سوريا وسلطة الشعب الأمريكي

تمردت كذلك وزارة الأمن الداخلي الأمريكي على ترامب وأصدرت أوامرها لعناصر مراقبة الحدود الأمريكية.

الأربعاء، 08-02-2017 الساعة 14:22


قال دونالد ترامب خلال خطابه الأول كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية: "إن الأمر الهام الآن، هو أن الشعب الأمريكي أصبح هو من يحكم أو الشعب أصبح الآن هو الرئيس" يبدو أن هذه الكلمات كانت هي الأكثر صحة وواقعية ضمن الألف وأربعمئة كلمة التي كونت الخطاب كله.

ولم يتوقع ترامب أن واقعية هذه الكلمات ستكون ضده، وأن الشعب الأمريكي سيطبقها فوراً ضد سياساته، وأن الشعب "الرئيس" سيصادر بسرعة صلاحياتٍ هامةً من صلاحياته وسيجمد قرارات مركزية من قراراته وبوقت قياسي غير مسبوق.

فقد خرج في اليوم التالي لخطاب ترامب أكثر من مليون متظاهر في الولايات المتحدة بأكثر من ثلاثمئة مدينة أمريكية، وكانت حصة واشنطن العاصمة أكثر من خمسمئة ألف متظاهر، وبلغ عدد المظاهرات في الولايات المتحدة وأنحاء العالم كافة أكثر من 600 مظاهرة.

خرجت كل هذه المظاهرات ضد نوايا ترامب التي صرَّح عنها في حملته الانتخابية، وعندما بدأ ترامب بتنفيذ تعهداته الانتخابية بعد أسبوع من توليه وأصدر مرسوماً، يوم الجمعة 27 يناير/كانون الثاني، يتضمن عدة أمور؛ منها تعليق استقبال اللاجئين وتعليق إصدار تأشيرات ومنع دخول مواطني سبع دول إسلامية لمدة 90 يوماً، عاجلته المظاهرات الحاشدة والوقفات الاحتجاجية المتزايدة والانتقادات الصحفية اللاذعة وراحت تتصاعد باستمرار...

وأدت في وقت قياسي إلى سلسلة من الأحكام القضائية التي أصدرها قضاة فيدراليون بتعليق العمل بقرار الرئيس الأمريكي في ولاياتهم. وفي نهاية المطاف، توِّج ذلك بعد أسبوع واحد من مرسوم ترامب بقرار أصدره القاضي الفيدرالي في مدينة سياتل الأمريكية التابعة لولاية واشنطن، "جيمس روبارت"، يقضي بتعليق العمل بمرسوم ترامب الخاص بحظر دخول مواطني سبع دول إسلامية إلى أمريكا في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وليس في ولاية واحدة.

ولم يستطع ترامب إلا وصف القرار بـ"السخيف" وأنه سيتغلب عليه. أما فريق ترامب، فأصدر بياناً صرح فيه شون سبايسر، المتحدث باسم البيت الأبيض، بأن قرار المحكمة الأمريكية الخاص بتعليق العمل بمرسوم ترامب مخزٍ، لكن تم حذف هذه الجملة من نسخة محدّثة من البيان؛ خوفاً من قرار قضائي جزائي بتهمة تحقير المحكمة.

ولم تقدم وزارة العدل استئنافاً لقرار القاضي كما صرح سبايسر؛ بل أصدرت وزيرة العدل بالوكالة، سالي ييتس، مرسوماً تطلب فيه من المدعين العامين عدم تطبيق قرار ترامب المثير للجدل... فأقالها ترامب من منصبها فوراً، وأمر بديلها بتقديم الاستئناف المطلوب، ولكن محكمة الاستئناف الأمريكية في الدائرة التاسعة بمدينة سان فرانسيسكو رفضت دعوى الاستئناف المقدمة من وزارة العدل الأمريكية ضد الحكم الذي أصدره القضاء الفيدرالي.

وتمردت كذلك وزارة الأمن الداخلي الأمريكي على ترامب وأصدرت أوامرها لعناصر مراقبة الحدود الأمريكية بعدم تطبيق القرار التنفيذي الخاص بعدم استقبال اللاجئين ودخول مواطني الدول الإسلامية السبع إلى أمريكا؛ على خلفية تعليق محكمة سياتل لقرار ترامب.

أما الخارجية الأمريكية، فقد اضطرت أيضاً إلى إصدار بيان أعلنت فيه المتحدثة باسم الوزارة تراجع الوزارة عن سحبها المؤقت للتأشيرات استناداً إلى المرسوم الرئاسي، وأنه يمكن لحاملي التأشيرات الصحيحة التي لم يتم إلغاؤها دخول الولايات المتحدة الأمريكية .

وواجهت الخارجية أيضاً توقيع أكثر من ألف دبلوماسي أمريكي على مذكرة اعتراض، تندد بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكان هذا الاعتراض بهذا الحجم غير المسبوق جزءاً من الاعتراض الشعبي العارم، ودلَّ على وجود السلطة الشعبية بقوة داخل السلطات التنفيذية نفسها.

كل ذلك حصل بالضغط الجماهيري الذي هتف فيه ألوف وألوف من المتظاهرين "نحن مع المسلمين"، و"إذا كان هناك ظلم في مكان ما فهذا تهديد لكل مكان"، وترددت هتافات عديدة مناهضة للإسلاموفوبيا، فقد رددت الناشطة غلوريا ستينام: "إذا أراد ترامب تسجيل ومراقبة المسلمين، فسنسجل كلنا أننا مسلمون".

إن ما حصل في أمريكا خلال أسبوعين لهو لافت وفريد وكاشف، لقد كشف سلطة متفوقة للشعب الأمريكي.

لقد تبين جلياً أن الشعب الأمريكي عندما يكتشف أن هناك من يعبث بقيمه ومن يشرخ مبادئه، ويناقض ما وُضع في دستوره ووثيقة استقلاله فإن غالبيته ترفض وتتظاهر وتضغط بشدة لكبح العابث وردعه وإبطال قراراته.

واللافت العجيب، أن كل القرارات التي صدرت من ترامب إلى الآن وانتفض عليها الشعب الأمرسكي لم تمسَّ الأمريكيين أنفسهم وإنما مسَّت اللاجئين والمهاجرين والقادمين من غير الأمريكيين؛ بل ومن غير المسيحيين؛ لأن ترامب أصلاً استثنى في قراراته الأقليات في الدول المشمولة بالمنع.

وعندما تعلم أن ترامب قد حطم رقماً قياسياً جديداً كأسرع رئيس يواجه رفضاً شعبياً بهذا الحجم ولهذه الدرجة، فإنك أمام أمر يستحق البحث والدراسة.

لقد كان من الطبيعي والمألوف في أمريكا ألا تخرج أي تظاهرات من الشعب الأمريكي ضد أي رئيس لمدة تُجاوز السنة؛ ليتسنى للشعب تكوين فكرة سلبية أو إيجابية عن الرئيس الجديد، ولكن دونالد ترامب حقق رقماً قياسياً هائلاً؛ فبعد 10 أيامٍ فقط من توليه مهام منصبه وصلت النسبة المئوية لمعارضيه من الشعب الأمريكي 53%، وهذه النسبة لا تخص مَن انتخب منافسته؛ بل تخص مَن قرر الوقوف ضده، وهو رقم غير مسبوق نسبةً وزماناً.

وعندما تجد استجابةَ وإذعانَ السلطة الرابعة الأمريكية "الميديا الأمريكية" لشعارات ومزاج الشعب الأمريكي، وهي السلطة التي عانت دائماً ثغرات، وأثَّرت فيها ضغوطات وتوجيهات، فإنك لا تستطيع رغم ذلك أن تنكر أن الشعب الأمريكي يسحب السلطة الرابعة وراءه إذا عرف الحقيقة.

وعندما تجد الاستجابة العاجلة من القضاء الأمريكي للضغط الجماهيري، ثم تجد إذعان أهم المؤسسات التنفيذية لما يريده الشعب ويحكم فيه القضاء، فاعلم أنك أمام حقيقة تقول إن سلطة الشعب الأمريكي فوق السلطة التنفيذية، وإن سلطة الشعب إن تحركت فإنها تحرك السلطتين التشريعية والقضائية وتُلزم السلطة الرابعة لتتبعها.

إنها سلطة الشعب الأمريكي... سلطة فوق كل السلطات.

من أجل ذلك، قلنا في القضية السورية لكل المعارضين، في أول مؤتمر عُقد للمعارضة في أنطاليا بتركيا في شهر مايو/أيار 2011: علينا أن نُنشئ تنسيقيات في الخارج... تنسيقيات تعمل في كل مدينة هامة خارج سوريا، وأن نكسب للثورة في البداية أبناء الجاليات السورية الذين يحملون الجنسيات المختلفة ثم نعتمد عليهم لكسب شعوب البلاد التي يعيشون فيها، ولكسب البرلمانيين وأصحاب التأثير على القرار في هذه البلاد؛ ليتشكل رأي عام ضاغط على الإدارات والحكومات في الغرب خاصة وسائر أنحاء العالم عامة.

وفي حين كنا نشرح ذلك كخطة عمل شاملة ونروِّج لها في الإعلام، كان الجميع يتسابق لنيل تذكرة الركوب في الحافلة التي ظنوها متجهة رأساً إلى رأس السلطة في سوريا على طريق معبَّد مفروش بالورود.

وقد وثَّق تلك الخطة الصحفي اللبناني حسن صبرا، الذي حضر المؤتمر ونشر التفاصيل بأسبوعية "الشراع" اللبنانية في أحد أعداد يونيو/حزيران 2011 الذي صدر آنذاك بعد المؤتمر.

كانت الخطة تتحدث عن الإسهام في إسقاط نظام بشار الأسد عبر الوصول إلى الشعوب؛ لتضغط بسلطاتها على إداراتها وممثليها في البرلمانات ولتستخدم حتى محاكمها... وشبهنا الجهود المطلوبة وقتها بالجهود والضغوط الخارجية التي أسهمت في إسقاط نظام جنوب أفريقيا العنصري.

وفي 2012، التقينا بفورد السفير الأمريكي السابق في دمشق وكان ممسكاً بالملف السوري، وكان هناك بين الحاضرين أمريكيون من أصل سوري يقولون إنهم معارضون، وقد طالبناهم أمام فورد بأن يرفعوا دعاوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية ضد إدارة أوباما بتهمة إخفاء المعلومات الخاصة بجرائم آل الأسد عن الشعب الأمريكي والعالم، ومن في الإدارة تصلهم المعلومات ممن يملك أحدث التقنيات في المراقبة والتجسس، وقلنا لفورد: "سنستدعيك شاهداً تحت القسم في هذه الدعاوى...". حينها، لم يتحرك أحد ولم يتجاوب أحد؛ بل اعترض أكثرهم وزمجر، ويبدو أنهم لم يكونوا إلا من اللاهثين اللاحقين بالحافلة الموهومة.

وفي عام 2013 بعد مجزرة الكيماوي، كانت الطرق ممهدة إلى جلسة استماع داخل الكونغرس ولم يتقدم إليها أحد من المعارضين لا من أمريكا ولا من خارجها.

وفي عام 2014، بدأ نظام بشار الأسد وأولياؤه بإقناع الإدارة الأمريكية والكونغرس بأن لا بديل له إلا الإرهاب، ونجحوا بالتدريج، عبر شركات علاقات عامة ووسطاء خبراء، في انتزاع موافقة تامة من إدارة أوباما للإبقاء على بشار الأسد، وتشكَّل في الولايات المتحدة ما يشبه اللوبي الأسدي الذي يشرف عليه بشار الجعفري صاحب الولاء المزدوج لإيران وبشار، وأوصل هذا اللوبي السياسة الأمريكية إلى إعطاء الفرصة كاملة لبشار والمليشيات الإيرانية لارتكاب عدد غير محدود من المجازر وعمليات التهجير الطائفي.

وفي عام 2015 و2016، سمحت إدارة أوباما لروسيا بأن تمارس دور الشرطي القذر وأن تتبع أسلوب سحق المدنيين وقتلهم بأعداد كبيرة كوسيلة عسكرية لإخراج الفصائل المقاتلة وإجبارها على الاستسلام.

كل ذلك وغيره جرى بمعزل عن علم الشعب الأمريكي.

ففي هذين العامين، كان أحد السوريين في أمريكا يُجري كل عدة أشهر استطلاعاً ضمن عينة عشوائية من الأمريكيين من أربع ولايات، تعدادهم مئة في كل مرة، وكان يسألهم: ماذا تعرفون عما يجري في سوريا عدا الحرب على تنظيم الدولة؟ وكانوا كلهم يقولون في كل مرة: لا شيء!

لقد كان الشعب الأمريكي مغيَّباً تماماً ولم يكن يعلم عن حقيقة ما يجري في سورية شيئاً، لا الإدارة الأمريكية التي تعلم كل شيء أبلغت شعبها، ولا الإعلام الأمريكي أوصل الحقيقة إلا في مرة أو مرتين عابرتين، ولا أفراد المعارضة السورية المُجنَّسون أمريكيّاً أو الذين في الشتات اخترقوا الحجب فوصلوا للإعلام والكونغرس ثم إلى الشعب الأمريكي.

ولو وصلوا وأوصلوا نصف الحقيقة المفزعة إلى هذا الشعب، لضغط على كل السلطات لتنتزع قراراً ملزماً باستئصال نظام بشار الأسد كنظام معادٍ للإنسانية.

ويبقى السؤال الذي نكرره منذ فترة: هل ترامب هو الأسوأ فثار الناس ضده بسرعة وشدة؟

ويقفز فوراً الجواب الأكثر إقناعاً لهذا السؤال: إن ترامب ليس الأسوأ؛ بل هو الأقل احترافاً في الإخفاء والمناورة والدهن والتمرير، وأوباما هو المحترف الذي مرر ما يريد وهو بلباس المتواضع المسالم الهادئ المتلوِّي كالحية الملساء من تحت تِبْنٍ.

وباتجاه عنفوان الشعب الأمريكي الذي أظهر في الأسبوعين الأخيرين ربيعاً أمريكياً عاصفاً ذا قيم، ما زالت الفرصة سانحة لأن تصل الثورة السورية وحقائقها إلى هذا الشعب، الذي أثبت أنه صاحب أعلى السلطات في بلاده، وأنه لن يسكت ولن يتفرج على مآسي ومعاناة غيره إن علم حقائق الأمور وعلم الدواهي التي تحت السواهي.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة