طموح إيران النووي على الرف.. فماذا ينتظر الخليج والمنطقة؟

موازين القوى بين إيران وخصومها في المنطقة مع الطموح السعودي يشير لترجيح الكفة ليس لمصلحة إيران على المدى البعيد.

الأحد، 02-08-2015 الساعة 11:24


إن ما يهم المنطقة من اتفاق النووي الإيراني الأخير، هو ما الذي سَيتغير على أمن واستقرار المنطقة ومناطق الصراع فيها؟ وفي الحقيقة أنه لا شي سيتغير على المدى القريب من حيث عدم الاستقرار والفوضى واستمرار الصراع، بل على العكس تماماً؛ سَتزداد حدة الصراع وتركيز أطرافه وأصحاب المصالح على الصراع أكثر؛ والسبب يعود إلى اتفاق النووي نفسه؛ فلإيران طموحان رئيسيان في المنطقة يرتبط بعضهما ببعض، الأول: هو حُكم العالم الإسلامي، وهذا ما أكده الخميني بعد نجاح ثورته عام 1979، وسَعى لهُ الخامنئي على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ولا يزال.

أما الثاني: فهو امتلاك السلاح النووي كسلاح ردع استراتيجي يحمي ما تريد إيران أن تصل وتَحد مناطق حُكمها، وقد استخدمت كل نفوذها المُنتشر في المنطقة كأدوات وأوراق ضغط في مفاوضاتها ضد خصومها من المفاوضين، علماً أن هذا لا يعني أن أوضاع المنطقة سَتكون أفضل حالاً لو لم يكن لإيران طموح نووي، فحتى لو لم يكن لديها طموح نووي ومفاوضات مع القوى الكبرى، فإن سياسة التدمير الإيرانية وأوضاع المنطقة لن تكون أفضل حالاً مما هي عليه اليوم، فتاريخ إيران في المنطقة يشهد بذلك.

فالعقوبات الغربية جاءت على الطموح النووي الإيراني، وعلى ما أسموه دعمها للإرهاب، أما بعد الاتفاق، وعندما وضُع الملف النووي على الرف لعشر سنوات أو يزيد، مع قابلية الخلاف والتفاوض على بعض التفاصيل التي لم ينص عليها، وبعد رفع العقوبات المتعلقة بالملف النووي فقط والإبقاء على العقويات المتعلقة بدعم الإرهاب؛ لا حل سياسي من خلال المفاوضات لأزمات المنطقة، وإنما الحل من خلال الاستمرار في الصراع وحسم المواقف على أرض المعركة، وليس على طاولة الحوار، وهذا ما أكده الخامنئي نفسه؛ من أن إيران ستستمر في دعم حلفائها في المنطقة، أي إنها بعد أن وضَعت الطموح النووي على الرف سَتنشغل فقط بالطموح الأول، وليست وحدها في ذلك؛ فالقوى الكبرى أيضاً ستنشغل بحلحلة أزمات المنطقة من خلال التركيز على الصراع وعلى أطرافه، ما يعني ازدياد حدة الصراع على المدى القريب قبل تغير موازين القوى على الأرض.

فاتفاق النووي لن يعني أن إيران قد انتصرت، كما أنه لن يعني أن القوى الكبرى قد هُزمت، فما حصل هو فرصة جديدة للقوى الكبرى والدول الخليجية كالسعودية خاصة وقطر، إضافة لتركيا لفرض قواعد جديدة للصراع في المنطقة، وبعيداً عن التهديدات الغربية والإسرائيلية المباشرة والمصيرية مع إيران، فالخاسر من كل المعادلة هم الشعوب، وخاصة السنة في العراق وسوريا، علماً أنهم خارج المعادلة النووية أصلاً.

لكن موازين القوى بين إيران وخصومها في المنطقة، مع الطموح السعودي والقيادة الجديدة، تشير إلى ترجيح الكفة ليس لمصلحة إيران على المدى البعيد؛ لأن اللقاءات السابقة بين الرئيس الأمريكي وبعض قيادات المنطقة تشير إلى دفع أمريكي باتجاه دور عربي وتركي ضد نفوذ إيران، ليس للولايات المتحدة دور القيادة فيه، وهذا ما فهمته السعودية جيداً وتركيا مؤخراً بتبادل التنسيق بينهما.

فقد بدأت إيران مُقابلة الخصوم بتأكيدها على النهج التخريبي المعروف وإثارة الفتن، جاء هذا في رسالة تحذير معتادة بدعم المنظمات الإرهابية المعادية لخصومها من خلال التفجيرات التي حَصلت مؤخراً في السعودية والكويت، وحتى تركيا، عن استمرار ذلك النهج، فهي اختبارات صعبة وحقيقية على دول المنطقة من أن تثير إيران ونفوذها موضوع الطائفية والأقليات المعارضة في داخل تلك البلدان.

إن الانتقال المُفرح والمتأخر للسياسة السعودية الخارجية من سياسة رد الفعل في كثير من القضايا العربية، إلى صياغة أهداف وسياسة استراتيجية تدعم قضايا مصيرية سنية على وجه الخصوص في المنطقة، سيخلق توازناً حقيقياً على المستوى العسكري والسياسي، ويجب أن يكون بنفس الآليات والأدوات والحجم التي تدعم بها إيران حلفاءها في المنطقة، أو يزيد، كما أن على السعودية أن تدعم وترعى ليس العمل العسكري فحسب، وإنما السياسي، وجَمع الفرقاء المعارضين على المشتركات؛ لكي ينسجم العمل العسكري والسياسي مع أهداف واحدة، فهو العلاج الوحيد لمرض النفوذ الإيراني المستشري في الكثير من الدول، بعد سنوات من الإهمال وترك إيران تتوغل في المنطقة، فتلك السياسات ستكون بمثابة خط الدفاع الأول عن دول الخليج الهشة، ولكي لا تتكرر أخطاء الماضي المؤلمة بترك المنطقة لصراع المصالح الإقليمي والدولي.

أخيراً، إن اتفاق النووي مع إيران جاء بعد اكتمال الدور الإيراني في المنطقة من خلال نفوذها بتهيئة المنطقة للفدراليات اللامركزية، أو لسايكس بيكو جديد، بعد تمايزها طائفياً، وزيادة الشرخ والكراهية وصناعة الحدود الديمغرافية بالطائفية والتهجير، فلم يتبق على المنطقة بعد تفكيكها مجتمعياً وديمغرافياً، إلا الحدود السياسية بالاعتماد على الخرائط النفطية ومصادر الطاقة؛ لذا على دول المنطقة، وخاصة الخليجية، أن تستعد لنهج إيراني لا يقل همجية وعنفاً عما سبقه في العراق وسوريا، ودعم الأقليات، إلا إذا قوبل بنفس النهج ودَعمت الأقليات العربية والكردية المضطهدة في إيران وبكافة المستويات، إضافة إلى مُحاولة قطع المناطق وخطوط الربط التي تجعل من الهلال الشيعي مستمراً ومتماسكاً، وخاصة في صحراء الأنبار من خلال دعم العشائر السنية وتبني مشروع الإقليم السني غرب العراق، وفي سوريا من خلال السيطرة على المناطق المحاذية للبنان ليقطع الاتصال وربط الهلال الشيعي مع حزب الله؛ وبذلك سيتآكل النفوذ وسيُفرض على إيران وضع دفاعي جديد ليست الطرف الأقوى فيه.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة