عندما تُغلف ألمانيا قضاياها القومية بالقيم الإنسانية

أكدت دراسة ألمانية حاجة الجمهورية إلى المزيد من المهاجرين لتعويض الفراغ الذي خلفه تراجع نسب الولادات فيها.

الأربعاء، 09-09-2015 الساعة 16:20


ضجة اللجوء وحقوق الإنسان التي شهدتها المنطقة خلال المدة الماضية وما صاحب ذلك من ارتفاع المنسوب الأخلاقي لدول وانخفاضها عند آخرين أثار العديد من التساؤلات حول حقيقة الموقف الأخلاقي لقارة الحلم أوروبا.

والمتابع لمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة والتي تكشف بعضاً من توجهات الشعوب وكيف يفكرون يدرك بوضوح أن هناك انقساماً حاداً بين طرفين، أحدهما يشيد بما فعلته ألمانيا وهي البعيدة عن العرب ودولهم، مقابل انتقاد حاد لدول الخليج العربي التي كان من الممكن أن تعالج الأزمة خاصة وهي أحق بالعرب من أوروبا وبكل المقاييس.

أما التوجه الثاني فقد نظر للأمر على أنه مؤامرة تريد استهداف الكفاءات وتفريغ سوريا والعراق من شبابها وما يصاحب ذلك من فساد وتغيير الثقافة في بلدان اللجوء.

وللوقوف على حقيقة الموقف الألماني من اللجوء وهل هو أخلاقي إنساني بالدرجة الأولى أم قضية أرقت ألمانيا وسعت إلى حلها ثم استثمرت الأحداث، عدنا إلى دراسة ألمانية توضح وتشرح بوضوح الموقف من استقبال اللاجئين، ثم نتوقف عند نقطة استثمار الحكومة الألمانية هذا الحدث لصالحها وخلق رأي عام داعم زاد من موقفها الأخلاقي وحقق ما تصبو إليه.

ففي دراسة باللغة الإنجليزية نشرها موقع قناة DW الألمانية بتاريخ 27-3-2015، أي قبل موجة اللجوء بـ 6 أشهر تقريباً، أكدت هذه الدراسة "الألمانية" حاجة الجمهورية الألمانية إلى المزيد من المهاجرين لتعويض الفراغ الذي خلفه تراجع نسب الولادات فيها، وعليه فإن الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد تصبح مصدراً مهماً لجلب العمالة المؤهلة بما أن تعداد السكان في دول الاتحاد في تناقص مستمر.

وأظهرت الدراسة التي أصدرتها مؤسسة براتلسمان أنه على المدى الطويل ستحتاج ألمانيا لاجتذاب عدد من المهاجرين يفوق بنحو 533 ألفاً عن عدد أولئك الذين يغادرونها إلى بلدان أخرى.

وقد توصلت الدراسة إلى أنه بدون المهاجرين؛ سينخفض عدد الأشخاص الذين هم في سن العمل من نحو 45 مليون في الوقت الحاضر إلى أقل من 29 مليون بحلول سنة 2050.

وأوردت الدراسة أيضاً أن نصف العمال المؤهلين، وهم الأشخاص الذين ولدوا في فترة طفرة الولادات أثناء خمسينات وستينات القرن الماضي، سيحالون إلى التقاعد مع حلول سنة 2030، مخلفين وراءهم فراغاً لا يمكن ملؤه إلا من خلال العمالة الوافدة.

- من 2013 الى 2050

تذكر الدراسة معلومات مهمة عن عدد من دخل الى ألمانيا ومن خرج منها خلال 60 عاماً مضت من داخل وخارج الاتحاد الأوربي، وتفصل أكثر عن عامي 2013 و2014.

ففي الـ 60 عاماً الماضية بلغ عدد من جاء إلى ألمانيا ثم غادرها نحو 200 ألف شخص فقط.

وفي عام 2013 وصل إلى ألمانيا 440 ألف شخص، 140 ألفاً منهم من خارج الاتحاد الأوروبي من أجل العيش والعمل، و300 ألفاً منهم من داخل الاتحاد الأوروبي، ولكن من المنتظر أن ينخفض هذا الرقم إلى 70 ألفاً فقط بحلول سنة 2050.

وفي عام 2014 شهدت ألمانيا زيادة صافية في عدد المهاجرين على أراضيها بلغت 470 ألفاً.

وخلصت الدراسة إلى أنه سيكون من المهم جداً اجتذاب العمال المؤهلين من الدول غير المنتمية للاتحاد الأوروبي بالنظر لتناقص عدد السكان داخل الاتحاد.

ويتوقع الباحثون في قضايا الهجرة أن ألمانيا ستحتاج لما يصل إلى 490 ألف مهاجر من خارج الاتحاد الأوروبي سنوياً إلى غاية سنة 2050.

- حُسن تسويق القضايا القومية

رغم كل ما يقال عن اللجوء إلا أن الجانب الإنساني والأخلاقي كان حاضراً وبقوة في المشهد الألماني على المستويين الحكومي والشعبي، على خلاف باقي المشاهد الأوروبية.

فقد نزلت أعداد من الشعب الألماني ومعهم أولادهم وأمتعتهم من القطارات في ميونيخ وفرانكفورت مرحبين باللاجئين الجدد وهم يحملون بالونات وقدموا الماء والطعام والحلوى في مشهد مؤثر.

وحتى البابا فرانسيس دعا كل رعايا الكاثوليك في أوروبا إلى استقبال العوائل اللاجئة، مؤكداً "أن الإنجيل ينادينا ويطلب منا أن نكون قريبين للصغار والمتروكين، ومنحهم رجاء ملموساً".

بالمقابل أنشأت دولة المجر سياجاً حدودياً بطول 175 كم عبارة عن أسلاك شائكة على الحدود مع صربيا بهدف التصدي لموجة اللاجئين، وقال رئيس وزرائها فيكتور أوربان: "إن تدفق اللاجئين على أوروبا يهدد بتقويض الجذور المسيحية للقارة، وإن الحكومات يجب أن تضبط حدودها قبل أن تقرر عدد طالبي اللجوء الذين يمكنها استقبالهم". واعتبر موجة اللجوء "مشكلة ألمانية" ناجمة عن إعلان برلين أنها ستستقبل السوريين.

والدنمارك طلبت من خمس صحف تركية التعاقد معها لنشر إعلانات تدعو اللاجئين السوريين لعدم اللجوء إليها.

- المدرسة الألمانية في صناعة الرأي العام

بعد أن تفوقت ألمانيا في صناعتها التي أبهرت العالم، كان من السهل عليها أن تجيد صناعة الرأي العام وتستثمره لصالحها، خاصة وأنها تتكئ على فلسفة خاصة بها لتسويق قضاياها القومية.

وهنا لا بد لنا أن نشير إلى متلازمة رباعية صبت في خدمة الرأي العام واستطاعت ألمانيا صناعته واستثماره.

أولى أضلاع هذه المتلازمة هي الحاجة الحقيقة والملحة لجمهورية ألمانيا الإتحادية للاجئين.

وثانيها؛ الظلم الواقع على اللاجئ من قبل حكومات بلاده، فمعاناة السوريين والعراقيين مع حكوماتهم أشهر من أن توضح.

والثالثة؛ عدم وجود بديل عربي حقيقي يستطيع أن يوفر الكرامة والحرية كما توفره أوروبا، فدول الخليج الغنية بالنفط لديها حساباتها السياسية التي تمنعها من أن تكون بديلاً عربياً.

وأخيراً؛ رغبة ومصلحة اللاجئ نفسه لما يرى في أوروبا من حلم يمكن أن يحقق له كل ما يصبو إليه.

هذا الرباعي يشكل معادلة لا يمكن التأثير عليها ولا كسر أضلاعها على الأقل في الأفق المنظور.

وعند الرجوع إلى المدرسة الألمانية وطرقها في إدارة الرأي العام نجدها تطبق ما يسمى "سيكولوجية الشعوب"، والاهتمام بالروح الوطنية والروح الخاصة بكل شعب من الشعوب، وهي أساس فكرة "هيجل" في كتابه "فلسفة التاريخ"، وهذا ما ذكره عميد كلية الإعلام الدكتور كامل خورشيد في كتابه "مدخل إلى الرأي العام"، وأشار إلى نظرية أخرى تساند "هيجل" بقوله: "إن الخبرة الألمانية ربطت مفهوم وظاهرة الرأي العام بنظرية الدولة، كما قدم ذلك جاكوب فرايز 1803م في كتابه -فلسفة القانون نقد وتشريع- والذي اعتبر أن الرأي العام هو أساس حكم القانون داخل الدولة".

وهنا استطاعت الحكومة الألمانية توظيف حاجتها الحقيقة والملحة إلى اللاجئين إليها في صورة إنسانية رائعة وتجربة أوروبية مميزة، فحققت بذلك سد حاجتها من جهة، ورفع رصيدها الأخلاقي والإنساني من جهة أخرى.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة