ضربة واشنطن لـ"داعش" بسوريا.. من فوق الطاولة أم من تحتها؟

لن يكون هذا التعاون أو التنسيق علنياً بل سري ومغلف بوسائل تمويه عديدة، وإذا كُشف هذا التعاون بعد تحقيق الهدف فلا يهم.

الجمعة، 29-08-2014 الساعة 10:53


بعد دعوة النظام السوري كافة الأطراف الإقليمية والدولية للتعاون والتنسيق معه بشأن شن ضربات ضد مواقع "الدولة الإسلامية" في سوريا، وإلماحه إلى احتمال تصدي مضادات الطيران للطائرات التي تشن تلك الضربات دون تنسيق، ورد واشنطن أنها لن تسعى للحصول على موافقة النظام لشن ضربات ضد "داعش"، إلا أنها "ستستند إلى مبرر قانوني لأي خطوة تتخذها"، تطفو على السطح عدة تساؤلات حول هل واشنطن جادة في شن ضربات ضد "داعش" في سوريا؟ وهل ستنسق مع دمشق لتنفيذ تلك الضربات من فوق الطاولة أم من تحتها؟ وكذلك هل ستضرب دون الاستناد لـ"مبرر قانوني" خلافاً لما ادّعت؟

فعلى الرغم من تصميم الرئيس الأمريكي باراك أوباما على عدم التدخل عسكرياً في سوريا، نقلت وسائل إعلام أمريكية، الأسبوع الجاري، عن مسؤولين أمريكيين لم يفصحوا عن هوياتهم، أن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، منح إذناً بتنظيم طلعات جوية استطلاعية فوق الأراضي السورية، لجمع معلومات استخباراتية عن مواقع تنظيم "الدولة الإسلامية".

وكانت شائعات ظهرت مؤخراً أيضاً بأن هناك تعاوناً أمريكياً مع النظام السوري لضرب مواقع "الدولة الإسلامية"، من خلال تمرير معلومات استخبارية عن تلك المواقع بشكل غير مباشر للنظام، عبر وسيط تم الحديث عن أنه ألماني، واستندت تلك الشائعات إلى إلحاق خسائر فادحة في صفوف التنظيم ومقاتليه مؤخراً من خلال قيام طائرات النظام بقصف مواقع له خاصة في محافظتي الرقة ودير الزور أبرز معقلين للتنظيم في سوريا.

ونفت ألمانيا قيامها بنقل أية معلومات استخباراتية لنظام بشار الأسد، وكذلك نفى وزير خارجية النظام وليد المعلم أيضاً بدء التنسيق من قبل أي جهة لضرب تنظيم "داعش" بشكل مباشر أو عبر وسيط، وذلك بالمؤتمر الصحفي الذي عقده الاثنين الماضي.

من المؤكد أن هناك مصلحة أمريكية حقيقية في القضاء على تمدد "داعش" في العراق، وربما يكون أحد أهم عناصر تحقيق ذلك هو عن طريق إضعاف بيئتها ومستودعها الاستراتيجي في سوريا، ولكن هل يصل ذلك إلى حد التعامل مع النظام السوري الذي هدد أوباما بشن ضربات جوية ضده أغسطس/ آب الماضي، بعد مجزرة الكيمياوي التي اتهم النظامَ بتنفيذها في منطقة الغوطة بريف دمشق، وقتل فيها نحو 1500 شخص، قبل أن يعدل الرئيس الأمريكي عن تهديده بعد تسوية تمت بإشراف روسي بتسليم كامل مخزون النظام السوري من الأسلحة الكيميائية وهو ما أعلن عن تنفيذه بالفعل، منذ أيام.

من المعروف بأن الولايات المتحدة بإداراتها المختلفة وعلى مر الزمن كانت ولا تزال "سيدة البراغماتية"، ولا يحكم قراراتها أو يسيّرها إلا مصالحها الاستراتيجية الوطنية، ومن أهمها النفط الذي يشكل العراق والخليج أهم مصادره، وهذا يفسر التدخل الأمريكي المباشر في العراق، والقيادة من الخلف في ليبيا، وغيرها من الأمثلة الحية والواضحة.

فعندما وصل تهديد "الدولة الإسلامية" للمصالح الأمريكية عتبة المناطق الكردية بإقليم شمال العراق الغني بالنفط، انتفض أوباما من غفوته عما يقوم به التنظيم في سوريا من أعمال بحق المواطنين المحليين في مناطق سيطرته، وادعى حرصه على الأقليات الإيزيدية والمسيحية، فأصدر الأوامر للطائرات الأمريكية بضرب مواقع التنظيم ومساعدة قوات البيشمركة على استعادة السيطرة على الكثير من المناطق التي استولت عليها الدولة الإسلامية بعد 10 يونيو/ حزيران الماضي، مع توعده بأنه سيتم توسيع مجال تلك الضربات.

لا شك أن هناك من وعى لدى الإدارة الأمريكية بأنه لا بد من تخطي العتبة العراقية وضرب "الدولة" في مواقعها بسوريا، للتخلص من التهديد القائم على النفط العراقي ومن إمكانية تعاظم قوة التنظيم ليصل تهديده إلى الغرب.

وهنا أمام واشنطن خياران لضرب التنظيم، إما عن طريق تشغيل طائراته الحربية للقيام بتلك المهمة، أو قيام نظام الأسد بالمساعدة في ذلك، من خلال قيامه بضرب مواقع "الدولة" بنفسه كما فعل منذ أيام، وهو الخيار الأفضل منطقياً للأمريكيين، وبنفس الوقت هو يدلل على قدرة النظام ورغبته بمحاربة "الإرهاب" ليكون مبرراً لاستمرار حكمه.

لكن المشكلة تكمن في أن الإدارة الأمريكية اعتبرت بشار ونظامه منذ أكثر من 3 أعوام قد فقد الشرعية وتسبب بجرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية، وليس من السهل التعاون بشكل مباشر معه، وستكون النتائج الارتدادية المترتبة على مثل ذلك التعاون سلبية جداً على الإدارة الأمريكية؛ داخلياً وخارجياً وإقليمياً، حتى ولو كان ذلك التعاون يحقق أحد أهم أهداف تلك الإدارة حالياً المتمثلة في إنهاء تهديد "الدولة الإسلامية" في العراق وتمددها شرقاً وغرباً.

وقد التقط النظام السوري هذا الاهتمام من خلال دعوته للتنسيق والتعاون معه لضرب "داعش"، وذلك بعد ظن النظام السوري بأن سياسته القديمة الجديدة التي بدأها الأب "حافظ" وسار على دربها الابن "بشار" في إشعال الحرائق في دول الجوار ثم إظهار الاستعداد لإطفائها، والقدرة فعلاً على إطفائها -خاصة وأنه هو الذي أشعلها- ظن أن تلك السياسة التي أغدقت عليه الكثير من الأثمان المادية والمعنوية ما زالت مجدية.

لكن المفارقة الآن هي أن نظام بشار قد أشعل النار هذه المرة في داره هو ويطلب من الآخرين أن يكلفوه بإطفائها، وأن يكافأ كثمن لذلك بإبقائه على رأس نظام قتل وشرد الملايين من الشعب السوري، وإعادة الاعتراف بشرعيته.

وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية كما تقدم هي براغماتية ومستعدة للتعاون مع أي كان لتحقيق مصالحها، وكدليل على ذلك أنها غيرت موقفها مؤخراً من حزب العمال الكردستاني بعد تهديد "الدولة الإسلامية" للإقليم الكردي، لكنها في الوقت نفسه ليست بالغباء الذي يظنه بشار ونظامه.

فهي قد تستعين به لإضعاف تنظيم "الدولة" في سوريا، وقد تمرر له معلومات استخباراتية وربما أكثر من ذلك ليتمكن من ضرب التنظيم في الأراضي السورية، ولكن ليس بشكل مباشر، وليس بشروط النظام، وليس بالثمن الذي يطلبه أو يتوقعه.

بل سيكون تعاونها أو تنسيقها من خلال إيران -اللاعب الفعلي وصاحب القرار في سوريا كما ظهر خلال سنوات الصراع - والتي دخلت الإدارة الأمريكية معها في تعاون واضح منذ فترة طويلة خاصة في مجال حرب واشنطن ضد القاعدة في أفغانستان منذ عام 2001، أو في العراق بعد احتلالها له عام 2003، وغير ذلك مما لا ينشر في وسائل الإعلام.

ويتوقع أن تعطي واشنطن للإيرانيين عروضها للمساعدة في ضرب "داعش" في سوريا "سلة واحدة"، يقبلها النظام الإيراني أو يرفضها.

فالإدارة الأمريكية تعلم أن الإيرانيين لن يستطيعوا أن يرفضوا، لأن هذا التعاون سيشكل فرصة ثمينة للحصول على مكسب جديد من الإدارة الأمريكية التي طال حصارها الاقتصادي المؤلم للنظام الإيراني، والذي اضطر مؤخراً للتخلي عن الكثير مما كان يرفضه سابقاً في موضوع ملفه النووي مقابل رفع بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه.

أما الثمن لما سيقوم به النظام السوري من ضرب لمعاقل "الدولة الإسلامية "في سوريا، فإن بشار ونظامه لن يقبضوه بل سيدفعونه، بمعنى أن الأسد سيكون جزءاً من الصفقة التي ستبرم بين الولايات المتحدة وإيران حول العراق و"الدولة الإسلامية"، لأن ذلك سينهي الحريق الذي أشعله نظام بشار بإطلاق يد "الدولة" وغيره من التنظيمات المسلحة التي تسيطر على معظم العمل العسكري حالياً في سوريا.

ولن ترفض إيران ذلك، خاصة وأنها تعلم تماماً أن بشار الأسد انتهى كما انتهى رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي، وستتخلى عنه كما تخلت عن الأخير عند إيجاد البديل، ولأن البديل السوري سيتفق عليه مع الأمريكيين الذين يصرون في كل تصريح ولقاء ومؤتمر حول الشأن السوري بأن الحل في سوريا لن يكون حلاً عسكرياً بل سيكون حلاً سياسياً.

ولعل هذا الحل أو التسوية يفسرها الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة حتى على الجيش الحر والثوار السوريين ممن تسميهم "معتدلين" خلال السنتين الماضيتين، كي لا يحققوا انتصاراً عسكرياً على النظام، والذي كان ممكناً جداً وقريباً في العام الأول للثورة، لكنه أصبح معقداً بعد تغاضي الإدارة الأمريكية عن التدخل الإيراني الروسي في سوريا.

فالهدف النهائي بعد إنهاك الطرفين في سوريا هو إنهاء نظام بشار وعائلته واستبداله بنظام جديد، لا يختلف كثيراً عن نظام بشار من حيث خدمته للمصالح الإسرائيلية، ويكون في نفس الوقت مقبولاً شعبياً وإقليمياً ودولياً، خاصة بعد الجرائم التي ارتكبها النظام بحق الشعب السوري، ويكون هذا النظام خليطاً من أشخاص من النظام ممن يسمون بالذين "لم تتلطخ أيديهم بالدماء"، مع شخصيات سياسية معارضة تقبل بالتعاون مع هؤلاء في نظام جديد لا يغير كثيراً في الواقع السياسي السوري، وهذا ما كان أحد أهداف مفاوضات "جنيف 2" القائم أساساً على مبادئ "جنيف1" وهي تقاسم الحكم ومشاركة المعارضة والنظام في حكومة انتقالية.

ولكن بالطبع لن يكون هذا التعاون أو التنسيق -أو كائناً ما كان اسمه أو ما يطلق عليه من تسميات- علنياً أو مكشوفاً بل سري ومغلف بوسائل تمويه عديدة تمرس عليها الكثير من السياسيين وخاصة في الإدارات الأمريكية السابقة والحالية، وإذا كشف هذا التعاون بعد ذلك يكون الهدف قد تحقق ولا يهم ما سيقال وقتها.

ولن يكون للتصريحات الرنانة التي تصدر حالياً عن الكثيرين من المسؤولين في الغرب عن عدم النية في التنسيق أو التعاون مع النظام أي تأثير يذكر، والتجارب السابقة أثبتت أن الكثير مما يقال من تصريحات وبيانات ومواقف سياسية، يتم التخلي عنها بمجرد وجود مصلحة أو غاية، تماماً كما تخلى أوباما عن "خطوطه الحمراء" بشأن استعمال نظام الأسد للأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري.

(الأناضول)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة