييرات دراماتيكية كبيرة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة