شبح الحرب الإقليمية الطائفية.. هل بات وشيكاً؟

التصعيد الخطابي الإيراني (غير المسبوق) تجاه السعودية، يجعلنا نتوقف عند دلالاته وأثره على العلاقات الإيرانية السعودية والعربية.

الأربعاء، 06-01-2016 الساعة 10:20


بلغ التوتر والتصعيد المتبادل بين إيران والسعودية مستوى قياسياً، عندما أعلنت الأخيرة قطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إيران ردّاً على قيام "محتجين" إيرانيين باقتحام السفارة السعودية في "طهران" وإضرام النار فيها، وإنزال العلم السعودي من فوق مبنى السفارة، وإحراق جزء من مبنى القنصلية السعودية في "مشهد"، على خلفية إعدام المعارض السعودي الشيخ نمر النمر المتهم بالإرهاب وزعزعة الاستقرار في السعودية.

كان لافتاً هنا بالإضافة إلى الاعتداء على السفارة السعودية، مستوى التصعيد الخطابي من الجانب الإيراني على حادثة الإعدام؛ عندما أعلن مرشد الثورة السيد الخامنئي أن "الانتقام الإلهي" سيحلُّ بالساسة السعوديين؛ "لأنهم سكبوا دماء شهيد دون وجه حق"، فضلاً عن التصريحات الأكثر وضوحاً التي وردت على لسان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في تعليقه على إعدام النمر حين هدد بأنّ: "الدماء المسفوكة ستكتب نهاية نظام آل سعود، وملامح هذه النهاية بدأت تلوح في الأفق".

التصعيد الخطابي الإيراني (غير المسبوق) تجاه السعودية، يجعلنا نتوقف عند دلالاته وأثره على العلاقات الإيرانية-السعودية والعربية، وعلى المشهد السياسي "المحتقن" في المنطقة. ويمكن تلخيص تلك الدلالات والآثار في التالي:

أولاً: ورود تلك التصريحات على لسان مرشد الثورة "السيد الخامنئي" ابتداء، وبصفته أعلى مرجعية دينية - سياسية، يعني حسم الموقف الإيراني الرسمي من العلاقة مع الرياض، وإلزام التيار الإصلاحي بقيادة الرئيس روحاني بهذا الموقف. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن هذا الموقف بسقفه العالي (والمتزامن مع إحراق السفارة السعودية) سيَحُد من قدرة الدبلوماسية الإيرانية على التخفيف من اتساع دائرة النقد الدولي لإيران؛ فالاعتداء على السفارة قَلَبَ موجة التصريحات الغربية المنتقدة أو المتحفظة على عقوبة الإعدام في السعودية، والتي كان يمكن لإيران استغلالها لإحراج الرياض..، ولكن المواقف الخطابية والممارسة على الأرض بحق السفارة السعودية، جعل موجة الانتقادات تنقلب على إيران وتتركز على انتهاكها للمواثيق والأعراف الدولية التي تُلزم طهران بحماية البعثات الدبلوماسية الأجنبية. ما نقل إيران إلى موقع الدفاع بدلاً من الهجوم.

ثانياً: إن تلك التصريحات حملت تهديداً وجودياً مباشراً للقيادة السعودية، ما سيمنحها والمنظومة الخليجية كما العديد من الدول العربية، شرعية التشكيك في نوايا إيران لناحية تدخلها في الشؤون العربية الداخلية وسعيها لتغيير أنظمة الحكم فيها بما يخدم مصالحها "الطائفية"، وهذا قد يستدعي المزيد من الإجراءات العربية ضد إيران ومصالحها في المنطقة، بعدما قطعت السعودية علاقاتها الدبلوماسية والتجارية معها..، وتبعها في ذلك البحرين، والإمارات، والكويت، والسودان..

ثالثاً: تركيز تلك التصريحات على إعدام "نمر النمر" دون سواه من المسلمين السنة الذين أعدموا معه، أعطى تلك المواقف بعداً طائفياً، وكأن إيران وكافة المراجع الدينية الأخرى لا تكترث إلا بمقتل الشيعة فقط، ما يعزز اتهام الدور الإيراني في المنطقة بالطائفية، وبأن حديثها عن وحدة المسلمين، والانتصار للمظلومين منهم -بغض النظر عن مذهبهم- لا يعدو كونه خداعاً للرأي العام. وهذا التفسير سينسحب أيضاً على مواقفها في كل من سوريا واليمن والعراق..

السياق الذي جاءت به تلك التصريحات، ألقى بظلال قاتمة على شكل العلاقات المستقبلية بين الدولتين الإسلاميتين: إيران والسعودية، كما أن تلك المواقف ألقت بنار المذهبية، على الصراعات الطائفية التي تتمدد كبقعة الزيت في الشرق الأوسط.

إن حجم الخلافات بين طهران والعالم العربي والإسلامي، بشأن طبيعة الدور الإيراني في دول عربية كسوريا، واليمن، ولبنان، والعراق، والبحرين، والكويت.. يتسع أكثر من أي وقت مضى. كما أن استمرار حالة التصعيد بين إيران والسعودية ببعديه: الطائفي (السُّنّي-الشيعي)، والعرقي (العربي-الفارسي)، قد يُفضي إلى تصعيد إقليمي عسكري طائفي. خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الاصطفافات التي تشكلت مؤخراً من محور تقوده إيران (أطرافه شيعية المذهب)، واتحاد إسلامي تقوده السعودية (أطرافه سُنّية المذهب).

تلك الاصطفافات مرشحة للازدياد كلما اتسعت دائرة الخلافات بين طهران والرياض، ما يضطر العديد من الأطراف (دولاً كانت أم حركات سياسية) إلى أن تصطف مع هذا الطراف أو ذاك بحكم المصالح السياسية، والعلاقات العَقَدِيّة، وحتى البعد القومي والتاريخي المشترك.

مما لا شكّ فيه بأنّه من حقّ أيّ دولة الدفاع عن مصالحها، وأن تملك مشروعاً سياسياً لنهضتها، وإيران ليست استثناءً في ذلك، ولكنّ المشكلة تتولّد وتتعاظم عندما تتعدّى مصالح دولة ما على مصالح دولة أخرى، أو تتعارض مصالح الدول بعضها مع بعض (وبخاصة الكبرى منها)، الأمر الذي يستدعي المراجعة وتصويب البوصلة السياسية قبل فوات الأوان الذي بات وشيكاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة