عن إهانة المقدسات في موسمها الجديد

العالم الإسلامي أضاع جهوداً عندما استدرجه جدول أعمال التشويه، إلى نقاشات جوفاء عن حرية التعبير.

الخميس، 15-01-2015 الساعة 17:54


يجلس أحدهم في مكتبه ويشعل حريقاً عابراً للقارّات. تتأجّج المشاعر، وتُسكب الدماء، ويحتشد القادة، وتباع ملايين النسخ، ثمّ تتصاعد أعمدة الدخان مجدداً.

هي ليست قصة "شارلي إيبدو" وحدها، بل هي الحال التي تفاقمت معها صناعة إشعال الحرائق الثقافية في سنوات عشر، فكادت أن تحيل القرية الكونية إلى غابة موحشة.

يحصل الرسام على حَصانة، ويحظى بالتكريم، ما دام أنّه استعمل نفوذه في مواجهة الإسلام والمسلمين، مقتفياً تجارب متجذرة في عصر الظلام الأوروبي. يَؤُول أحدهم بضربة ريشة واحدة إلى فارس حرية التعبير، على الرغم من وفرة الخطوط الحمراء التي لا يجرؤ على تجاوزها. ويلتحق بالجوقة مؤلفون ومخرجون ومثيرو ضغائن في حقول الفن والأدب والإعلام.

على ربع البشرية أن تصمت وتصفق، بل تتوجّه المطالب إلى المسلمين بأن "يتسامحوا" مع الإساءة لمقدسات دينهم وإهانتها. وكثيراً ما يتم التلويح بالتجربة الأوروبية في هذا المضمار، فهي نموذج على "سعة الصدر" وعدم التبرّم من النيل من المقدسات، والتعايش بطيب خاطر مع الإساءة إليها.

هو خطاب ينضح بكثير من المركزية والاستعلاء؛ فهل تبرر تجارب بعض الأمم الأوروبية في "إهانة" ما تعتبره مقدّساً دينياً؛ تقمّص الآخرين الموقف ذاته؟ وهل يجب على مجموعة من البشر أن تتقبل سلوكاً ما؛ لمجرّد أنّ مجموعة أخرى استساغته؟ وإلى أي مدى ينبع هذا المنطق من تصوّر استعلائي؛ يفرض التجربة الذاتية التي تراكمت ضمن إقليم جغرافي بعينه على البشرية كافة ويقدمها على أنها نهاية التاريخ؟

ثمة حاجة إلى نبش المصطلح؛ ذلك أن مفهوم حصانة المقدّس من المساس، قد ينحسر ضمن مجتمع ما عن المعتقد الديني، دون أن يتلاشى بالكامل، بل إنه يتمدّد غالباً إلى مشمولات أخرى. يتم إسباغ الحصانة بصورة غير واعية على "مقدّسات" مفترَضة أخرى، بما يجعل الخوض فيها محسوباً بعناية ومرتفع الكلفة ربما. فالذائقة الجمعية، وتقاليد النظام العام في التكريم والتجاهل، وربما النصوص القانونية المتوالية، تتولى تسييج هذه المحظورات، وقد تحظر الإساءة إليها وتفرض رقابة مسبقة على ما يدور في الأذهان قبل أن تصوره الريشة أو يخطه الكاتب أو يجسده المخرج.

يصعد التمجيد ببعض المفاهيم والتصوّرات إلى مراتب تضفي عليها مسوح القداسة. ويكفي ما تحظى به "قيم الجمهورية" في فرنسا ذاتها من تقديس في الخطاب الرسمي وفي النهج الثقافي السائد، فهي غير قابلة للمساس تقريباً، أما اللائكية فتبقى فوق مستوى النقاش حسب ما نفهمه مثلاً من خطابات الرؤساء الذين تعاقبوا على الإليزيه. إنها "المقدّسات" التي تعلو على المساس إذ تصادفنا في البيئات كافة.

وفي غمرة المرافعات الجارية عن حرية التعبير، حاجةٌ إلى التفريق بين النقد والإهانة. فلا مجال للتساهل مع المساعي المنهجية لجرح المشاعر، وممارسة الإذلال المعنوي، والحطّ من كرامة منتسبي الأديان والثقافات، وتركيب الأجندات العنصرية الانتقائية على لافتات القيم. وقد لا نجد ما هو أسوأ من استدعاء القيم للتغطية على فعل التشويه والاحتقار، وتجييرها المصطلحات الجميلة لحساب حملات الإساءة المقيتة للمقدسات الإسلامية ولشركاء المجتمع والأسرة الإنسانية.

إنه وقت المصارحة. فمنذ واقعة "يولاندزبوسطن" الدانمركية، استسلم بعضهم عبر سنوات عشر خلت إلى إغراء الريشة التي تشعل الحرائق عبر القارات، وتثير الضغائن بين منتسبي الدوائر الثقافية. اندفع بعض الرسامين لتحقيق نبوءة هنتنغتون، مهما كلف الثمن، وحصدوا الشهرة والتكريم، وقد وجدوا من يدفع لهم أيضاً.

أما العالم الإسلامي فقد أضاع جهوداً عندما استدرجه جدول أعمال التشويه، إلى نقاشات جوفاء عن حرية التعبير. كانت المسألة في الواقع هي خطاب الكراهية وحمى العنصرية الانتقائية ودعاوى الخصام الثقافي، وتقويض الاحترام المتبادل، ومقتضيات التعايش السلمي. هذه هي قضية الساعة في عالم يتقارب على نحو لم يحدث من قبل في التاريخ.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة