سلعة الإرهاب العابرة للجيوب!

وجدت جهات دولية مصلحة في وجود الإرهاب وتمدده، فهي لا تخسر شيئاً في إشعاله، ولكنها تقبض الكثير من الثروات.

الاثنين، 18-04-2016 الساعة 09:22


يعتبر الإرهاب من أخطر التحديات التي تواجه العالم حالياً، وهذا ليس بسبب قوته العابرة للحدود والقارات، ولا أنه لا يمكن القضاء عليه، في ظل عالم يتسابق نحو التسلح بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بل لسبب واحد؛ هو أن هذا الإرهاب صار تجارة مربحة لأطراف كثيرة، وخاسرة لأخرى.

كيف يمكن أن يكون الإرهاب تجارة رابحة لدى البعض؟

هذا بلا أدنى شك أول سؤال قد يطرحه القارئ الكريم، فلا يمكن أن تتحول ظاهرة خبيثة تهدد الأمن العالمي إلى تجارة مربحة لدول في هذا العالم.

يجب أن نفهم شيئاً مهماً للغاية، وهو أن أمريكا التي أعلنت الحرب على الإرهاب منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 لم تقض عليه، بل نراه في الواقع يزداد ويتطوّر، حيث إن تنظيم "القاعدة"، الذي كان عبارة عن مجموعات هاربة في أفغانستان تؤويها طالبان، تحولت إلى بعبع دولي، وصار لها أجنحة في عدة دول، من جزيرة العرب، إلى بلاد المغرب، ثم اليمن، وغيرها.

الأكثر من كل ذلك أنه خرج من رحم القاعدة ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، المعروف اختصاراً بـ "داعش"، يسيطر على جغرافيا تمتد من الموصل العراقية إلى الرقة السورية، ومساحتها تعادل مساحة بريطانيا العظمى، بل إن تنظيم "داعش" صار يمتلك قوة عسكرية هائلة، وأموالاً بالمليارات، واقتصاده مستقل تماماً، بل هو الاقتصاد الوحيد في العالم الذي لا يرتبط بالاقتصاد الدولي أصلاً.

بغض النظر عن الأسباب التي ساهمت في صناعة تنظيم الدولة، وتجاوزاً للجهات التي وجدت مصلحتها في صناعة بعبع إرهابي من الطراز العالي يهدد أمن العالم برمته، ولكن الذي يهمّ أولاً، وقبل كل شيء، أنه لم تنته القاعدة التي ادعت أمريكا أنها جففت منابعها، وأوهنت أجنحتها، بل وصل الحال في بعض الأحيان، خاصة بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن، إلى الادعاء بأن القاعدة مجرد فلول الإرهاب فقط، ولم تعد لها قوة تهدد الولايات المتحدة ولا دول المنطقة أصلاً.

ترى هل فشلت أمريكا في حربها على الإرهاب؟

هل كذبت أمريكا في ادعاءاتها بالقضاء على الإرهاب؟

هل أمريكا تصنع الإرهاب وتدعي محاربته؟

ثلاثة أسئلة هي ما يمكن طرحه في سياق الحديث عن تصاعد الإرهاب في العالم، خصوصاً منذ هجمات منهاتن في نيويورك عام 2001، فإن كانت أمريكا فشلت؛ فهذا يعني أنه توجد أسباب كثيرة أدت إلى هذا الفشل، ويمكن اختزالها في الاحتمالات التالية:

1 – الإرهاب كان أقوى من الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الذي جعله يتقوى أكثر مع حروبها عليه.

2 – يوجد عمل على إفشال أمريكا في حربها على الإرهاب، سواء من دول منافسة لتسلطها على العالم، أو من جهات تستفيد من وجود الإرهاب.

3- أمريكا هي التي تعمدت إفشال حربها لأسباب إستراتيجية.

4- أمريكا لا تحارب الإرهاب كما تدّعي، بل تقوم بصناعته عبر أجهزتها الاستخباراتية، أو من خلال دعمها لأنظمة مستبدة، أو حتى بإرهاب مارسته واشنطن في العراق وأفغانستان وغيرهما.

الملاحظ أن كل الاحتمالات واردة، وقد تكون مجتمعة، وأنه توجد مصلحة متخفية هي التي تقف خلف تصاعد الإرهاب في العالم، وصار يهدد أمن البشرية برمتها.

ترى ما هي المصلحة، في خضم هذا الصراع الدولي القائم، التي تدفع دولاً ترفع شعارات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والسلم العالمي؛ إلى تفضيل خيار تصاعد الإرهاب؟

ليست مصلحة واحدة، بل توجد مصالح عديدة من وراء "الحرب على الإرهاب"، فأمريكا التي أعلنت هذه الحرب مارست الإرهاب نفسه، فهي غزت العراق؛ بزعم تحريره من الديكتاتورية، وضرب مواقع الإرهاب، إلا أنها قتلت العراقيين بالفوسفور الأبيض، ومارست التعذيب في السجون، وحولت العراق من دولة مستقرة إلى مصدر للإرهاب العابر للحدود، وحتى القارات، بل سلمت بغداد لعاصمة الإرهاب الدولي طهران.

إن كانت أمريكا قد غزت العراق بسبب أسلحته الكيماوية المزعومة، فلماذا لم تفعل ذلك مع سورية؟ ونظامها اقترف عدة مجازر بالسلاح الكيماوي، وتجاوز خطوط أوباما الحمراء التي وضعها لبشار الأسد، لكنه لم يلتزم بها، ورفسها بحوافره أمام العالم برمته، وبشكل أساء إلى هيبة الولايات المتحدة.

إن كانت أمريكا قد غزت العراق بسبب الاستبداد كما تدعي، فهل يوجد استبداد أكبر من نظام الأسد الذي قتل أكثر من نصف مليون مواطن سوري، وهجّر وعذّب وأخفى ونفى وطارد أكثر من 12 مليون نسمة؟

إن كانت أمريكا قد غزت العراق بسبب علاقة مفترضة بين القاعدة ونظام صدام حسين، فقد كانت إيران في ذلك الوقت بالضبط تؤوي قادة التنظيم في بلادها، وتقدم لهم الدعم اللوجستي، بل إن حادثة 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي غيرت مسار التاريخ، بدأت تنكشف خيوط الجريمة المنظمة فيها، واتهمت محكمة أمريكية طهران بالتورط في الحادثة، فلماذا لم تتخذ أمريكا أي إجراء ضد ملالي إيران الذين يصنعون الإرهاب ويمارسونه على مرأى من العالم؟

هل يعقل أن أمريكا التي غزت العراق للحرب على الإرهاب تسلم بغداد إلى إيران التي تصنع الإرهاب العالمي، وبما لا يختلف فيه اثنان؟

أمريكا هي التي أوصلت عملاء طهران إلى سدة حكم العراق، نذكر أن نوري المالكي اتهم رسمياً نظام بشار الأسد بدعم القاعدة، بل إن سورية ملاذ آمن للقاعدة، حيث تجري اجتماعات ولقاءات على ترابها، وتحت رعاية مخابراتها تنسق العمليات التفجيرية، وذلك على خلفية تفجيرات 2009/8/19، التي أدت إلى مقتل أكثر من 96 شخصاً، وجرح ما تجاوز 565 مواطناً مدنياً، وأدت اتهامات المالكي إلى سحب سفير العراق من دمشق، وردت حكومة الأسد حينها بالمثل.

ترى لماذا لم تتخذ أمريكا إجراءات ضد بشار الذي كان يقوّض أمن ما سمته "العراق الجديد" بأعمال إرهابية عبر تنظيم القاعدة؟

أمريكا دعمت حكام إيران، حيث سلمت لهم العراق على طبق من ذهب، ورفض أوباما أكثر من 50 مرة خططاً لإسقاط نظام بشار الأسد، وعمل البيت الأبيض على إجهاض كل المشاريع المعارضة للنظام السوري، رغم أنه يمارس الإرهاب، ويصنعه، ويسوقه للعالم، وحتى التفجيرات التي طالت عدة دول أوروبية تحوم الشكوك كثيراً حول مخابرات الأسد، فالمفتي أحمد حسون صرّح من قبل أنه يوجد من سماهم "استشهاديين" في أوروبا ينتظرون الأوامر لتنفيذ عمليات إرهابية؛ في حال تم استهداف نظام الأسد.

بلا أدنى شك أن أمريكا لو كانت جادة في حربها على الإرهاب لما مارسته هي بنفسها، ولما دعمت أنظمة مستبدة، وعلى رأسها نظام بشار الأسد، ولما وقفت مع ملالي إيران الذين يصنعون الإرهاب، ويصدرونه إلى دول المنطقة تحت مسميات مختلفة.

لقد وجدت جهات دولية مصلحة في وجود الإرهاب وتمدده، فهي لا تخسر شيئاً في إشعاله، ولكنها تقبض الكثير من الثروات، وتكبّد دول المنطقة مليارات من الدولارات للحرب عليه، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا ببيع أسلحة، وتشغيل مرتزقة، وتحريك أمريكا وحلفائها لجيوشهم؛ حتى تكون قريبة من منابع النفط.

لقد ثبت من خلال وثائق مسرّبة أن تنظيم "داعش"، الذي يعتبر أكبر التحديات التي تواجه المنطقة في هذه المرحلة الصعبة، قد ساهمت في صناعة قوته كل من إيران وحكومتها في العراق، وحزبها في لبنان، ونظامها في سورية؛ لأن وجود هذا البعبع سيحقق أهدافاً كثيرة، تكون أولاً في صالح نظام الأسد، الذي سيحول ما يجري في سورية من ثورة شعبية إلى حرب على الإرهاب.

كما أن "داعش" ستنجح في ضرب خصوم إيران، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، سواء باستهداف مصالحها الخارجية؛ من خلال محاولة تصويرها على أنها مصدر للإرهاب الدولي، أو ضرب أمنها الداخلي بعمليات إرهابية، أو إجبارها على دخول حرب أخرى تستنزف ثرواتها وقدراتها، وتشغلها عن أهداف إستراتيجية سنوات طويلة.

السعودية بلا أدنى شك فطنت إلى هذه المخططات الإيرانية الخبيثة، ولذلك تحركت لصناعة تحالفات إقليمية ودولية، وأيضاً العمل على إدراج مليشيات إيران في قوائم الإرهاب الدولي، وبذلك أعطت مفهوماً عميقاً للإرهاب الذي سيجرّ إيران حتماً إلى ساحة المعركة، سواء ضد السلم العالمي، وهذا ستكون تداعياته خطيرة عليها، أو كطرف محارب للإرهاب، وهذا أيضاً يقوّض مصالحها التي تحققها عبر مليشيات إرهابية موالية لها، سواء كانت منظمة "حزب الله"، أو "أنصار الله"، أو تنظيمات أخرى محسوبة على السنّة، ولكنها مخترقة، وتعمل لصالح طهران؛ عبر توجيه داخلي، وتحكم عن بعد.

ما تقوم به السعودية من حيث التعبئة العربية والإسلامية ضد الإرهاب سيجعل إيران بين خيارين:

- تدخل الحرب على الإرهاب وتواجه بنفسها مليشياتها، وهذا سيخلق حرباً داخلية بينها وبين إرهابيين صنعتهم.

- تتخندق رسمياً مع الإرهاب، وهذا بحد ذاته سيجعلها في مواجهة العالم، وخاصة شعوبه التي صارت تكتوي من عمليات تستهدف أمن الأوطان.

طبعاً في الحالتين نجد أن المملكة العربية السعودية تعاملت بذكاء إستراتيجي كبير في مواجهة المشروع الإيراني الهدام، وستقطف ثمار هذه الإستراتيجية الفعالة مستقبلاً، التي أرعبت طهران، ودفعتها للسباق مع الزمن؛ من أجل تفادي الضربة القاضية لمشروعها، والتي صارت شبه مؤكدة.

الإرهاب صار مجرد سلعة رائجة، فإيران التي تريد أن تحافظ على نفوذها تستعمل المليشيات والتنظيمات الإرهابية، وقوى عظمى تريد أن تنعش أسواق السلاح، وترفع من أسهمها الاقتصادية، وتحافظ على مصالحها النفطية، هي بدورها تستعمل فزاعة الإرهاب، والأنظمة العربية الفاسدة التي تريد أن تبقى في السلطة بدورها تصنع بمخابراتها جماعات إرهابية؛ حتى يصطف العالم معها، ويبرّر لها جرائمها بحق شعوبها.

لا يمكن أن ينتهي الإرهاب، بل سيتصاعد، وسيأتي يوم تظهر فيه وحشية "داعش" أرحم بكثير من تنظيمات أخرى ستأتي لاحقاً، فقد أنست الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر وحشية الجماعة الإسلامية في مصر، ثم جاءت القاعدة، وصارت الجماعة الجزائرية لا تعني شيئاً، ولما ظهرت "داعش" صار الناس يضربون الأمثال باعتدال القاعدة وإنسانيتها، رغم كل جرائمها، والأمر نفسه إن تواصلت عمليات التجارة بالإرهاب على المستوى الدولي، وبالطريقة التي نراها الآن.

حتى نختصر الطريق على العالم، إن كان جاداً في حربه على الإرهاب، نقول له: بأن البشرية ستبقى مهددة في أمنها واستقرارها، إن بقيت القوى الكبرى تنظر إلى نظام إيران على أنه حليف إستراتيجي، فلا توجد عملية إرهابية تقع على كوكب الأرض إلا وبصمات المخابرات الإيرانية موجودة فيها بطرق مختلفة.

الملالي الذين يرضعون الإرهاب من صدور الحوزات لا يمكن أن يصنعوا السلام العالمي ما دامت عندهم دولة تتمتع بعضوية في الأمم المتحدة، ولها جيشها وميليشياتها المنتشرة هنا وهناك، يتحكم فيهم "الولي الفقيه" تحت مسميات دينية متطرفة لأبعد الحدود، وليس لها علاقة بالإسلام، بل مجرد كهنوت للكراهية ضد الآخرين فقط.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة