"سخافة" الأخبار

في عزّ الحرب العالمية لم يبلغ عدد المشردين الفرنسيين كما في الوقت الحالي ولا بلغت نسبة الخراب نسبة الدمار بحلب.

الأربعاء، 22-04-2015 الساعة 08:18


في كتابها "العنف" تقول حنة ارندت أن اسوأ ما يحدث هو "تسخيف الشر"، أو على ما قال الشاعر "قتل امرىء في غابة جريمة لا تغتفر/ وقتل شعب آمن جريمة فيها نظر". كيف ستقرأ عن أسر مناضل فلسطيني في الصفحة التي تقرأ فيها عن نزوح مائة ألف عراقي من الأنبار إلى أبواب بغداد، حيث لا مأوى لهم ولا أي مَعلم من معالم الحياة البشرية؟ كيف ستقرأ عن غرق 700 مهاجر أفريقي خارج السواحل الليبية، وقد قرأت عن مقتل 5 آلاف سوري في شهر واحد؟ كيف ستقرأ عن تفجير أمام مقر "الاونروا" في غزة، وقد سمعت قبل ساعة أن عدد القتلى في سوريا زاد عن ربع مليون إنسان بينهم 16 ألف طفل؟ أي نبأ سوف يهز مشاعرك بعدما بلَّغوك، يوماً بعد يوم، أن عدد المشردين داخل سوريا أصبح 12 مليوناً، فما هو في المقابل رقم مائة ألف عند أبواب بغداد؟

في عزّ الحرب العالمية، لم يبلغ عدد المشرين الفرنسيين في الداخل ربع هذا العدد. ولا بلغت نسبة الخراب في حرب عالمية نسبة الدمار في حلب. ولا بيعت النسوة والسبايا. تبدو بعض المدن مجرد "فوتو شوب" من برلين في أيامها الأخيرة. شيء شبيه بالأفلام التي نراها عن يوم القيامة. ما من فيلم من أفلام الرعب بلغ ما نراه كل يوم على نشرات الأخبار. ما من خريطة في العالم تشبه هذه الخريطة من التفجّر والبؤس والدمار والمجاعات وتفاقم الجرائم العامة.

هذه مأساة "تسخيف الشر". أو جعله تفصيلاً عادياً وامراً رتيباً ومتوقعاً. لكن العنف الذي تحدثت عنه الفيلسوفة الألمانية كان عنف الأعداء وموجات الحروب الكبرى، وليس عنف الجيران والأهل والأقارب. ما نراه في كل مكان بدأ في حلبجة. عندما ران صمت القبول العربي على مقتل 20 ألف عراقي بالغاز الحكومي، أصبح من الممكن أن يزحف مائة ألف جندي عراقي على الكويت، فيما العرب منقسمون يتساءلون بكل براءة: يجوز أم لا يجوز؟ كان كاتب فلسطيني من سكان الكويت يروي أنه عندما مر بمنزله جنود عراقيون وطلبوا خبزاً، قال لأولاده: "هل يُعقل أن يكون جنود الشيخ سعد (العبد الله) جائعين؟".

كيف يمكن أن يخطر له أن الجنود الذين في السالمية عراقيون؟ لقد بدأ الأمر في حلبجة، أو في السالمية، أو في جبال أربيل، أو في حماه، أو في حرب لبنان. بدأ في استباحات الداخل وتعميم قتل الأهالي المعروفين عربياً بلقب "الشعب"، وشرحة المجموعات التي تُساق إلى السجون والحروب والموت والعراء والخيام والدزينتاريا وعودة الأوبئة التي انقرضت في أفريقيا، كالجدري.

يسخَّف الشر بتمجيد العنف، فردياً وجماعياً، وقوننة القتل والجريمة على أنواعها، وفلسفة ثقافة الموت والعدم، والهزء من الجد والنجاح والفرح والكفاية والإنتاج والتقدم والعلم. ويقدم الشر على أنه شرعة الإنسان وواجب الإنسانية، ويتحول الموت والقتل إلى تجارة لها اسماء كثيرة.

(الشرق الأوسط)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة