عقدة اسمها الغرب

يبقى السؤال عن فرص النجاح في الحوار الحضاري بمنطق إدارة الظهر للآخرين، أو العجز عن رؤيتهم أساساً.

الخميس، 27-11-2014 الساعة 10:46


يتحدثون عن حوار الحضارات؛ ويريدونه حواراً مع الغرب. فلا تنتصب في محطّات الحوار ووجهات الجغرافيا، سوى نيويورك ولندن وباريس وروما وأخواتها. ذلك أنهم لا يرون من الحضارات سوى تلك المشمولة بالوجهة الغربية.

اختزلوا الشعار الكبير بصورة غير واعية، فلم يستدعوا على طاولة الحوار سوى من يرونهم ممثلين لحضارة واحدة.

تعيش الجمهرة انشدادها القوي نحو القطب المستحوذ على الأذهان فلا تكاد ترى غيره. ينتصب الغرب الأوروبي في موقع المركز الذهني، أو هو الطرف النموذجي المقابل للذات الجمعية (نحن).

سطع الغرب فأخذ بالألباب، وكان يكفي ابتداءً ذلك التململ المعهود من الضمور الحضاري الذاتي، عندما يأتي مشفوعاً بنظرة إلى ما بلغه "الآخرون" من مراتب الرقيّ والتقدّم. ولكنّ هؤلاء "الآخرين" لم يكونوا في واقع الأمر سوى "الغرب" ذاته، ولا أحد سواهم يشغل الوعي.

وما إن يباشر أحدهم شرحه في أي موضوع كان؛ حتى تتخذ إشاراته إلى "الغرب" سبيلها في حديثه عجباً. هي تقفز هنا وهناك بداعٍ وبدونه، ويستوي في ذلك الطبيب والواعظ، الإداري والمعلم، الحاكم والمحكوم.

سيقال: إنّ "لدينا هذا وذاك قبل أن يكتشفه الغرب بمئات السنين"، وسيدفع بعضهم بالتوطئة المعتادة: "عندهم في الغرب يفعلون كذا، وعندنا نفعل كذا". ويمضي آخرون إلى استبطان الغرب نموذجاً في التفاصيل جميعاً، منطوقها ومفعولها، وهم في أفضل حالاتهم نسخة مقلّدة عن الأصل الذي لم يحصل التحقق من جدواه.

حسناً؛ نادراً ما اكترث القوم بالثقافة الصينية أو الهندية أو اليابانية، أو الثقافات الآسيوية؛ كما غابت أفريقيا جنوب الصحراء برمّتها، وأمريكا اللاتينية أيضاً. لكنّ تفاصيل الثقافات الأخرى ستنال حظها لو اكترث الغرب بها، فتجد سبيلها إلى القبول بعد اجتيازها المشروعية الذهنية التي يمنحها السيد الغربي.

وهكذا ظلّ الوعي بالدوائر الثقافية المتنوعة؛ يمرّ غالباً عبر نظّارات غربية، وسيبدأ الأمر مع برامج الأطفال وينتهي بعد منتصف الليل. إنها نظرة "مستوردة" إلى أمم أخرى، أفضت أيضاً إلى تمرير كثير من الأحكام المسبقة والقوالب النمطية الرائجة في الغرب عن شركاء العالم، بشكل جاهز ودونما تمحيص.

ويبقى السؤال عن فرص النجاح في الحوار الحضاري بمنطق إدارة الظهر للآخرين، أو العجز عن رؤيتهم أساساً.

ليست المشكلة في الحوار مع الغرب؛ بل في تجاهل ما سواه، فلا يبدو في العالم سوى: نحن والغرب. إنّ حصر الحوار بين الحضارات في معادلة ثنائية وحسب؛ لا يعكس الانطباع بنضوج تجربة الحوار هذه. ويبقى الإقرار بالتنوّع الثقافي، بمفهومه الشامل، وتشجيعه؛ أساساً لا غنى عنه لحوار راشد وفعّال ومثمر بين الحضارات؛ إن كان التوجّه جاداً بحقّ.

ينبغي أن تتحوّل العملية، على افتراض وجودها، إلى فرصة للتلاقي والتلاقح الفعال بين الخلفيات الحضارية والثقافية. وينبغي أن يتمّ ذلك على أساس تكافؤ الفرص في المشاركة والتحاور. عليها أن تكون طاولة مستديرة تتحاشى التمركز والاستقطاب، وما أكثره في عالمنا.

وإن كان هذا هو حال أهل الحوار بالكلمة، فإنّ من اختاروا لغة السلاح لا يرى بعضهم سوى الغرب أيضاً وجهة لتهديداتهم، حتى ولو كانت الرؤوس التي يحزّونها كلّ صباح توحِّد الله تعالى.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة