سيادة العراق حمراء بوجه تركيا حصراً

تصريحات الجعفري، ومن بعده رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، بشأن سيادة العراق وضرورة احترامها، لم تأتِ من فراغ، فهي كانت موجّهة، أساساً، إلى الجار التركي، والذي يبدو أنه بات قاب قوسين أو أدنى من التدخل.

الأربعاء، 08-10-2014 الساعة 01:04


بينما كانت الطائرات الأمريكية والبريطانية تجوب سماء العراق، لضرب مقرات "الدولة الإسلامية" (داعش)، وفي وقت كانت إيران تعترف، بين وقت وآخر، بمشاركة قواتها البرية في التصدي لداعش، جاء تصريح وزير الخارجية العراقي، إبراهيم الجعفري، عن أن سيادة العراق خط أحمر، ليكون بمثابة النكتة الباهتة التي أُلقيت في مجلس عزاء.

الجعفري، الذي كان يوماً رئيساً للوزراء في العراق مدة ناهزت العام، وفي فترته، شهد العراق أسوأ مرحلة انحدار باتجاه الحرب الأهلية، بعدما فجّر مجهولون مرقد الإمام علي الهادي، في سامراء، لا يبدو أنه يرى ويسمع كل هذه السيطرة، وليس الخرق للسيادة العراقية، ولا يبدو أنه كان على علم أو دراية بأن طهران قالت، قبل أيام، إنه لولا قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، لسقطت بغداد بيد داعش. كما أن الجعفري لا يبدو أنه سمع بأن طائرات أمريكية قصفت، بالخطأ، قوات عراقية ترافقها مليشيات ما يُعرف بالحشد الشعبي في تكريت، وقتلت منهم نحو 30 عنصراً، ناهيك عن الجرحى.

الأكيد أن الجعفري، وخلفه حكومة بغداد، سمع وسمعوا بذلك كلّه، وأكثر بكثير ممّا يخرج إلى الإعلام، ولكن، هذه المرة، للسيادة العراقية لون آخر جديد، أحمر، بلون دماء العراقيين، هذه المرة السيادة العراقية الحمراء يُراد منها تركيا تحديداً.

تصريحات الجعفري، ومن بعده رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، بشأن سيادة العراق وضرورة احترامها، لم تأتِ من فراغ، فهي كانت موجّهة، أساساً، إلى الجار التركي، والذي يبدو أنه بات قاب قوسين أو أدنى من التدخل، سواء في العراق أو سوريا، خصوصاً بعدما حصل رئيس الجمهورية، رجب طيب أردوغان، على تفويض برلماني بذلك.

بغداد لم تنطق من ذاتها، فهي تحدثت بوحيٍ إيراني قَلِقٍ، هو الآخر، من التدخل التركي المرتقب، وبغداد، ومن قبلها إيران، تدرك أن التدخل التركي قد يؤدي، ربما، إلى إسقاط نظام بشار الأسد، حيث ذكرت تقارير عديدة أن أنقرة وضعت شرطاً للدخول بقوة إلى التحالف الدولي، يقتضي أن يكون من بين مهام التحالف الدولي إسقاط بشار الأسد، وليس محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" وضربه فقط. وهذا أمر يعني، من بين ما يعنيه، أن إيران ستتلقّى ضربة قاسية في المنطقة، وهي التي تتحدث، ليل نهار، عن حدودها التي باتت تطل على البحر الأبيض المتوسط، شمالاً، وتقف عند بوابة مضيق باب المندب، جنوباً، بعد سيطرة الحلفاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في اليمن.

إننا اليوم إزاء مشهد مركّب، ومعقّد للغاية، فهناك تدخل دولي جوي، في العراق وسوريا، غير أنه كان مرحّباً به، من بغداد ودمشق، مع تشكيك إيراني بأهداف هذا الحلف، غير أن دخول تركيا على الخط، أثار القلق لدى الحلف الإيراني، فدمشق هاجمت تركيا بعد تفويض البرلمان الجيش بالتدخل، علماً أن دول الحلف المذكور كانت قد انتقدت تركيا، واعتبرتها متعاونة مع داعش، وتسهّل دخول المقاتلين إلى سوريا والعراق.

لا يعدو حديث حكومة بغداد عن سيادتها المزعومة أن يكون "كارتاً" أحمر، ترفعه حكومة العبادي بوجه التدخل التركي الذي يمكن أن يلعب دوراً حاسماً، ليس في توجيه ضربة قاصمة لداعش، على طول الحدود العراقية مع كل من تركيا وسوريا، ولكن، لأن لتركيا مصالح في العراق تتّسع باتّساع مطامع أنقرة، التي لا يبدو أنها تخفيها، حيث سبق لنائبٍ سابق عن حزب العدالة والتنمية التركي أن كشف عن وثيقةٍ تركيةٍ تتحدث عن وضع تركيا اليد على مدينة الموصل العراقية، في حال جرى تقسيم العراق.

اليوم، تعيش المنطقة وضعاً معقداً للغاية، فلا أحد يمكن له أن يتكهّن بأهداف التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد داعش، فليس منطقياً ولا معقولاً أن هذا الحشد الدولي كله جاء من أجل قتال تنظيم تقول الاستخبارات الأمريكية إن عدد مقاتليه لا يتجاوز 30 ألفاً، يقابلهم نحو 40 دولة تشارك في قتالهم بكلفة تقديرية تجاوزت 500 مليار دولار، مع سقف زمني غير محدد.

فقائد قوات التنسيق الدولي، الذي زار بغداد أخيراً، قدّر نحو عام كامل من أجل استعادة الموصل العراقية، فما بالك بالأنبار وصلاح الدين وجزء من ديالى؟ لدى حكومة بغداد حسابات محددة، لعلّ أهمّها حمايتها من تقدم تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهو أمر لا يبدو أن التحالف الدولي قادر عليه، إذ لا بدّ من قوات على الأرض، وهذه القوات ما زالت غير جاهزة.

فالقوات العراقية تتقهقر أمام داعش، على الرغم من الضربات التي يتلقاها تنظيم "الدولة"، أما البديل الآخر، القبائل السنية، فيبدو أنه ما زال بعيد المنال، وسط تجاذبات سياسية بين مؤيّد ومعارض له. عموماً، تبقى تركيا، بتطلعاتها ومطامحها السياسية والاقتصادية، لاعباً بارزاً، وقادراً، في الوقت نفسه، على تحقيق الفرق على الأرض، فهي الوحيدة التي تمتلك قوات مدرّبة وجاهزة للتدخل على الأرض، والوحيدة التي تمتلك حدوداً طويلة مع دولة البغدادي، والوحيدة أيضاً القادرة على أن تكون المُعادِل الموضوعي للتدخل الإيراني.

وهذا، على ما يبدو، ما تبحث عنه واشنطن في المرحلة المقبلة، ومن هنا، كانت السيادة العراقية حمراء بوجه التدخل التركي.

(العربي الجديد)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة