علي الطنطاوي يظهر في دمشق اليوم

لو حضر علي الطنطاوي الرمز أيام بشار الأسد ثم أيام الثورة السورية ضد الأسد، لقال فيها قولاً بليغاً فاصلاً.

الجمعة، 03-02-2017 الساعة 20:34


يقول الفقيه الداعية القاضي علي الطنطاوي -رحمه الله- عن دمشق: "كان الأطفال في دمشق يجاهدون ضد الاحتلال الفرنسي"، ويتابع: "لقد رأينا طفلاً يسيل الدم من رأسه، وقد وضع يده اليسرى على رأسه يمنع بها الدم، وأخذ الحجر أو الخنجر بيمينه يضرب به المحتل والطفل عمره أقل من عشر سنوات".

ويضيف الشيخ: "لقد حدثني أحد الأصدقاء أنه كان ماراً في سوق مدحت باشا في دمشق فسأل الأطفال وكانوا مرابطين فيه للجهاد: هل تسمحون لي يا أولادي أن أمرَّ؟ قالوا إذا كنت تستطيع أن تمشي بين العسكر مرفوع الرأس وتحملق فيهم بعينك فمُرّ وإن لم تفعل فعد من حيث أتيت".

انظر كيف يعلم الطفل يُعلّم الكبير العزة والكرامة والشرف، فمن أين تعلَّم الطفل ليقول هذا القول الكبير؟ هل هؤلاء أطفال أم جبال تجاهد؟ ومَن علَّمهم الجهاد ومن رباهم وأدبهم وحفظهم كتاب الله؟

هل تعلمون لماذا كان أطفال دمشق بهذه العظمة؟

السبب، أن الطفل كان يرى شيخه في المسجد يعلمه القرآن ويراه بعد ذلك يحمل السلاح في الصف الأول. السبب، أن الطفل كان يرى والده وشقيقه الأكبر يحملان السلاح بجوار شيخه الذي علمه القرآن وعلم أباه وشقيقه من قبل.

السبب، أن الأم في البيت هي معلمة ومحفظة قرآن ومربية رجال.. علمتهم الموت في سبيل هذا الدين وليس العيش عالة على كلمة "دين الإسلام"، هل تعلمون لماذا كان هؤلاء الأطفال عظماء وأبطالاً على صغرهم؟ وهل تعلمون لِم نحن صغار وأقزام على كبرنا؟

السبب، أن اليوم العلماء أموات، والآباء أموات، والأمهات أموات وإن كنَّ أحياء.

هذا الكلام كله للداعية الدمشقي الفقيه علي الطنطاوي -رحمه الله- الذي وصف مشاهد مما كان في الثورات السورية ضد المستعمر الفرنسي، وصف عهداً ماضياً وزمناً سابقاً..

وقد عاصر الشيخ بعدها كل مدة حكم حافظ أسد، وعلمنا منه مواقف متكررة عبر السنين، كان فيها بعيداً عن أي نفاق أو ركون؛ بل أشار مراراً لكل من حوله إلى أن حافظ أسد وفريقه أسوأ من المستعمرين الفرنسيين، ولو حضر هذا الداعية الرمز أيام بشار الأسد ثم أيام الثورة السورية ضد آل الأسد لقال فيها قولاً بليغاً فاصلاً، ولوصف أطفالها كما وصف أطفال دمشق ولوصف ذلة وصَغَار الكبار المرير بما يليق بهم، ولوصف موات الآباء والأمهات في دمشق بما يفوق وصفنا، ولأعلن موت علماء دمشق كلهم أجمعين..

ولو رفع الثوار أمر علماء دمشق إليه يقاضونهم -وهو القاضي البارع- لقضى بإنزالهم عن كل منبر من أي نوع كان، ولا أظنه كان سينتظر المشايخ القاعدين الساكتين الخرس ليعلن النفير العام وعينية الجهاد في الشام المحتلة.

اقرأ أيضاً :

مصطفى الشيخ مرتدٌّ أم عميل

لقد أكثر هذا الداعية الفقيه في مدح الدمشقيين ومدح تاريخهم.. مدح الرجال والنساء والأطفال، ولمّا تغير بعض ذلك في نهاية خمسينات القرن الماضي -وهو تاريخ كتابته للمقال- وصف التغير بالموات.. موات الآباء والأمهات والعلماء، فماذا لو كان هذا الداعية الدمشقي اليوم حيّاً وجال بناظريه في دمشق القديمة وهو العاشق المغرم فرأى أحياءها وأسواقها تتساقط بأيدي المحتل الإيراني وتتغير معالمها وأعلامها وصبغة التوحيد فيها يوماً بعد يوم ثم علم بسكوت مشايخها ورضوخ أهلها إلى الحد الذي وصلوا إليه. هل كان سيختار لهم ألقاباً بأقل من لقب "الديوث" وهو الذي استخدم هذه الصفة لأقل من ذلك بكثير.

ولو بحث هذا العالم العامل في أهل مدينة دمشق اليوم، هل كان سيعثر على الذين ذكرهم ووصفهم وسط بحر من الذين رضخوا ثم ركنوا بشدة إلى الذين ظلموا؟

ومن المؤكد أنه سيصيح بحسرة: أين أهل دمشق الأصلاء؟! وأين أطفال دمشق؟! وأين قامات أهل دمشق؟! وأين أئمة الحق والدفع في دمشق؟

سؤال صعب مرير لن نستطيع أن نجيبك عنه بسهولة يا شيخ الشام.. لن نستطيع أن نجيبك إلا إذا رصدنا بدقة وتتبعنا ما فعله الطائفيون الباطنيون بمساعدة المشايخ المنافقين من خمسين سنة إلى اليوم في دمشق.

لقد استخدموا كل أنواع الضغط والقهر والتهميش بحق الدمشقيين وقاموا بإعادة تفريقٍ وتوزيعٍ سكاني في المدينة العريقة.

قاموا بإعادة هيكلةٍ وتشكيلٍ لمعظم نسيج العاصمة، وغزوها برجالهم ومريديهم وأتباعهم واستوطنوا جميعاً في قلبها.

ويبدو أنهم مع الاستيطان قد أجروا ما يشبه عملية الطرد المركزي الذي لف العاصمة وحرَّكها بحركة دائرية مركزية طاردة متسارعة عبر عشرات السنين، أدت إلى طرد معظم أفراد الصنف الشامي الحر الأصيل إلى خارج مركز العاصمة.. ولم يبق في دمشق المدينة إلا كتلٌ قليلة صامدة هنا وهناك في بعض الأحياء القديمة المتجذرة.

ويبدو أن الأطفال الذين ذكرتهم -يا شيخ الشام العتيد- والذين علَّموا الكبار في زمانهم في دمشق كما وصفت، قد شكلوا بذور كرامة وعزة وشرف وقد ذراهم دوران الطرد المركزي العاصف إلى خارج مركز العاصمة ونثرهم حولها في كل مكان فأنبتوا النبات الطيب الأصيل الذي استغلظ واستوى على سوقه في دوما وداريا ووادي بردى والزبداني والقلمون، وفي معظم محيط دمشق القريب والبعيد..

وبان ثمر النبات وطيبه وخرج أحفاد من ذكرتهم -يا شيخ- في الثورة السورية الحديثة.. هذه الثورة العظيمة التي كشفت إلى أين انتقلت الأصالة الدمشقية العريقة. ولو كنت حيّاً -يا شيخ دمشق- لسألناك وأنت أبلغ من أرَّخ لدمشق الشام.

ما قصة التدين الشامي؟

أهو -كما ذكرتَ أنت وأسهبت- جهادٌ وعزةٌ وكرامةٌ وشرف؟ أم هو -كما يذكرون ويفعلون اليوم- ضعفٌ وجبنٌ وقعود ورضوخ، ثم أوبةٌ وركون إلى الذين ظلموا حيثما كانوا؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة