شياطين في عاصمة الجن والملائكة (1)

منذ حادثة "شارلي إيبدو" كثر الحديث عن "حرية التعبير" التي سيطرت قداستها فجأة على المخيال العام.

الخميس، 22-01-2015 الساعة 12:52


منذ حادثة "شارلي إيبدو" كثر الحديث عن "حرية التعبير" التي سيطرت قداستها فجأة على المخيال العام وفاقت حتى قداسة الإنسان بحدّ ذاته فضلاً عن باقي المقدسات الأخرى.

لقد وصل الأمر بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وعلى طريقة مسيرات الأنظمة التي توصف بـ"العفوية" في العالم العربي، أن دعا إلى مظاهرة مليونية ضد ما يسمى بـ"الإرهاب" ودفاعاً عن الحرية، شارك فيها أكثر من 40 زعيماً من زعماء العالم، وللأسف كان في صفوفها الأولى من هم أيديهم ملطخة بدماء آلاف الأبرياء في مجازر حديثة لم تجف دموع آهالي الضحايا بعد!

ليست هذه المشكلة في كل ما حدث بباريس، فمن حق فرنسا أن تبكي ضحاياها وتجعل العالم يتباكى معها في الوقت نفسه ووفق الرواية التي تخدم مصالحها، فحكامها ليسوا من طينة الحكام العرب الذين يقتلون شعوبهم ويبيدون نسلهم من أجل البقاء في السلطة وخدمة لمصالح أسيادهم خارج الوطن.

تجاوزاً نتغاضى أيضاً عن قتل فرنسا للمتهمين المفترضين بدل أن تحرص على توقيفهم وهم على قيد الحياة حتى تنظر العدالة في قضيتهم، ويتبيّن الخيط الأبيض من الأسود بهذه الحادثة المثيرة أو ربما تنكشف خيوط حوادث أخرى قادمة، وحسب المعلومات المتوفرة أنها لم تحرص على ذلك كما حدث من قبل مع محمد مراح الذي قتل في شقة صغيرة بتولوز شهر مارس/ آذار 2012 وكان من الممكن جداً تخديره بالغازات أو محاصرته لوقت أطول حتى يتمكن منه الإرهاق ثم القبض عليه حيّاً، للأسف يحدث ذلك مع فرنسا التي تتباهى بعدالتها وقضائها وحقوق الإنسان بديارها، وطالما أطلقت العنان لصحافتها كي تنبش في ملفات أمنية طواها الزمن في العالم العربي والإسلامي.

لكن أصل المشكلة الحقيقة يكمن في النفاق الدولي القائم الذي فاق كل حدود التصوّر وخصوصاً مع قضايا المسلمين، فهذه فرنسا التي أبكت العالم على مقتل مواطنيها بأيادي مواطنيها الذين تخرّجوا من مدارسها العلمانية، مارست ولا تزال تمارس القتل والإرهاب على غير مواطنيها سواء على مدار 132 سنة من احتلال الجزائر، أو غزوها لمالي وليبيا وما تفعله في أفريقيا الوسطى وغيرها.

في لحظة عابرة واستثنائية تحوّلت باريس إلى عاصمة "حرية التعبير" وقبلة "الحرب على الإرهاب"، فترى هل فعلاً أن ذلك هو ما يحدث بالضبط؟

هل ما جرى يتعلق بحرية التعبير أم بأشياء أخرى تدرك حقيقتها أجهزة الاستخبارات؟

هل العلمانية الفرنسية تسمح بالهجوم غير الأخلاقي على مقدّسات الآخرين؟

نستهل كلامنا بذكر أمر هام للغاية يختزل مشهد النفاق الدولي وازدواجية المعايير بطرق غير أخلاقية، حيث إنه في اليوم الذي قتل فيه 12 شخصاً بباريس في عملية الهجوم على مقر "شارلي إيبدو"، نجد أنه قد تمّ قتل 40 مواطناً وجرح أكثر من سبعين أمام كلية الشرطة في العاصمة اليمنية صنعاء. كما أنه في اليوم ذاته صدر تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان يكشف عن حصيلة دامية في سوريا خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول، وقد وصل عدد القتلى إلى 4358 بمعدل 150 شخصا يومياً.

قمنا بجولة في الصحافة الفرنسية والغربية وحتى العربية منها، فوجدنا أن جريمة باريس احتلت واجهة كل العناوين الكبرى من وسائل الإعلام الدولية، في حين جريمة اليمن وسوريا من لم يتجاهلها تماماً كأنها لا حدث، فقد ذكرها باحتشام وفي ذيل النشرات الإخبارية كخبر عابر لا يعني شيئاً.

هل دماء المسلمين والعرب لدى المنظومة الدولية رخيصة لهذه الدرجة غير الإنسانية؟

هل مصالح القوى الكبرى أكبر من حق الإنسان في الحياة والكرامة؟

يجب أن نؤكد على أنه من يتجرأ على رفع شعار "لست شارلي" قد يتعرض إلى العنف من متطرّفين دأبوا على الاصطياد في المياه العكرة، أو ربما يصل به الحال إلى القضاء والعدالة والسجن، فترى هل صارت الصحيفة الصفراء "شارلي إيبدو" أقدس من الكتب المقدسة وأكبر من قيم الدولة الفرنسية التي صدّعت بها العالم؟

"الحرية، الأخوة، العدالة" هو شعار فرنسا الذي يرسي أركان دولتها، فترى هل ستسمح فرنسا لأي كاتب أو صحافي فرنسي أو من جنسية أخرى بانتقاد الصهيونية أو حتى التشكيك في أرقام "الهولوكست" في إطار الحرية المكفولة دستورياً؟

أليس من واجب فرنسا أن تحافظ على الأخوة بين أبناء الوطن الواحد ولا تسمح لصحيفة مغمورة تبحث عن منافع مادية أن تهاجم مقدسات أكثر من 6 مليون مواطن فرنسي يدين بالإسلام؟

ترى لماذا لم تتحرّك فرنسا في إطار العدالة التي هي الركيزة الثالثة من قيم الدولة، للقبض على المتهمين المفترضين وتقديمهم للمحاكمة بدل قتلهم والمتاجرة بجثثهم؟

للأسف، على أرض الواقع نجد عكس ما تحمله شعارات الجمهورية الفرنسية، فاليهود نجحوا في صناعة قانون يعاقب على "معاداة السامية" الذي صار يستعمل في أبسط الأمور وبه يحاصر حتى المنتقدين لجرائم "إسرائيل" في غزة وفلسطين، وبطرق ماكرة للغاية.

من ينكر وقوع "الهولوكست" سيطير وراء الشمس، أما من قد يتجرّأ ويشكك في أرقام الضحايا فسيجد نفسه في رحلة شاقة أيضاً، وهذا ما عانى منه العديد من المثقفين الغربيين، ونذكر على رأسهم المفكر الفرنسي الشهير روجيه جارودي الذي قام بتأليف كتاب أسماه "الأساطير المؤسسة للسياسات الإسرائيلية". وبدل أن يتم قبول تعبيره عن رأيه في إطار حرية التعبير التي تتغنى بها الدولة الفرنسية ومؤسساتها الإعلامية، تعرض لضغوطات كبيرة وأتهم بأنه محرّف وأنه منكر لحقائق التاريخ، وغير ذلك من الأوصاف والنعوت المشينة. بل وصل الأمر حد جره إلى القضاء عام 1998، وحكم عليه بغرامة مالية مجحفة وبالسجن مع وقف التنفيذ، وذلك بتهمة "التشكيك في جرائم ضد الإنسانية".

أمر آخر بخصوص المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي، فقد أصدر بياناً بعد مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان احتل الصفحة 12 من عدد 17 يونيو/ حزيران 1982 من جريدة "لوموند "الفرنسية تحت عنوان "معنى العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان"، وقد وقع البيان مع جارودي كل من الأب ميشيل لولون والقس إيتان ماتيو. وكانت هذه بداية صدام الفيلسوف الفرنسي مع المنظمات الصهيونية التي شنّت حملة ضده في فرنسا والعالم.

ثم بدأ الحصار عليه بمقاطعة وسائل الإعلام الفرنسية بعدما كان ضيفاً دائماً على المحطات الإذاعية والتلفزيونية وأعمدة كبريات الصحف، تحوّل فجأة جارودي إلى شخصية غير مرغوب فيها تماماً رغم أنه من كبار الفلاسفة في فرنسا، فأين حرية التعبير التي يتغنّون بها على خلفية جريمة الهجوم على "شارلي إيبدو" بسبب جرائمها في حق مقدسات الغير؟

لنتكلم بعض الشيء عن الحرية وخاصة حرية التعبير التي تظاهر دفاعاً عنها الفرنسيون وغيرهم، وكان في الصفوف الأولى الرئيس هولاند ومعه زعماء العالم، وذلك بعد الذي حدث بمقر صحيفة "شارلي إيبدو" التي تهين مقدسات الآخرين وتسخر من هويتهم الدينية وتتطاول على مشاعرهم باسم حرية التعبير.

في هذا السياق نذكر ما حدث مع الرسام الكاريكاتيري الفرنسي موريس سيني ويدعى "ساين" وهو من أسرة تحرير صحيفة "شارلي إيبدو"، الذي رسم ابن الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي معتنقاً اليهودية من أجل المصلحة الشخصية وإثراء الأموال، وفيه إشارة واضحة إلى مدى سيطرة اليهود على الاقتصاد الفرنسي واستعمالهم للمال من أجل خدمة مصالحهم.

وكان التعليق الساخر المتسبّب في طرد هذا الرسام الكاريكاتوري من وظيفته بصحيفة "شارلي إيبدو" وتقديمه للمحاكمة هوتعليقه الذي قال فيه: "سيعيش ذلك الشاب الصغير حياة فارهة"، تعليقاً على الشائعات التي قالت إن ابن ساركوزي سيعتنق اليهودية، ما اعتبر أنه تشهير باليهود ونجاحهم الاجتماعي والمادي.

وهكذا.. ما دام الأمر يرتبط باليهود ولو بطريقة إيحائية، فقد تهم "ساين" بمعاداة السامية، وواجه تهماً بـ"التحريض على الكراهية"، وتم طرده من الصحيفة بعدما رفض الاعتذار، فأين حق هذا الرسّام في التعبير عن رأيه؟

لماذا يحرّمون نقد نجل الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي في حين التطاول على نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام هو حلال ويندرج في إطار حرية التعبير؟

يتبع

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة