سوريا تعرّي المتصفونين العرب!

وجد الغرب بعد انهيار الشيوعية ضالته في التشيّع لإشعال العالم الإسلامي بصراعات دينية ومذهبية وطائفية عميقة، تسيل بها الدماء كثيراً.

الخميس، 14-08-2014 الساعة 13:25


إن كانت غزة قد فضحت المتصهينين العرب كما تحدثنا في مقالنا السابق، فإن سوريا قد عرّت المتصفونين العرب الذين صاروا بكل حمق استراتيجي أكثر صفوية من الإيرانيين الفرس في مخططاتهم القومية للتوسع في المنطقة العربية والهيمنة على العالم الإسلامي.

تجنيد عملاء لصالح استخبارات أجنبية في الوطن العربي يحتاج إلى أموال طائلة وعمل مخابراتي معقّد جداً، ولكن إيران تفادت كل هذه العقبات وصارت تجنّد العملاء، بل يتهافتون بمحض إرادتهم لخدمتها بمجرد أن يتشيّعوا. فقد صارت طهران عاصمة التشيّع في العالم وهذا ما نجحت في التسويق له عبر وسائل دينية وإعلامية ودبلوماسية واقتصادية ضخمة للغاية.

وجد الغرب بعد انهيار الشيوعية ضالته في التشيّع لإشعال العالم الإسلامي بصراعات دينية ومذهبية وطائفية وقبلية وعرقية عميقة تسيل فيها الدماء كثيراً، وهذه الحروب بلا شك تخدم الاقتصاد الغربي والأمن الإسرائيلي على مستويات كثيرة سنتحدث عنها في مقالات قادمة.

كان المتشيعون العرب دينياً يمارسون التقية لتفادي الملاحقات الأمنية في بعض الدول، وأيضاً لممارسة تدينهم الذي يوجب عليهم أن "التقية دين من لا إيمان له". أما المتشيعون سياسياً فقد كان يعلو شأنهم في أزمات ومنعطفات سياسية بارزة يعرفها العالم الإسلامي والمنطقة العربية، فقد ظهروا علانية في بعض الدول لما انتصر الخميني في ثورته، وتصاعد أمرهم أيضاً في حرب تموز 2006 في لبنان.

غير أن ظهورهم في هذه المحطات لم يكن يتناقض مع الرأي العام في الشارع العربي، فقد نالت ثورة الخميني مباركة شعبية عربية واسعة بلا شك، لما حملته من شعارات خادعة وصفت بالإسلامية، وأيضاً أنها كانت تناهض الإمبريالية الأمريكية حينها على مستوى الخطاب على الأقل، مما أثر في المخيال الشعبي العربي، الغاضب على الخنوع الرسمي، والناقم من الهزائم المتتالية. إلا أن ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد فتحت جبهة أخرى لدى ما يمكن تسميتهم بالمتصفونين العرب، الذين كانوا لا يتصادمون مع عموم شارع عربي لم يهتم كثيراً بشأن المد الشيعي، بقدر انشغاله بقضايا قومية مثل تحرير فلسطين ومواجهة الصهاينة.

بمجرد أن تحرك الشعب السوري ضد نظام الأسد الذي يعتبر العمود الفقري لهلال شيعي يجسّد المشروع الصفوي الإيراني في المنطقة، تحرك أيضاً المتصفونون تحت شعارات مختلفة، ففي الدول التي تعرف هيمنة إيرانية مثل لبنان، والعراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وحتى بعض المناطق في اليمن أو البحرين، كان لهؤلاء رؤيتهم الدينية الواضحة في دعم نظام الأسد. إلا أنه في الدول التي لا تعرف الوجود الشيعي الإيراني ظل هؤلاء يبررون دعمهم للأسد بسبب ما سميت المؤامرة على نظام يوصف –زوراً- بالمقاوم والممانع. وهذا يظهر كثيراً على المستوى الرسمي، سواء في إيران أو مع "حزب الله" اللبناني، من خلال خطابات خامنئي وحسن نصر الله في إطار سياسة المخادعة التي آتت أُكلها في مراحل سابقة.

المتصفونون العرب يتجاهلون أن إيران أحكمت قبضتها على سوريا عبر نظام الأسد من حافظ إلى بشار، ولما شعرت أنه يتهاوى حرّكت بكل طائفية مليشيات تكفيرية وإرهابية مثل "حزب الله" و"أبو الفضل العباس" و"الحرس الثوري" و"عصائب الحق" وغيرهم، وبررت تدخلها في المناطق الشيعية بحماية ما تسميه المراقد المقدسة، وهذا لدغدغة مشاعر المتدينين الشيعة. أما في دول عربية أخرى فبررت ذلك بالمقاومة والتصدي للمؤامرة، وهكذا حسب طبيعة المكان تبرر تحركها العسكري ضد الشعب السوري، ولكنها في الأصل تريد الحفاظ على نظام بشار الأسد الذي يعني سقوطه انكسار الهلال الإيراني من وسطه، ونهاية حلم الخميني بأن يرفرف علم إيران في عمان والرياض ودمشق والقاهرة والجزائر وغيرها.

للأسف نجحت إيران ذات التوجهات القومية الفارسية البحتة المغلفة بالتشيع المزعوم، أن تجعل العرب الشيعة يقتلون العرب السنّة، ويدمرون أوطانهم في سوريا والعراق ولبنان واليمن وحتى البحرين، وحلمها أن يصل ذلك إلى السعودية والجزائر والكويت ومصر والأردن وغيرها. كما نجحت أن تصنع تيارات من المتصفونين العرب الذين لا يتكونون من المتشيعين فقط، بل أيضاً من القوميين العرب الذي يدعمون إيران عبر وقوفهم مع نظام بشار الأسد وهو يقود مذبحة ضد الشعب السوري، ويبررون مواقفهم بشعارات المقاومة والممانعة التي نجحت إيران في احتكارها بين عوام المسلمين بسبب الفراغ السني الواضح الناتج عن الغياب العربي والإسلامي خصوصاً على المستوى الرسمي. حتى الليبراليون والعلمانيون العرب انحازوا للنظام السوري الذي يوصف بأنه آخر قلاع العلمانية في العالم العربي، وهو ما ورد على لسان بشار الأسد في حواره مع تلفزيون روسيا اليوم في أغسطس/آب 2013، على الرغم من الشعارات الدينية والطائفية التي يرفعها الشبيحة والمعممون في الدفاع عنه.

بخطاب الممانعة والمقاومة الذي تتبناه إيران في سوريا، نجحت في تخدير المتصفونين العرب لحد بعيد، مع أن نظام بشار صار تحت الحماية الروسية التي هي قلعة صهيونية بامتياز، وتفادي المجتمع الدولي إسقاطه كان بدعم اللوبي الصهيوني في أمريكا وأوروبا، وهذا ما يفضح زيف ممانعته، بل إن امتلاكه لسلاح كيمياوي ثم تسليمه ورضوخه التام للغرب من أجل البقاء في الحكم، كل ذلك يثبت أن المقاومة مزيفة، وإيران هي حليف استراتيجي للصهاينة لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر.

إيران تبيد الأطفال في سوريا، وتغتصب النساء وتقتل المواطنين عبر مليشيات "حزب الله" وغيره، إلا أن المتصفونين العرب لا يزالون يدعمون هذا النظام تحت مزاعم مختلفة ثبت زيفها كما تقدم ذكره.

لقد عرّت سوريا هؤلاء المتصفونين الذين لم تكن المقاومة عندهم سوى مجرد شعارات طنانة ورنانة لا تقدم ولا تؤخر شيئاً، بل الحقيقة أن الصفويين يخدمون المشروع الصهيوني بكل تفان وإخلاص. إذ إن إيران تقوم بتدمير الدول العربية في المنطقة لتهيئة المجال للدولة الإسرائيلية الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل.

خدعت إيران المتدينين العرب بالتشيّع لآل البيت رضي الله عنهم، وخدعت القوميين بشعارات المقاومة والممانعة وقلعة الصمود والتحدي، وللأسف قليل منهم انتبه إلى أن المشروع الإيراني قومي فارسي بحت، يريد القضاء على القومية العربية التي يزعمون الدفاع عنها. وخدعت العلمانيين والليبراليين بشعاراتها عن نبذ الطائفية وعلمانية النظام السوري، مع أن إيران التي تدافع عنه دولة دينية يتحكم فيها رجال الدين المعممون فقط.

لقد نجحت الثورة السورية في فضح محور المقاومة المزعومة، وظهرت أنها مجرد كيان يخدم الدولة العبرية، ونجحت بأن كشفت عورات "حزب الله" وزعيمه حسن نصر الله، الذي كان يتغنى بمقاومة "إسرائيل"، وبمجرد أن ثار السوريون تحرك نحوهم بطائفية مطلقة ومقيتة، وراح يقترف المجازر القذرة، بل حتى مقاومته المزعومة انتهت منذ يوليو/تموز 2006 ولم يعد له مجال لمواجهة "إسرائيل" بعدما صارت الأمم المتحدة تحمي شمالها بقوات "اليونيفيل" وعلى حساب المجتمع الدولي، وهذه أكبر خدمة قدمها نصر الله للصهاينة بخدعة المعركة مع العدو وتحرير لبنان. وهي الخدمة نفسها التي قدمها حكم عائلة الأسد منذ سنوات على جبهة الجولان التي توجد بها قوات حفظ السلام الأممية. وهي الخدمة التي سيقدمها السيسي مستقبلاً في صحراء سيناء حين تحط فيها القبعات الزرق، ولم تبق إلا جهة الأردن، وبذلك تكون "إسرائيل" تحمي حدودها على حساب المجتمع الدولي وليس على حساب اقتصادها.

لقد ظهر الصفويون على حقيقتهم، وبان خطر المتصفونين العرب مع ثورة سوريا، وتوجد بعض الدول التي استيقظت لخطر المد الإيراني تحت غطاء التشيع، وتوجد دول أخرى لم تهتم أصلاً بذلك، ولا تزال تغرق حتى أذنيها في مخططات إيران ولن تستيقظ إلا بعد فوات الأوان، وحينها تكون الضريبة أكبر بكثير مما دفعته سوريا في معركة التحرر من الهيمنة الإيرانية، التي بدأت مع وصول حافظ الأسد للحكم ولا تزال مستمرة بدعم دولي منقطع النظير... وللحديث بقية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة