زيارة محمد بن سلمان للولايات المتحدة.. الفرص والتحديات

زيارة الأمير جاءت في مرحلة تمر بها العلاقات السعودية الأمريكية بمرحلة من الفتور.

الخميس، 23-06-2016 الساعة 17:54


جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي للولايات المتحدة في مرحلة تمر بها العلاقات السعودية الأمريكية بمرحلة من الفتور؛ بسبب اعتراضات السعودية على التقارب الأمريكي الإيراني الذي أعقب الاتفاق النووي مع إيران، كذلك تحفّظات الولايات المتحدة على عاصفة الحزم في اليمن، وموقفها السلبي من تحالف دعم الشرعية، إضافةً إلى اختلاف وجهات النظر الشديدة بين البلدين بالقضية السورية. ويأمل المراقبون أن تبعث زيارة الأمير محمد الحياة بتلك العلاقة من جديد.

الأهمية الاقتصادية للزيارة

يرافق الأمير محمد بن سلمان عدد من كبار المسؤولين، بينهم وزير المالية إبراهيم العساف، ووزير التجارة والاستثمار ماجد القصبي، إضافة إلى وزير الخارجية عادل الجبير، إلا أن هذه الزيارة على أهميتها وأهمية الشخصيات التي شكلت الوفد الزائر، لا يؤمّل أن تغير الكثير بسياسة أوباما للملفات التي تهتم بها السعودية، وذلك لأسباب عددية، من أهمها أن أوباما يشد الرحال لمغادرة البيت الأبيض قريباً، فلم يتبق لديه الفرصة أو الوقت الكافي لإحداث تغيير جذري في سياسته الحالية.

لكن ما يأمله الأمير محمد بن سلمان هو الحصول من الرئيس الأمريكي أوباما على دفعة مشجعة لطموحاته الواعدة في خططه الاقتصادية، والتي باشر بتنفيذها ضمن رؤية المملكة العربية السعودية 2030، والحراك الاقتصادي المتمثل في برنامج التحول الوطني 2020. لا سيما أن الزيارة تأتي بعد بضعة أيام فقط من مصادقة مجلس الوزراء السعودي على خطة التحول الوطني للمملكة التي تشكل عنصراً محورياً لرؤية 2030 الإصلاحية التي أعلنت في 25 من أبريل الماضي.

وقد ركز موقع SUSRIS الإلكتروني (وهو موقع متخصص بمتابعة العلاقات السعودية الأمريكية) على الأهمية الاقتصادية لهذه الزيارة، نظراً لأهمية المنصبين المهمين الذين يشغلهما الأمير محمد، واللذين يغطيان مجالاً كبيراً من القضايا المشتركة بين البلدين، إضافة لكون الزيارة جاءت بعد عقد صفقة لشراء حصة كبيرة من شركة "أوبر" العالمية، والتي تعد الاستثمار الدولي الأول لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وبلغت قيمتها 3.5 مليارات دولار، ما يطمئن الأسواق العالمية أن هذا الاتفاق يشير إلى أن السعودية لديها الثراء الكافي، الذي يجعلها تستثمر بمبالغ كبيرة من المال.

وفي الوقت الذي تجد السعودية نفسها بحاجة لدخول الاستثمارات الأميركية في خطط وبرامج الرؤية السعودية (2030) فهي بحاجة أيضاً لأن تكون مسنودة بغطاء سياسي وتوافقي كبير، يؤمل أن يتحقق ذلك بعد هذه الزيارة.

ومن الدلالات القوية على أهداف هذه الزيارة الاقتصادية، حصول شركة "داو كيميكال" على رخصة تجارية بالمملكة السعودية من يد الأمير محمد سلمان نفسه، كأول شركة أجنبية تستثمر بالمملكة، ومن المتوقع أن يقوم الأمير محمد بن سلمان بزيارة لكاليفورنيا، واللقاء برؤساء شركات التقنية في وادي السيليكون. ومن المتوقع، أن يتم عقد العديد من الصفقات التكنولوجية بين المملكة والشركات التكنولوجية بوادي السليكون خلال فترة الزيارة.

من ردود الأفعال على تلك الزيارة، ما قاله السيناتور الجمهوري بوب كوركر رئيس لجنة العلاقات الخارجية: "أعرف أن هناك تحديات ثقافية هائلة سيتعين عليه (يقصد الأمير محمد) أن يتغلب عليها، لكنه إذا نجح بنسبة 50% فسيكون قد حقق شيئاً، وكلامه هذا له دلالات خطيرة، فهذا السيناتور الجمهوري يبدو أنه يريد أن يساوم ما بين المساعدة الأمريكية للمملكة، وما بين إحداث تغير ثقافي جدي فيها، وبالتأكيد المقصود هنا النهج الإسلامي الذي تطبقه المملكة.

الجانب السياسي للزيارة

إنَّ حضور وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ضمن تشكيلة الوفد السعودي الزائر يعطي للزيارة أهمية سياسية ودبلوماسية كبيرة؛ نظراً لما يتمتع به عادل الجبير من حنكة سياسية كبيرة، أثبتتها الفترة القصيرة التي قضاها في إدارة دفة الخارجية السعودية، واستطاع تحويلها من سياسة ردود أفعال، إلى سياسة مبادرة في قضايا المنطقة، ورفع من شأن السعودية كلاعب أساسي بالمنطقة.

تشمل هذه الزيارة، التباحث مع الجانب الأمريكي بعدة قضايا سياسية عالقة بينهما، وتتباين وجهات نظرهما فيها والمتعلقة بالشأن السوري، والشأن اليمني، والشأن العراقي، بالإضافة إلى موقف الولايات المتحدة من إيران وتدخلاتها بشؤون دول المنطقة الداخلية. وعلى الرغم من أنَّ أغلب المراقبين السياسيين قللوا من شأن النتائج التي ستتمخض عنها تلك المباحثات، إلا إنَّ من الممكن أن ينجح الوفد السعودي المفاوض برئاسة محمد بن سلمان، في الحصول على بعض التوافقات التي تفيد المملكة في تحدياتها الحالية.

فهي تحاول الضغط على الإدارة الأمريكية باتخاذ مواقف أكثر تشدداً من النظام السوري، إلا أنَّ الإدارة الأمريكية جددت طرح رؤيتها لحل الموضوع السوري سياسياً، على الرغم من اتفاقهم مع السعودية، أن لا مكان للأسد في سوريا مستقبلاً. كما أن الأمريكيين مازالوا على موقفهم الرافض لإيجاد منطقة أمنة داخل الأراضي السورية تستوعب الأعداد الكبيرة من اللاجئين المنتشرين بالدول المجاورة.

لكن ما يلفت النظر تزامن الزيارة مع إعلان أكثر من 50 دبلوماسياً أمريكياً في بيان ينتقدون فيه سياسة أوباما في سوريا، ويقترحون أن تقوم أمريكا بضرب الأسد والتخلص منه لإنهاء هذه الحرب التي طالت أكثر مما ينبغي. وعلى ما يبدو فإن الإدارة الأمريكية قامت بالسماح لمثل هذا الإعلان كبالون اختبار لتحديد مواقف الأطراف الأخرى المهتمة بالقضية السورية، أو لمغازلة موقف السعودية من هذه القضية، إلا أنَّ الرد الروسي لم ينتظر طويلاً، فجاء منتقداً بشدة للبيان، ومحذراً من تداعيات العمل بتوصياته.

أما ما يخص الشأن اليمني فإن السعودية جادة في الوصول إلى حل ينهي الحرب المستمرة لأكثر من عام، وقد سبق لمنظمة الأمم المتحدة أن أدرجت قوات التحالف لدعم الشرعية بالقائمة السوداء، والتي سرعان ما أزالتها، علماً أن الأمم المتحدة لم تتخذ مثل هذه الخطوة ضد القوات الروسية، وهي تهدم مدن سوريا على رؤوس ساكنيها، ولا على المليشيات الإيرانية وهي تعيث فساداً في سوريا والعراق، أو على قوات النظام السوري الذي يلقي براميله المتفجرة يومياً على شعبه.

أما في الشأن العراقي فلا أعتقد أن الوفد السعودي سوف يخرج من الأمريكيين بمواقف قوية تساند العراقيين السنة، وما يلاقونه من ويلات بسبب تنظيم داعش الإرهابي، والحكومة العراقية ومليشياتها الطائفية، ذلك لأن التنسيق الإيراني الأمريكي في العراق في أعلى مستوياته، يترجم ذلك تصريحات السفير الأمريكي في العراق وقوله بأنه لا توجد انتهاكات تُرتكب في الفلوجة، بالرغم من أنَّ تلك الانتهاكات اعترفت بها حتى الحكومة العراقية.

الشأن الداخلي السعودي

هذه الزيارة التي يقوم بها محمد بن سلمان، رفعت من رصيده السياسي داخل وخارج المملكة، وتسجل له عدة نقاط على حساب الشخصيات الأخرى المنافسة له، والمفضلة غربياً حتى لوقت قريب، الكاريزمية التي ظهر بها الأمير محمد بن سلمان تجعله رقماً سياسياً صعباً، وإذا ما أضفنا إليه الفريق الذي معه بالوفد، لوجدنا أن الأمير محمد قد حصن نفسه دبلوماسياً بشكل جيد، وعرض نفسه أمام الأمريكيين بأفضل عرض، فالصورة الرتيبة التي كنا نشاهدها لزيارات المسؤولين السعوديين لعواصم الغرب قد تغيرت إلى غير رجعة، فالأمير السعودي الثلاثيني العمر، هو الأكثر تعليماً، والأوسم شكلاً، والأكثر طولاً، والأفضل تحدثاً للصحافة، مما يجعله أكثر مقبولية لدوائر صنع القرار في تلك العواصم، هذا ما قاله أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي في وقت سابق، بضرورة إعطاء فرصة لمحمد بن سلمان للتعرف عليه من كثب.

ما يجب على الأمير فعله

لضمان التنسيق الأمريكي السعودي مستقبلاً، يتحتم على الأمير التواصل مع مرشحي الرئاسة الأمريكية، كلنتون وترامب، والتباحث معهما حول مستقبل العلاقة الأمريكية السعودية، إن الرؤية الاستراتيجية للمملكة السعودية لا بد لها أخذ مستقبل واتجاهات سياسة الإدارة الأمريكية القادمة، ومن الحكمة ألا تضع السعودية بيضها كلهُ في سلّة الأمريكيين، كما كانت تفعل سابقاً، فيكفيها التجربة المريرة التي عاشتها المملكة مع الولايات المتحدة وهي تدير ظهرها للمملكة باتجاه حليفها الجديد إيران.

الأمر الآخر، سياسة الضغط التي اتبعتها المملكة تجاه الولايات المتحدة قد آتت أُكلها، في موضوع محاولة توريط السعودية في أحداث برجي التجارة العالميين، ففي الوقت الذي وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على إعطاء الحق لأهالي ضحايا حادثة هجمات سبتمبر، بمقاضاة السعوديين، جاء الضغط السعودي لدرجة أن أعلنت وكالة الاستخبارات الأمريكية عن نيتها الكشف عن تقرير من 25 ورقة يثبت عدم تورط المملكة في تلك الأحداث، وهذا يعني الضغط من الممكن أن يأتي بنتائج إيجابية في السياسة الدولية، وهي سياسة جديدة تتبعها السعودية لفرض وجهة نظرها، والتعامل مع باقي دول العالم كدولة كبيرة ومؤثرة في المنطقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة