سنوات الإنقاذ الأولى.. أسرار ما وراء الجدار

الدفع السياسي والمعنوي الذي حصلت عليه التيارات الإسلامية شجعها على القتال في سبيل الوصول للسلطة.

الاثنين، 01-12-2014 الساعة 18:20


خارج السرب

-المؤتمر الشعبي الإسلامي وضع الحصان أمام عربة التيارات الإسلامية.

-في تونس والجزائر ومصر وفلسطين شجعها على الوصول إلى السلطة.

-توحيد الفصائل الإسلامية وتهيئتها للحكم هو المقصود بدعم الإرهاب.

-أسامة بن لادن هرب من السودان و"نفد" بجلده بعد حادثة الخليفي.

-زعيم القاعدة كان يخشى المتطرفين أكثر من أعداء الإسلام المعروفين.

في ليلة من ليالي الخرطوم الهادئة، وعلى شاطئ النيل الأزرق الجميل كما يقول المؤرخ التراثي السر قدور، كانت العاصمة السودانية على موعد مع قادة التيارات الإسلامية الراديكالية المشاركين في المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، والذي تحول في عامه الثاني إلى المؤتمر الشعبي الإسلامي، في إشارة لا تخطئها عين اللبيب لحجم طموحات القادة في توسيع مواعين النفوذ الديني والسياسي.

في تلك الأمسية، وعقب جلسات المؤتمر، كان المارة والسيارات على شاطئ النيل تمر على مجموعة من القيادات الإسلامية البارزة؛ في مقدمتهم التونسي راشد الغنوشي، والجزائري علي بلحاج وعباسي مدني، والأفغان برهان الدين رباني وأحمد سياف، وغاب عن الركب القائد الطاجيكي المغدور وأسد بانشير أحمد شاه مسعود، زميلي المصور الصحفي قالها بخبث إعلامي: لو تصيدت أمريكا أو إسرائيل هذه المجموعة لتسيدت الساحة العربية والإسلامية لثلاثة عقود مقبلة.

تهمة دعم السودان للإرهاب بدأت في ذلك اليوم، والإرهاب في اصطلاحه السياسي يعني وصول الإسلاميين إلى الحكم، خاصة إذا كان هذا الوصول عبر صناديق الاقتراع؛ لأن ذلك يفيد بتغلغل التيارات الإسلامية على الصعيد الشعبي، مما يشكل خطراً داهماً وفقاً لمنظور المراقبين السياسيين والإعلاميين في الغرب وفي كثير من المنظمات الدولية.

كان جهاز الدولة بكامله بعيداً عن ما يدور في أروقة المؤتمر، وحظي القادة الإسلاميون المطاردون في بلدهم باستقبال رسمي وشعبي لا نظير له، وبسطت لهم البسط الحمراء باعتبارهم قادة حقيقيين لشعوبهم عند وصولهم إلى مطار الخرطوم، وخلال دورتين فقط للمؤتمر الشعبي الإسلامي أصبحت التيارات الإسلامية في العالم العربي تتمتع بمنبر سياسي قوي، وسلطات دبلوماسية حيوية، وقنوات للتمويل والحركة والتخطيط ووضع الرؤى المستقبلية للخارطة السياسية للمنطقة. ومن داخل أروقة المؤتمر ولجانه انطلقت لجان المصالحة بين الفرقاء الإسلاميين في أفغانستان، وكانت الحرب قد اشتدت رحاها بين فصيل الطاجيك بقيادة أحمد شاه مسعود وفصائل البشتون برئاسة الملا عمر وهم الذين حكموا أفغانستان قبيل الغزو الأمريكي لذلك البلد الغني بالمقاتلين والأشهر في تجارة السلاح والمخدرات.

الدفع السياسي والمعنوي الذي حصلت عليه التيارات الإسلامية في ذلك المؤتمر شجعها على المزيد من القتال في سبيل الوصول إلى السلطة، فزاد نفوذ الإسلام السياسي في مصر وتونس والجزائر واليمن وأفغانستان والصومال، وساهمت تلك اللقاءات في التقريب بين القوى الإسلامية المتناحرة، مما مكنها من التفرغ لمواجهة أعدائها التقليديين من العلمانيين والليبراليين وفصائل اليسار.

وليس من باب المبالغة القول إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قد وجدت التشجيع من دهاقنة الإسلاميين للإعداد والانقضاض على السلطة الفلسطينية في غزة، وكان من المؤمل أن تستولي على رام الله أيضاً خلال سنوات قليلة، لولا الأحلاف السياسية التي قادتها إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية والفصائل الإسلامية المساندة لها.

وكان الدكتور حسن الترابي قد مهد الطريق لمثل هذا الانقلاب عندما قال، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثاني للإسلاميين في الخرطوم، معقباً على غياب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكان غيابه بسبب توقيعه على اتفاق أوسلو الشهير، وحينها قال الترابي لقد غاب عرفات عن المؤتمر، أردنا له أن يصبح رئيس دولة مكتملة السيادة، فرضي أن يكون رئيس بلدية وهذا اختياره، لكن المجاهدين لن يقبلوا بغير الدولة الفلسطينية الكاملة.

تعاقد الإسلاميون على تطوير علاقاتهم مع السودان، وهذا ما شجع قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لنقل مقار تنظيمه الدولي إلى الخرطوم، الذي كان في طور في التأسيس ولم يعلن عن نفسه بعد، لكن العاصمة السودانية التي كانت كريمة في احتضان القيادات الإسلامية كانت لينة الجانب مع أعدائهم أيضاً، حيث كان الإرهابي الدولي كارلوس يقضي الليالي الملاح في خصر العاصمة، بل وصل الأمر بأن أصدقاء مصر، مكنوا المخابرات المصرية، المدعومة بعناصر دولية، من استئجار المنزل المقابل لمقر قائد تنظيم القاعدة وأركان حربه بمن فيهم الدكتور أيمن الظواهري، وكان ذلك الجوار مسرحاً لأكبر حرب استخباراتية بين الطرفين، انتهت تلك الحرب مع عوامل أخرى عديدة بخروج أسامة بن لادن من الخرطوم إلى أفغانستان، ومنها إلى باكستان وتلك قصة أخرى، ربما نعرض لها في غير هذا المقال والمقام.

الصحفي المصري محمد مجاهد الزيات التابع لجهاز الأمن والمخابرات المصري، أورد حلقات من خفايا المواجهة بين القاعدة والمخابرات المصرية في أرض النيلين، والأسباب التي دفعت بقائد تنظيم القاعدة للهرب من السودان عندما أدرك أن نهايته باتت محتومة في ظل التغيرات المستمرة في الأوضاع السياسية في السودان والمنطقة. يضاف إلى ذلك الامتعاض الذي أبدته الحكومة السودانية من وجود بن لادن في الخرطوم، والتضييق الذي تعرض له السودان سياسياً واقتصادياً بسبب تلك الاستضافة. وكانت حادثة الهجوم الذي شنه المتطرف الجهادي محمد عبد الله الخليفي، على مسجد أنصار السنة، وما أعقبه من هجوم شنه الخليفي وعصبته على منزل قائد تنظيم القاعدة، كان لهذه الحادثة أبلغ الأثر في رحيل بن لادن من الخرطوم. وكان الرجل قد شكا في ذلك الحوار النادر الذي أجراه الزميلان النور أحمد النور وعلي عبد الكريم، شكا بوضوح من معاناته من التيارات الإسلامية المتطرفة التي تطلب منه التمويل بالمال وتهدده بالقتل إن لم يفعل، ولم تنشر تلك المخاوف ضمن الحوار الذي نشر في ذلك الوقت، وأحدث دوياً هائلاً، مثله مثل كل ما يتعلق بالرجل المثير للجدل أسامة بن لادن.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة