سقوط "حزب الله" من برجه الوهمي!

الثورة السورية كانت فاضحة بامتياز، حيث فضحت الكثير من الليبراليين العرب الذي كانوا يتغنّون بحق الشعوب في الديمقراطية.

الاثنين، 18-08-2014 الساعة 07:59


بلا شك أن "حزب الله" وزعيمه حسن نصر الله نجح لحدّ بعيد في مخادعة العوام من العرب والمسلمين خصوصاً مع هزيمة حرب تموز 2006 التي حوّلها إلى نصر. حيث وعبر وسائل إعلام ثقيلة بينها الخليجية للأسف، تمكّن من التسويق لنفسه على أنه زعيم استثنائي يتحدّى الصهاينة ويدكّ قلاعهم، وبات اسم حسن نصر الله يطلق على المواليد الجدد في العالم العربي والإسلامي. بل يوجد من أهل السنّة بلغت بهم الخدعة لدرجة أن صاروا يترقبون خبر ظهور الشيعي حسن نصر الله وهو يصلي في محراب بيت المقدس!

كنت في 2006 من بين المثقفين والأكاديميين الذين ساندوا لبنان ضد العدوان الصهيوني، وفي الوقت نفسه رفضت رفضاً قاطعاً تقليد نصر الله أي زعامة بل حذّرت من خطورة مشروعه الصفوي الذي هو الوجه الثاني للعنة معادية وجهها الأول الصهيونية، فقد كانت حرب تموز وبالاً على لبنان والمنطقة وهي أكبر خدمة قدمها "حزب الله" للصهاينة الذين يتفنّنون كثيراً في تصفية الأبطال الحقيقيين وصناعة البطولات المزيفة والأبطال الكرتونيين لدى خصومهم، لتخديرهم وجرّهم بكل سهولة نحو حتفهم.

لقد كانت الحدود بين "إسرائيل" ولبنان مصدر إزعاج كبير، حيث منها يتسلّل المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون من غير الطائفة الشيعية ويهرّبون الأسلحة وكل ما تحتاجه المقاومة، وحراسة الحدود معقّدة وتكلّف الخزينة العامة الصهيونية ملايين الدولارات سنوياً. بحرب تموز نجحت "إسرائيل" في إعطاء مهام أخرى لقوات حفظ السلام "اليونيفيل" الدولية عبر القرار الأممي رقم 1701، وصنعت لها منطقة عازلة منزوعة السلاح بين لبنان والكيان العبري تمتد من الخط الأزرق إلى نهر الليطاني، وصارت هذه القوات الدولية تسهر على أمن الصهاينة وعلى حساب الأمم المتحدة من خلال مراقبة ما تسميها "الأعمال العدائية". وهذا تطور كبير لم تخسر فيه إسرائيل سوى بعض الدبابات وبعض الجنود وبعض الذخيرة مقابل آلاف الضحايا وتدمير البنى التحتية اللبنانية، وكسبت أمنها لسنوات طويلة من دون أن تدفع شيكل واحد.

لم يقتصر الأمر على قوات اليونيفيل، بل إن "حزب الله" بدوره يسهر على أمن هذه القوات الدولية حيث يمنع تسلل أي مقاوم ويتصدى لتهريب أي قطعة سلاح، ومن يلقى عليه القبض سيتهم بالجوسسة أو الخيانة ويجري إعدامه ثم تقام له جنازة رسمية كشهيد من شهداء المقاومة، وهذا ديدن "حزب الله" مع كل من يخالف توجهات الأمين العام حسن نصر الله، أو يتحرك خارج أطر هذا الحزب الإيراني في لبنان.

"حزب الله" تمكّن أثناء حرب تموز 2006 من كسب جماهيرية عريضة في الشارع العربي الذي تسيطر على مخياله قضية فلسطين، على غرار ما حققه الخميني لما نجحت ثورته ضد الشاه عام 1979، حتى صار هذا الخميني أبرز رمز إسلامي لدى العوام وانخدع به عدد لا يستهان به من المثقفين وبعض الحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين التي وصل الأمر ببعضهم إلى جعل الجعفرية خامس مذاهب الإسلام.

الخميني سمّى ثورته بـ "الإسلامية" وحول إيران لجمهورية أطلق عليها "إسلامية" أيضاً، وهذا الذي رآه الناس وخدعهم بظاهرها، وقد عرف المد الشيعي في ذلك الوقت مرحلته الذهبية حيث تشيّع الكثيرون في الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول العالم. لكن مع مرور الوقت ونشوب الحرب العراقية الإيرانية بدأت أسهم الخميني تتراجع وتتهاوى، ونجح حينها صدام حسين بتعطيل مؤقت لمشروع الخميني القاضي بتصدير الثورة وتحقيق حلمها في رفع الراية الصفوية في أبرز عواصم الدول العربية كالرياض والجزائر والكويت وعمان وحتى دول إسلامية مثل تركيا وغيرها.

"حزب الله" هو حزب إيران بلا منازع في لبنان وذراعها العسكري المتخفي تحت قناع المقاومة في منطقة الشرق الأوسط، والذي يخدم هلالها الشيعي الممتد من طهران ثم بغداد مروراً بدمشق ووصولاً إلى الضاحية الجنوبية، وعينه أن يكتمل ويصير قمراً لما يشمل وهران الجزائرية ومناطق أخرى. حدث للحزب ما جرى للخميني بداية من حربه مع العراق، حيث إنه بمجرد ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد الذي هو مجرد حاكم بالوكالة نيابة عن مرشد الثورة الخمينية في طهران، رغم تكفير الشيعة الإمامية للنصيرية والتي تراجعت عنها لأسباب استراتيجية، حتى اصطف الحزب بكل طائفية ضد الشعب السوري، وتحوّل الثوار الذين كانوا من كل أطياف الشعب إلى مجرد تكفيريين وإرهابيين ونواصب يريدون تفجير ما تسمّيه إيران المراقد المقدسة ويتآمرون لصالح العدو!

لم يطل كثيراً وهم البطولة التي تقلدها حسن نصر الله، حتى أظهر مدى طائفيته المقززة، حيث راح يذبح أطفال سوريا ويتلذذ بدمائهم إلى منتهى الحقد الصفوي، الذي لم يكن غريباً عنه ولكن للأسف انطلى ذلك على الكثير من العرب عموماً والسوريين خصوصاً، ولم يستفيقوا إلا ومليشيات "حزب الله" تبيد القرى وتقترف ما لا يمكن تصوره من الجرائم في حق الإنسان والإنسانية.

بلا أدنى شك أن تدخل "حزب الله" في سوريا جاء بأمر من علي خامنئي بصفته الولي الفقيه الذي تخضع له كل مؤسسات الحزب، وبدوره مرشد ثورة إيران لو لم يتلق الضوء الأخضر من أمريكا ما تجرأ على اتخاذ قرار التدخل العسكري في سوريا، وواشنطن بدورها لو لم يسمح لها من تل أبيب واللوبي اليهودي في أمريكا ما أوعزت لخامنئي أن يرسل مليشياته من لبنان والعراق وطهران واليمن وحتى أفغانستان كي تدافع عن نظام بشار الأسد، الذي كان يتهاوى بسرعة عجيبة أثناء تمدّد الثورة في المدن السورية.

الثورة السورية كانت فاضحة بامتياز، حيث فضحت الكثير من الليبراليين العرب الذي كانوا يتغنّون بحق الشعوب في الديمقراطية وتقرير المصير، وبمجرد أن ثار السوريون حتى اصطفوا ضده مع نظام مستبد يبيد الحرث والنسل. كما عرّت أيضاً الكثير من العلمانيين العرب أو "العلمانجيين" كما يسمّيهم فيصل القاسم، والذين كانوا ينادون بالدولة المدنية لا الدينية ولا العسكرية، ولكن بمجرد أن ثار السوريون سلمياً حتى صاروا يطبّلون لنظام الملالي العسكري في سوريا والذي يتحكّم فيه رجال الدين الشيعي، بل إن بعض العلمانيين صاروا أكثر طائفية من أصحاب العمائم السوداء في حوزات قم والنجف والضاحية الجنوبية.

طبعاً في إطار مسلسل الفضائح فإن أكبر ما قدمته ثورة سوريا للشعوب العربية والإسلامية أنها أسقطت كل أقنعة محور "المقاومة والممانعة" الذي ظهر مجرد محور "مقاولة ومماتعة" مع الصهاينة. حيث إنه لو كان نظام الأسد يمثل جبهة الصمود والتصدي كما يزعمون ما سمح له بامتلاك أسلحة كيماوية، التي لم تستعمل إلا لإبادة أطفال سوريا في الغوطة وغيرها. وأيضاً لو كان مقاوماً ويريد محو "إسرائيل" من الوجود لاستغل اللوبي الصهيوني النافذ في دول الغرب هذه الثورة عليه، وأسقطوه في ظرف قياسي كما فعلوا مع نظام الديكتاتور معمر القذافي. بل لأخرجته أمريكا من دمشق كما فعلت من قبل بجيشه في لبنان لما غادره منكسراً، بل لفعلت معه مثلما فعلت مع نوري المالكي الذي أسقطته من الحكومة بأمر لا يقبل النقاش وظهرت عنترياته السابقة مجرد زوبعة في فنجان فقط.

ثورة سوريا نجحت بامتياز في كشف عورات "حزب الله" وزعيمه الطائفي حسن نصر الله، الذي ضرب عرض الحائط كل شعاراته عن نبذ الطائفية ومقاومة الصهاينة، وراح يقترف ما يندى له الجبين بحق السوريين الذين سبق واستقبلوا اللاجئين اللبنانيين إبان حرب تموز 2006، وفتحوا لهم بيوتهم ولم يسكنوهم حتى في مخيمات. في حين لما ثار الشعب السوري ولجأ إلى لبنان وجد الشوارع ومخيمات العار في انتظاره. بل إنه من بين اللاجئين اللبنانيين من صاروا شبّيحة وذبحوا العوائل التي آوتهم في بيوتها. هكذا كافأ حسن نصر الله الشعب السوري، وهكذا رد الجميل لهم حيث وصل حالهم لدرجة توزيع الحلويات في الضاحية الجنوبية لما بلغهم خبر سقوط القصير وسيطرة قوات "حزب الله" عليها بعد مجازر بشعة في حق المواطنين العزّل.

لقد أثبتت وثائق مسرّبة من دهاليز المخابرات السورية أنه توجد ملفات سوداء لدى هذا الجهاز ضد "حزب الله" وزعيمه حسن نصر الله، منها ما يتعلق بتصفية القياديين المناوئين لتوجهات أمينه العام، وأخرى فيها خفايا مقتل هادي نجل حسن نصر الله في ملهى ليلي ببيروت وتم تحويله لـ "شهيد" عبر سيناريو تجهل تفاصيله لحد الآن، وأشياء أخرى كثيرة وما خفي أعظم بلا أدنى شك. وهذا كله يزيد في تعرية "حزب الله" أمام الرأي العام وخصوصاً أولئك الذين خدعهم بشعاراته الزائفة.

لقد سقط "حزب الله" وزعيمه حسن نصر الله من برج وهمي كان يراه عاجياً، حتى خيّل لمريديه أنه صار أكبر من كل العالم الإسلامي، بل من الإسلام نفسه، ولكن مع ثورة سوريا صار لا يساوي حفاظة أطفال قتلوا في القصير والحولة والغوطة أكرمكم الله.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة