عباس.. بين المطرقة والسندان

الحقيقة أن عباس يجني اليوم ثمار سنوات من تنازلات بقائه في السلطة، تلك التنازلات التي تركته اليوم عارياً أمام الرياح.

الأربعاء، 21-03-2018 الساعة 09:04


الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وجد نفسه بموقعٍ غاية في الصعوبة خلال الأشهر الأخيرة، مقاربٍ لحال سلفه في نهايات عهده، مستوى التنازل المطلوب منه أمريكياً فوق مستوى قدرته، وعليه ضغط عربي لاتخاذ مواقف لا تتوافق مع مصالحه، ولا مصالح حزبه.

أمريكياً، مطلوب من عباس الموافقة على التنازل عن القدس علناً، وعدم التصالح مع "حماس"، واستمرار التنسيق الأمني. عربياً -ومن السعودية والإمارات تحديداً- مطلوب منه المشاركة في خنق قطاع غزة وحركة "حماس"، والتماهي مع إدارة ترامب ومشروعها للسلام، بالإضافة إلى التماهي مع مشروع السعودية والإمارات في المنطقة العربية، ومن ذلك العلاقة مع قطر وتركيا وغيرهما، بالإضافة إلى القبول بتسويق ضمني لدحلان في الساحة الفلسطينية.

المطالب التي يواجهها عباس، غير قابلة للتطبيق بالنسبة إليه، لسببين؛ الأول أن كمية التنازلات المطلوبة ستُفقده أي شرعية داخل فلسطين، والأمر الثاني هو أنها فعلياً تُفقده كل حلفائه داخلياً وخارجياً، والمواقف الداعمة للقضية الفلسطينية بشكل عام؛ لذلك -على ما يبدو- اختار عباس أن يمسك العصا من منتصفها؛ فهو تارةً يخرج بمواقف حادة ضد الإدارة الأمريكية، وتارة ضد "حماس"؛ يتواصل مع السعودية ليقدم الوعود، وفي الوقت نفسه ينسق مع الأتراك، وكل ذلك لا يعدو كونه محاولة لكسب الوقت في مواجهة نفاد حتمي لرأس ماله السياسي.

اقرأ أيضاً:

تفاصيل خطة سرّية قادتها الإمارات لنسف مجلس التعاون

في المقابل، تحالُف الإمارات والسعودية لا يبدو مهتماً ببقاء عباس، وهو يجد في دحلان بديلاً أفضل، ولكن لا مانع لديهما من أن يتم الضغط عليه لتمرير كل الأمور التي تُفقده شرعيته؛ حتى يكون الوضع ممهِّداً لدحلان، ولا يضطر إلى أن يبدأ عهده بتنازلات علنية كبيرة، المصريون من جهتهم، يواجهون أزمة إبعادهم عن الملف.

لا شك في أن المصريين لا مانع لديهم من تقديم التنازلات، ولكنهم منزعجون من أنها لا تمر من خلالهم؛ ومن ثم يُفقدهم ذلك ورقة مهمة في تعاملهم مع الغرب، طالما كان الاعتماد عليها في الحصول على دعم الولايات المتحدة المادي والعسكري والسياسي؛ ومن ثم يبدو أن المصريين، من ناحيتهم، يحاولون توفير غطاء بديل لعباس، ويدعمون "صموده"، في مقابل بقاء الدور المصري كراعٍ للسلطة.

بطبيعة الحال، يعلم عباس أن نهاية رئاسته على الأبواب، وهو أمام خيارين؛ إما أن يرحل في صورة المقاوِم الذي رفض التنازل؛ ومن ثم يبيِّض صفحته، بعد سنوات من التنازلات، وهو أمر يعلم عباس أنه سيجعل نهايته مدوية، كتلك التي واجهها سلفه، أو أن ينبطح للعاصفة، ويمر عليه مشروع وأد القضية الفلسطينية، ولكنه هنا كذلك يعلم أن نهايته ستكون مخزية، وسيخسر منصبه وعلاقاته في آن واحد.

وعلى الرغم من صعوبة التعاطف مع موقف عباس بشكل عام، فإنه فعلاً لا يملك الكثير من الخيارات، وليس أمامه إلا أن يحاول المماطلة وإعادة تركيب التحالفات من حوله داخلياً وخارجياً، وحتى لو فعل كل ما يمكن فعله فهو سينجح في تأجيل النهاية الحتمية فحسب، وهو في الحقيقة يجني اليوم ثمار سنوات من التنازلات غير الضرورية، بهدف البقاء في السلطة، تلك التنازلات التي تركته اليوم عارياً أمام الرياح.

("العرب" القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة