عيد أم عاشوراء؟.. انفجار أم انفراج؟

في خضم مأتم الحزن العربي هذا، نتساءل: هل هو عيد أم عاشوراء؟ هل توقيع الاتفاق الأخير انفجار أم انفراج؟

السبت، 18-07-2015 الساعة 12:22


كأن أمة العرب تمرُّ هذه الأيام بأغرب أعياد الفطر السعيد بتاريخها الحديث، ففرح العيد هذا العام وتهانيه وأحاديث مجالسه يمازجها "لـطـــم فكري" على تبِعات الاتفاق الأخير بين إيران وأمريكا، ويكاد بعض الكّتاب أن يعلن حلول ما يشبه "يوم القيامة" بأمة العرب من شدة التهويل والعويل على الاتفاق بين الشقيقين الحميمين؛ أي إيران وأمريكا! وفي خضم مأتم الحزن العربي هذا، نتساءل: هل هو عيد أم عاشوراء؟ هل توقيع الاتفاق الأخير انفجار أم انفراج؟ وهل ستنافس الغالبية العربية السنية، ولأول مرة بالتاريخ، أقرانهم الشيعة في مهارات "اللطم" وشق الجيوب، وهم يشاهدون الولي الفقيه يصافح "الشيطان الأكبر"، والعم سام يتصالح مبتهجاً مع "محور الشر"؟!

بادىء ذي بدء: عيدكم مبارك أيها السادة، عيدكم سعيد، وبهيج، ومليء بالفرح والأهازيج، رغماً عن كل الأنوف، ورغماً عن أنف العم سام وصديقه الإيراني، يحق لكم أن تفرحوا بالعيد أيها السادة: فقد وقعت إيران اتفاقها مع أمريكا، وقد جفّت الأقلام ورفعت الصحف، وثبت النسب غير الشريف بين أمريكا وإيران، وظهرت شهادة الميلاد الحقيقية التي تنسب "محور الشر" إلى "الشيطان الأكبر"، وتُثبت أخوة الولي الفقيه للعم السام، من الآن وصاعداً لن نتجشم العناء لشرح الفرق الضئيل بين "عمامة" الولي الفقيه و"قبعة" العم سام، وهو اختلاف لا يتعدى خطوط الذوق الشكل والتصميم، فالإقرار سيد الأدلة، والاتفاق شريعة المتفقين، الإيرانيين والأمريكيين، وهي شريعة حميمة ضاربة بأعماق الغزل المتبادل والمصالح المشتركة، حتى لكأننا نستعيد ذكريات اتفاق أوسلو، حين ظهرت المفاوضات بين الإسرائيليين والعرب فوق الطاولة، بعد أن ظلت لعقود تتم من تحتها!

نستغرب جداً "حِـداد" بعض الراسخين في سياسة المنطقة وشؤونها وتشاؤمهم تجاه الاتفاق الأخير، وكأنه تم فجأة، وكأن إيران انقلبت على حين غرة من العرب، وصارت تمشي بالاتجاه الآخر، أي اتجاه الأمريكان..، وكأن الاتفاق هو مقدمة للأفعال، وتمهيد للتغيير!

الاتفاق الأخير هو مجرد "إطار" جميل مزخرف للصورة البشعة لتعاون إيران مع أمريكا واندماجهما في محور شر مركزي وموحّد! هو مجرد ظهور أخرق لرأس الجبل الإيراني المطمور ببحر المصالح الغربية والأمريكية، فثمة بائعة هوى لم تعد تستحي من الظهور علانية وإعلان فسقها وفجورها على الدنيا والملأ. .

لقد أنهى الاتفاق الأخير حالة غامضة مشوهة من التعاون السري، والذي تم لعقود، وظل مطموراً بشعارات ثورية منتهية الصلاحية، بين الأمريكان والإيرانيين، والذي بدأت تتوضح معالمه بشكل قوي من بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، إذ أصبحت إيران (كما كانت وما تزال!)، ذراع أمريكا الثانية الضاربة، في أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والوجه القبيح الآخر للأمريكان في المنطقة، من بعد إسرائيل طبعاً!

الاتفاق الأمريكي الإيراني هو واقع سياسي جغرافي إقليمي، وحقيقة مضى عليها زمن طويل تحت الشمس، وقلنا سابقاً في مقالنا "الجمهورية الإيرانية الثانية"، إن إيران قد استنفدت جميع شعاراتها الثورية والطائفية، وقد حان الوقت لأن تعدل وضعها في المجتمع الدولي، وأن تتمدد عمودياً، بعد أن نشرت الدماء والدمار أفقياً في محيطها الإقليمي.

لا يحق لنا أن نعتب أو نتضايق من الإيرانيين وهم يتلاعبون بنا ويتضاحكون من مآسينا برفقة العم سام، فالإيرانيون يمارسون عملهم، ودورهم، ويرعون مصالحهم، شأنهم شأن أصدقائهم الأمريكيين، كفانا لطماً ونواحاً! بل كفانا تعامياً وتجاهلاً للجانب المملوء من الكأس، فثمة نقاط إيجابية لذلك الاتفاق.

قلنا في مقالنا السابق الذي أشرنا إليه، بأن الاتفاق الضمني بين الإيرانيين والغرب يقتضي بأن تتنازل عن "بعض نفوذها" في محيطها الإقليمي العربي، وأن تمنح ذلك "الفتات" من النفوذ إلى جيرانها العرب المتوجسين، والعاتبين على العم سام تجاهله لهم، رغم كل الخير الذي بذلوه لواشنطن منذ القرن العشرين!

هي ليست صدفة أن تتحرر "عدن" فجأة، وبدون مقدمات، وبعد جمود مريب، بالتزامن مع توقيع هذا الاتفاق التاريخي بين الشقيقين الأمريكي والإيراني، كما أنها ليست صدفة انفراج العلاقات وزيارة "خالد مشعل" مع وفد حماس إلى المملكة العربية السعودية، أيضاً في هذه الفترة. نحن نعتقد، جازمين كما سبق وقلنا، بأن العرب سيحظون بنوع من النفوذ، والانفراج بأزماتهم، تمنحه أمريكا لهم، بالتنسيق مع إيران، وإلى حين!

الاتفاق الأخير أتى كالماء البارد الذي سيطفئ شرارة الغباء الطائفي الذي حرف كثيراً من شيعة المنطقة العربية عن "وطنيتهم"، وجعلهم يمشون كالموتى المحشورين باتجاه إيران، فقد تراجعت إيران عن وجهها الديني القبيح المغمور بدماء ضحايا طائفيتها (وغالبيتهم سنة رغم أن الشيعة العرب نالهم نصيبهم أيضاً)، والحقيقة هي أن إيران لن تدفع مقابلاً لأولئك الذين استخدمتهم وهددت بهم أوطانهم، وحاولت أن تجعل منهم إسفيناً يشرخ مجتمعاتهم.

آن لأولئك الطائفيين أن يدركوا أن رواتبهم وأعمالهم وأرزاقهم وحياتهم ومعايشهم ومصيرهم ونهايتهم هي مع، وفي، وبصميم أوطانهم، وفي صميم عمقهم العربي، وفي عمقهم الإسلامي الذي احتضنهم لعقود. فإيران لن تمنحهم أي منفعة أو مصلحة مقابل دفاعهم عنها وتبنيهم مواقف خاطئة في سبيل مصالحها.

آن لهم أن يفرقوا بين المصالح السياسية ودينهم وعقيدتهم، والذي لم ينازعهم عليه أحد منذ قرون، فما تزال مساجدهم وحسينياتهم ومقابرهم وعوائلهم وشركاتهم وتجارتهم قائمة منذ عشرات السنين، وستظل قائمة وبخير ما داموا ابتعدوا عن إيران.

آن لأولئك الطائفيين أن يستوعبوا الحقيقة بأن إيران طلّقتهم، وتركتهم وحدهم في صحراء الخليج العربي، فهي لن تجلبهم ليعيشوا بسلام وأمان ورخاء في طهران كما فعلت إسرائيل باليهود من حول العالم، وهم إن أرادوا أن يعرفوا مصيرهم ان استمروا بالمشي الأعمى نحو إيران، فلينظروا لمصير العشائر العربية الشيعية التي تعاني الإهمال والتردي في جنوب العراق ووسطه، فأولئك ليسوا بمكرّمين عند إيران، ولن يكونوا سوى أحجار في تنور مصالحها الإيرانية الخالصة!

آن لحكومات المنطقة أن تلتفت لعمقها الشعبي المخلص، من بعد أن صكت وجهها اليد الأمريكية التي وقعت بالدماء اتفاقها مع إيران، فالتحالف الحقيقي، والأبقى، والأسلم، هو التحالف مع الشعوب، بدلاً من التحالف مع الأمريكان، فالمصالح متبدّلة، ولكن الشعوب لا تتبدل!

لقد استطاعت إيران مد نفوذها إقليمياً عبر الطائفية القبيحة، والتي وجدت مع الأسف من يستجيب لها، فصنعت توازناً بالقوى مكّنها من مفاوضة الأمريكان وكسب الاتفاق الأخير، وتستطيع أنظمتنا العربية أن تمد نفوذها لقوى عربية وطنية خالصة، فالعقائد والاختلافات الأيديولوجية ليست ذات شأن أمام تحدي الوجود الذي يواجه الجميع: فنحن العرب، من بعد الاتفاق الأخير، أمامنا فرصة لامعة للعمل والاستدراك، ولاتخاذ القرار بأن نكون أو لا نكون!

عيدنا هذا العام سعيد، لأنه تزامن مع وقت جني الثمار لانكفاء إيران المؤقت على نفسها لبناء جمهوريتها الثانية، فهي مازالت جسدا جريحا، انطلق لتوه من عقال، ويسعى لقوة افتقدها، وحتى ذلك الحين، ينبغي الإستثمار الأمثل في المساحات الفارغة التي ستتركها إيران، وهي مساحات عربية بامتياز، ومساحات سترضى أمريكا لحلفاؤها العرب أن يستغلوها (إن أرادوا!). آن لطاقة اللطم والنواح العربية الهائلة، والتي تكفي لتشغيل مفاعل من مفاعلات إيران النووية، أن تتوجه نحو البناء والعمل في مشروع مضاد لمشروع إيران الذي أثمر مؤخرا، فها هي الفرصة الجديدة السانحة قد حانت للعرب!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة