ســــوق بيـــع الضمائـــــر..!!

نعود إلى الحراك الانتخابي، نعود إليه مرة ومرات، ففيه ما يغري بالعودة إليه مراراً وتكراراً.

الثلاثاء، 04-11-2014 الساعة 12:19


نعود إلى الحراك الانتخابي، نعود إليه مرة ومرات، ففيه ما يغري بالعودة إليه مراراً وتكراراً، هذه المرة، نعود إليه من زاوية الناخب .. علينا في هذا الشأن أن نلاحظ بأن هناك من يريد لهذا الناخب أن يكون كائناً يدلَّس عليه..وأن يكون مفتاح عقله في تغييب عقله..!! وكل ما عليه أن ينتخب ما يوحى إليه..!!

واضح أن هذا ما يراد للناخب، هذا الناخب المطلوب منه أن يشارك في القرار السياسي عبر تقديم دعمه للاستحقاق الانتخابي المقبل، وهو أيضاً الذي تنظم له الفعاليات التوعوية التي تتطرق إلى حق المشاركة، ودور الناخب في العملية الانتخابية، وصوت الناخب أمانة، والسلوكيات الإيجابية للناخب .. وإقناعه بأهمية حسن الاختيار.. وتبيان أركان جريمة الرشوة الانتخابية، المادية والمعنوية، والقانونية.

هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن الناخب، ولكن المقام لا يسمح بذلك، غير أن أهم ما يعنينا هذه التأويلات التي تتكاثر لناحية هذا الكلام الذي يدور حول كون الناخب لقمة سائغة لهذه الجمعية أو تلك، أو هذا التيار السياسي أو ذاك، أو لتجييش طائفي أو مذهبي، أو خاضعاً لاستقطابات بعينها من جانب من يتبعون مبدأ "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، أو من جانب من يرتفع عندهم الورع هذه الأيام بتقديمهم الصدقات والتبرعات والمعونات وطرود الدعم للمحتاجين، وكل ما يُعد رشى انتخابية، وما صار يعرف بالمال السياسي وكلاهما رمزان أساسيان للفساد!!

كل ذلك يراد منه التأثير على إرادة الناخبين، وهذا في حكم القانون جريمة "لما فيها من إخلال بمبدأ حرية التصويت"، ويذهب معهد التنمية السياسية في أحد إصداراته في الثقافة السياسية إلى "أن جريمة الرشوة الانتخابية تتجاوز إرادة الناخبين إلى تمزيق نسيج المجتمع الأخلاقي وقيمه، فمن يبع صوته ويرضَ بمقايضة ذمته هو عملياً يبيع وطنه"..!!.

لا أظن بأننا في حاجة على الصعيد الديني إلى التذكير بكل ما يثبت بأن الرشوة حرام، لا تختلف عن بقية المحرمات، أو بقول الرسول الكريم "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش"، كما لا نرى ثمة حاجة للتعريف المفصل لمفهوم الرشوة الانتخابية، يكفى أن نعلم أن هذه الرشوة تعني تقديم المترشح أو غيره من المندوبين أو الوسطاء لعطيةٍ أو وعدٍ، ذلك بالنسبة للراشي، أما المرتشي فهو الذي أخذ أو طلب أو قبل الفائدة أو الهدية أو العطية أو الوعد بوظيفة أو ترقية أو مصلحة ما..!!

لعل السؤال المريب، ليس عن سبب الحديث عن جريمة الرشوة الانتخابية، ولا عن ما يوحي إليه هذا الموسم، فهو "موسم استرزاق" لكثر من "الأشاوس" ممن ينطبق عليهم حديث الرسول الكريم، ولا عن المدى الذي يمكن أن تلعبه هذه الرشوة والمال السياسي في سوق انتخابي مثقوب بأوسع وأكبر مما نتصور، ولا عن القصور في فهم بعض الناخبين للرشوة حين يعتبرونها من قبيل المساعدة والمعونة، ولا في إصرار آخرين على عدم التصويت إلا لمن يدفع لهم، ولا عن هذا الخلل في ثقافة وسلوك الناخب، ولا عن سبب القصور في عدم تسجيل أي حادثة رشوة، والسؤال المريب ليس عن سطوة المال السياسي واستغلال الدين أو النفوذ في مسار العملية الانتخابية وانعدام فرص التنافس وتكافئها، ووصول مرشحين إلى مقاعد البرلمان ليمثلوا شعب البحرين بفضل شراء الذمم، وليس بما تنطوي عليه عقولهم من أفكار وحس وطني، ومشاعر وطنية، هذه المشاعر التي بات البعض يستثمرها إلى أبعد الحدود .. كرسوا جهودهم للحيلولة دون ظهورها، ووجدناهم يفعلون أو يقدمون تحت ستارها ما يدخل الضمير غرفة الإنعاش، أو غرفة العناية القصوى، أليس تقديم كل أنواع الرشاوي الانتخابية، طالما أننا في موسم انتخابي، كافياً كدليل..؟!

لسنا في حاجة أدلة، فذلك أمر يعرفه الصغير والكبير، في الانتخابات الماضية وجدنا الرشى الانتخابية كيف أطلت برأسها عبر أكثر من شكل ووجه، وفي الانتخابات المقبلة وجدنا من استعد لها مبكراً، ربما كانت البداية في شهر رمضان، شهر الفضيلة، فقد وجدنا كيف ارتفع منسوب الورع عند بعضهم ممن لم يسمع بهم من قبل أو يعرف عنهم بأنهم في قوائم المتصدقين، وهم يمارسون الرشوة بكل أسمائها الحسنى، واسطة، إعانة، معونة، مساعدة، صدقة، زكاة، إكرامية، هدايا عينية ثلاجات، غسالات، ومعها في بعض الحالات "ماجلة البيت"، يفعلون ذلك وهم يتشدقون بشعارات تنبئنا بأنهم سيتحملون المسؤولية من أجل البحرين، وبأقوال وتصريحات فارغة من المعاني والأفعال..!!

هل من يرصد، ويتابع، ويوثق مع العد التنازلي للانتخابات، كل عروض شراء الذمم المتوقعة، وتلك التي بدأ الناس يتحدثون عنها في السوق الانتخابي الراهن، وكيف يمتهن مترشحون أو مندوبون عنهم ممارسة الرشى الانتخابية، والوقوف على ما إذا يمكن أن يكون للرشى الانتخابية بطولة مطلقة في المشهد الانتخابي في ظل هذه المنافسة غير المسبوقة، مع نوعية من المترشحين أقل ما يمكن أن يقال عن حضور الكثير منهم في المشهد بأنه مثير للضجر وباعث على التسطيح، ومشهد انتخابي زاخر بالخربطات والشربكات الحاصلة في هذا السوق، وضحالة لمعظم المترشحين في الصفة والعلم والقدرات والمؤهلات والكفاءات والخبرات، وهذا وحده كافٍ لأن يوحي بصحة ما يردده كثير من الناس في هذا البلد، بأننا أمام انتخابات ستجعلنا أمام مفاجآت ومفاجعات وخيبات غير عابرة، وتوقعات لن يكون من السهل على المرء أن يستسلم لها، خاصة بوجود نوعية من المترشحين لا يرفعون من الروح المعنوية لكثير من الناخبين، ولا تشجعهم للاندفاع بحماس وبكامل قواهم العقلية إلى صناديق الاقتراع..!!

نعود إلى السؤال المريب الذي نترك إجابته لكم، هل يمكن أن يكون الناخب البحريني سلعة موسمية في سوق بيع الضمائر..؟!! السؤال بعبارة أخرى، هل يمكن أن يكون للانتخاب معنى إذا لم تكن حرية الناخب منطلقة من ضميره ..لأنه حين لا يوجد الضمير بسائر معاني الكلمة، يتحول الناخب إلى تابع، ولا يبقى غير فعل المرتزق، أو فعل الأحمق..؟!!

الأيام البحرينية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة