شهادات وحسب؟

يعود الخريجون بشهاداتهم العليا، تاركين كثيراً من الخبرات والفرص وراءهم.

الثلاثاء، 04-11-2014 الساعة 13:25


عقود انقضت على التوسّع الخليجي في نظم الابتعاث إلى الخارج، لتحصل الأجيال الصاعدة على فرص التعليم العالي من جامعات محترمة حول العالم. ومن يقلِّب النظر في الصفوف الإدارية المتقدمة عبر بلدان الخليج، سيجد وفرة ممّن حصلوا على مؤهلاتهم من جامعات تقع على جانبي الأطلسي.

كانت مهمة الابتعاث واضحة؛ العودة بالشهادة التي تفيد الحصول على خبرة علمية وتأهيلية. بيد أنّ طلبة الدراسات العليا لا يتخرّجون بوثائق مكتوبة وحسب؛ بل يعودون بخبرات جديدة أيضاً استلهموها من بيئات عايشوها سنوات عدّة. وقد أتيح لهم أن يعاينوا تجارب أمم أخرى، وإن كانت محصورة في الغالب ضمن أمريكا وبريطانيا.

هناك ملاحظات عدّة يمكن تسجيلها بخصوص نظم الابتعاث، وكيف أنها ركّزت على دول وبيئات معيّنة وأهملت أخرى، وأولت عناية لتخصّصات على حساب غيرها؛ لكنّ خللاً منهجياً يبدو ماثلاً في الاستفادة من هذه الكفاءات من خلال التعامل معها كالآلات التي يتمّ استيرادها بغرض التشغيل ضمن النظم السائدة.

ينخرط المبتعث غالباً في البيئة الإدارية ذاتها التي كانت من قبله، مع بعض التعديلات الشكلية. وما إن يُدرك فضيلة الصمت والانسياق مع ما كان قائماً من قبله؛ فستجعله وظيفته العمومية غالباً ترساً دوّاراً في آلة. هو قد يكون "موظف دولة" في نهاية المطاف، ينتظر راتبه في نهاية الشهر، ويواصل طقوس الدوام حتى تقاعده في نهاية الوظيفة.

ولأنّ التطوير الجادّ لا يتحقّق دون إرادة تغيير، فإنّ جذوة التطوير المتوقّع من الطوابير الممتدة من الخريجين من أفضل جامعات العالم، ستخبو في عاجل الأمر أو آجله. مِن زملائهم من تخرّجوا من الجامعات نفسها فوجودوا في بيئاتهم الأخرى آليّات أكثر قدرة على استيعاب طموحاتهم الصاعدة، وصولاً إلى آليّات التمثيل والانتخاب والمشاركة في الحياة العامّة. هذا ما يتمّ الإعراض عنه أحياناً بذرائع تقليدية كتلك المسماة "الخصوصية المحلية".

بهذا يعود الخريجيون بشهاداتهم العليا، تاركين كثيراً من الخبرات والفرص وراءهم لأنّ هناك من يتكفل بالنهوض بأمور البلاد والعباد والإدارات والمجتمع. يصبح هؤلاء في الغالب موظفين منضبطين، وسيتقلدون الألقاب والدروع والعلاوات تكريماً لهذا الانضباط الذي يصرفهم عملياً عن الشؤون العامّة.

حسناً؛ إن كان النتاج العلمي والثقافي هو عصارة المجتمعات والأجيال؛ فإنّ عزل المعرفة الإنسانية عن سياقاتها هي عملية محدودة الجدوى. فليست الجامعة مناهج ومقرّرات ومحفوظات، كما أنها ليست مصنع شهادات بالأحرى، ولذا فإنّ المراهنة على إنجاز نهضة مدنية من خلال الاقتصار على خيارات مثل زيادة الرصيد الوطني من حملة الشهادات من الخارج، تبقى وهماً.

ثمّ لا تغيب عن الأنظار تجارب بزغت في الخليج منذ العقد المنصرم، عبر فتح فروع محلية لأعرق الجامعات عالمياً. جميل أن يتنامى الاهتمام بالعلوم والمعارف، لكنّ ذلك يثير تساؤلات مشروعة عن قيمة "السوربون" دون الثورة الفرنسية، أو عن جدوى الجامعات الأمريكية والبريطانية بمعزل عن سياقاتها التاريخية والثقافية وتفاعلاتها المجتمعية. ثمّ إنّ التدقيق في تجارب الاستزراع هذه يكشف عن استثمارات مجزية لا تخطئها العين، تدخل المنطقة بمنطق السوق في الأساس.

قد يتصوّر بعضهم إمكانية النقل الجاهز لثمار النجاحات المدنية برفع لافتات أعرق الأكاديميات في العالم ضمن البيئات المحلية. على هؤلاء أن يراجعوا هذه الفرضية، مع الاستفادة من شكاوى كالتي يفصح عنها فلاّحو العالم الثالث: "نستورد أفضل البذور منهم، لكنّ ثمارها الرائعة عقيمة".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة