سنوات النذور للثور

كم من قبيلة ومدينة ودولة لم تجد من يصارعها على مرقدها لتكتشف ما موجود تحته؟ ولنا في الثور ورأس الحمار عبرة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LmY79A
الأحد، 30-09-2018 الساعة 09:46

أربعون مترا في عمق التل المقدس وُجد الثور جاثما على ركبتيه بعد أن حمّله القوم أكثر من طاقته.

منذ مئات السنين والناس يتوافدون من أقصى بقاع الأرض للصلاة في محرابه وطلب ما لا يستطيع تنفيذه لهم، كيف لثور بجناحين من طين ورأس حجري يشبه إلى حد ما الرأس البشري تحقيق أحلام الطامحين إلى العلا والصحة المستدامة والرزق الوفير.

نسخة مخفية أو مدفونة بتراكمات الماضي وتضاريسه لثور أثري وضعت مراقد ومزارات وقبور تعود لحقب مختلفة من الزمن على المحك، إذ صعق المولعون بأسطورة المرقد الديني الأثري الراقد في أعلى التل، بنبأ تنقيب مختصين بعلم الآثار في مدينة الموصل وعثورهم على حارس من حراس أبواب أسوار مدينة سنحاريب بن سرجون الثاني الملك الآشوري في نينوى أو ما يعرف وفق الأسطورة التاريخية بطاردي الشر، وهؤلاء كانوا موجودين في عهد الدولة الآشورية شمال العراق، حيث يوضع عند كل باب من أبواب مدنهم المسيجة بسور صخري مرتفع ثوران مجنحان لحراسة البوابة، وهناك انطباع سائد وقناعة آنذاك، بشأن خرافة حماية الثور المجنح للسكان الآشوريين من غزوات الأعداء والمخاطر الأخرى المتعلقة بالآلهة وفق الأسطورة
 
على ضفتي نهر دجلة في الشمال العراقي مدينة تدعى الموصل، يوجد فيها أربعة مراقد دينية تعود وبحسب المتعارف عليه لأربعة أنبياء وهم؛ يونس وشيت وجرجيس ودانيال عليهم السلام، وتمثل هذه المراقد مزارات دينية يصلي فيها الناس الوافدون إليها من كل مكان ويقدمون إليها النذور، وبعد سيطرة تنظيم الدولة على المدينة عام 2014 وبداعي حكم تحريم بناء المساجد على القبور قام بهدمها بعد أن حشد السكان لمشاهدة أعمال الهدم، ومن المتوقع إعادة بناء هذه المزارات في المستقبل القريب لما تمثله هي ومزارات ومراقد دينية أخرى موزعة على عدد من المدن العراقية من أهمية لدى الحكومات المتعاقبة، لا سيما في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إذ استخدمت لإشغال الشعب عن واقعه المرير.
يقول المؤرخ إبراهيم فاضل الناصري عندما سألته عن التل الذي شيد عليه المرقد ووجد في عمقه تمثال لثور مجنح : "إن التل كان يعرف بتل التوبة ووقف عليه النبي يونس عليه السلام وقومه ودعا ودعَوا حتى كشف الله عنهم العذاب، ثم ما هي إلا دورات لدولاب الأزمنة حتى، شيد الآشوريون وتحديدا في عهد الملك أسرحدون على هذا التل أحد أهم  قصورهم، وبعد سقوط نينوى سنة 612 قبل الميلاد، دمر هذا القصر مع ما دمر من القصور والمعابد،  ولكن بعض أهل نينوى وجدوا أن في موقعه الفريد ما يمكن أن يكون مركزاً لاستيطان جديد، فكان أن عمروا لهم مساكن ومعابد فوق هذا التل، وأحاطوه بسور، فصار يعرف هذا الموقع أو التل بالحصن الشرقي".
ويذكر المؤرخون أنه كان في السفح الغربي من هذا التل معبد للأصنام، وبعد انتشار المسيحية في هذه البلاد، أنشأ المسيحيون ديرًا على الموقع نفسه سمي بدير النبي يونان ، وهو المعروف عند المسلمين بـ "النبي يونس بن متى"، ويعرف أيضاً بذي النون، والنون هو الحوت، إشارة إلى قصة يونس والحوت المذكورة في القرآن الكريم، وعندما فتح المسلمون الموصل كان هذا الموضع يعرف بالحصن الشرقي ، فكان أول عمل قاموا به في المكان هو أنهم أنشؤوا لهم مسجداً جامعاً على جزء من التل أي إلى جوار دير يونان الذي يقوم فوق جزء منه، وقد تحول هذا المسجد ليكون مجمعاً للزهاد والصالحين، وعرف بمسجد التوبة، وصار المسلمون يقصدونه للصلاة فيه، وسمي في ما بعد بمسجد يونس، وقد عمرته، أو جددته، السيدة جميلة ابنة ناصر الدولة الحمداني، وأوقفت عليه أوقافاً كثيرة، للإنفاق عليه، وصار فيه محل مقدس وهو المحل الذي وقف فيه النبي يونس في سابق أوانه. وقد أنشأ فيه أمير الموصل، مودود بن طغتكين مشهداً في أوائل القرن السادس للهجرة.
ويؤكد مؤرخنا الناصري أنه ومن خلال استعراض التاريخ المتتالي للموقع عبر العصور فإنه "لا تعارض بين ما تم العثور عليه وبين ما كان أو يكون،  إذ إن لتداخل الحضارات والأدوار فعل أو وقع يحتم وجود أكثر من أثر لأكثر من هوية وعنوان في مكان واحد، بمعنى أن ماعثر عليه في الموقع إن هي إلا آثار لمرحلة من مراحل هذا الموقع ولا يشكل وجودها تقاطعا أو تنافرا مع ما صار يمثله من مَعلم مقدس في زمن آخر".
لكن لا يوجد أي دليل يؤكد أن النبي يونس دفن بهذا التل، كما أنه لا دليل على وجود جسد لنبي او اي رجل صالح في جميع المراقد الدينية الموجودة في العراق لا سيما وأن البلاد تعرضت لاحتلالات واجتياحات عدة غيرت من ملامحها وطمرت كثير من معالمها، فلمن تنذر النذور وتخطو الأقدام إذا كان الحجر يقف على أرض لم يدفن فيها البشر المقصود؟ وما الغاية من إيهام العقول بمثل هذه الأماكن التي توفر ريعاً خيالياً للجهات المسيطرة عليها بفضل ما يُتدَاول عنها من قصص يصدقها عامة الناس الذين يأتون إليها محملين بالآمال والأموال والنذور، فتوضع بحضرة المجهول ليتنعم بها صاحب الرأس المفتول بالقماش واللحية الكثيفة، هناك ترى الدموع تذرف خشوعا وإيمانا، والأحلام تروى رويدا رويدا وكل سرّ يُفشى للخلاص من الهم والغم وكل ذلك بحضرة الافتراض
في أحد أرياف مصر تصارعت قبيلتان على رعاية مرقد لرجل صالح لما يحققه من أرباح للجهة التي تشرف على خدمة زواره، وبعد احتدام الخلاف حتى وصل إلى الاقتتال قرر العقلاء حلَّ هذا الإشكال، ونقل المزار إلى أرض محايدة، فما كان من هاتين القبيلتين إلا أن وافقتا على الحل بشرط الإدارة المشتركة، وتقاسم الإيرادات، وجاء قرار الهدم ليتم النقل، وتأتي معه الصدمة الكبرى، إذ تبين أن المرقد الذي يزوره الآلاف لطلب المستحيل هو لرأس "حمار". فكم من قبيلة ومدينة ودولة لم تجد من يصارعها على مرقدها لتكتشف ما موجود تحته؟ ولنا في الثور ورأس الحمار عبرة فمن يتعظ؟.
 

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة