غزة تفضح "المتصهينين" العرب!

لم تقتصر دماء الشعب الفلسطيني في غزة على فضح الخذلان العربي المتعارف عليه، بل هذه المرة كشفت التواطؤ العربي مع الصهاينة.

الجمعة، 08-08-2014 الساعة 05:05


العدوان على غزة هذه المرة يختلف عن الحالات التي سبقت من قبل، وستحدث تحولات في المرحلة القادمة بلا أدنى شك، بعدما فاجأت المقاومة مخابرات العالم بقدراتها العسكرية الذاتية الخارقة مقارنة بما كانت عليه من قبل. لقد جاء هذا العدوان في ظروف استثنائية يمرّ بها العالم العربي في ظل الثورات الشعبية التي هزّت أركان أنظمة فاسدة ومستبدة. كما جاء أيضاً مع موجة ثورات مضادة بدأت في مصر، حيث انقلب وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسي على الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، ثم تمددت نحو ليبيا من خلال الجنرال حفتر، وحاولت أن تجد لنفسها موطئ قدم في تونس، ولكنها لم تفلح، لحد الآن على الأقل. أما سوريا فهي تعيش ثورة مضادة دولية وموازية لثورتها الشعبية قبل سقوط نظام بشار الأسد رسمياً.

لم تقتصر دماء الشعب الفلسطيني في غزة على فضح الخذلان العربي المتعارف عليه، سواء على مستوى الدول العربية أو جامعة القاهرة، التي تسمى مجازاً "الجامعة العربية"، بل هذه المرة كشفت التواطؤ العربي مع الصهاينة، وتجلّى ذلك في لجوء بعض الحكام إلى تصفية حساباتهم الإيديولوجية والسياسية مع "الإخوان"، ليس في مصر فقط، التي هي مجاورة لغزة وتشارك في حصارها، بل في غزة نفسها، ذلك أن حركة حماس تحسب على هذه الجماعة، لذلك من حرّضوا السيسي ودعموه على أن يشرب من دماء المصريين في رابعة العدوية وغيرها، الآن يحرّضون - بطرائق مختلفة - "إسرائيل" على أن تدفن في الأنفاق المقاومة الفلسطينية المتكونة من فصائل عديدة يريدونها أن تدفع الثمن غالياً بسبب تحالفها مع حماس في الدفاع عن الأرض والعرض.

العدوان على غزة، وبوتيرة أكبر مما كان عليه الأمر في نهاية 2008 وبداية 2009، أظهر هذه المرة بعض الأصوات من المحسوبين على الليبراليين والعلمانيين، حتى السلفيين، وهي تحمّل حركة حماس المسؤولية في ظرف نرى فيه غزة تحترق بصواريخ الصهاينة التي تدكّ البيوت على رؤوس المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وعجزة. هؤلاء الذين تصهينوا أكثر من الصهاينة، وجعلهم خلافهم مع "حماس" بسبب الإخوان يتحوّلون إلى أعداء، يزايدون في عداوتهم على بني صهيون. فيوجد من يتّهم حماس بأنها تحرشت بإسرائيل، ويوجد من يحمّلها مسؤولية كل ما يحدث، ويرددون أسطوانة الصهاينة حرفياً في أغلب الأحيان. الغريب أن هذا الكلام يأتي من أطراف لا تعترف أصلاً بالكيان العبري وتراه محتلاً، لذلك من المفروض أنه لا مجال للتحرش الذي يدّعونه، ما دام الأمر يتعلق بمحتل وليس بدولة جوار، فلا بد للشعب الفلسطيني أن يقاوم، ولا بد لكل من يؤمن بقيم التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها أن يساند أهل غزة، ولو كانت "إسرائيل" ترشّهم بالورود وهم يردّون عليها بالبارود، لأن القضية تتعلّق بالاحتلال، والمحتل يبقى محتلاً، سواء فعل الخير أو الشر كعادته.

لم يقتصر الأمر على بعض الأنظمة العربية، بل كشفت مواقع التفاعل والتواصل الاجتماعي مدى التصهين العربي، وتأكد من خلال ما نقرأ من كتابات أن "إسرائيل" تحتل مساحة أرضية قليلة، لكنها احتلت مساحات شاسعة لا حدود لها في العقول العربية، وتحريرها يحتاج لثورة فكرية طويلة المدى. لقد تأكد للعيان أن هؤلاء المتصهينين العرب لو كانوا في بداية بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لاتهموا المسلمين بالتحرش بقادة قريش لما أمرهم ربّهم أن يصدحوا بما يؤمرون، ولو حضروا تعذيب آل ياسر لاتهموا أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها بـ"التحرّش" بأبي جهل، الذي بقر بطنها بعدما بصقت في وجهه.

الأمر لم يبق في دائرة التصهين من عموم الناس عبر التفاعل الاجتماعي في مواقع الإنترنت، بل تعدى إلى إعلاميين و"مثقفين" وبعض وسائل الإعلام العربية التي صارت عبرية أكثر من قنوات نتنياهو، فهذه تسمي شهداء غزة بالضحايا، وتلك تدس السم في الدسم من خلال أخبار كاذبة موجهة تحاول من خلالها تبرير جرائم الصهاينة وتحريضهم بطرائق مختلفة. وأخرى تأتي بمحللين أمنيين وسياسيين يدافعون عن مبادرات لا هدف لها سوى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، حتى تتحول إلى مجرد قطيع من المواشي يذبحهم الصهاينة في وضح النهار!

الغريب أن الكثيرين لم يجدوا ما يبرّرون به جرائم غزة سوى فرضية وجود علاقة بين حماس وطهران، ولا أحد من هؤلاء يحمّل الدول العربية والإسلامية مسؤولية التخلي عن هذه المقاومة، وجعلها ترتمي في أحضان الشيطان من أجل الحفاظ على وجودها، إن كان ما يقال عن إيران صحيحاً طبعاً.

الأغرب من كل هذا أنه يوجد من جعل حملات فضح التصهين العربي مجرد حركة تكفيرية، وآخرون يرونها تخويناً، ويوجد من يدافع عن حقه في حرية التعبير والرأي المخالف. مع أن الذين يحمّلون المقاومة المسؤولية وهي تقاوم أبشع عدوان، لا يشبههم سوى مَن وجد امرأة تغتصب في بيتها، وبدل أن يدافع عنها ويدفع هذا الغريب المغتصب، تركه يواصل عمليته القذرة، وراح هو يلومها على تحرشها بلباسها أو زينتها، وهي تستغيث به. وهذا لا يوجد له أي وصف في الاصطلاحات العربية المعروفة، سوى أنها "دياثة" ستلاحق صاحبها إن كان حياً أو ميتاً.

القضية في غزة وسوريا ليست وجهات نظر يُختلف فيها بين الناس، بل القضية تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، وحرب إبادة يمارسها المحتل الصهيوني والغزو الصفوي، وكل من يبرّر هذه الجرائم، سواء بالقول أو الفعل، يجب أن يحاسب كمجرم أيضاً، ولا يجب أن يفلت من العقاب. القضية تتعلق بالعدالة الدولية وليس بحرية التعبير والرأي، وعندما يلقى القتلى عقابهم، رغم واقع الإفلات من العقاب الذي صار عقيدة راسخة تهيمن على المجتمع الدولي، حينها يمكن أن نتناقش فكرياً واستراتيجياً وتاريخياً عن حرب غزة وسوريا وعلى كل المستويات. وطبعاً من حق كل واحد أن ينتقد حركة حماس وفصائل المقاومة، أو يشيد بها، لكن ليس في أثناء مواجهة العدوان على غزة، فالأَولى صد الجلاد وليس نقد الضحية، مهما كانت أخطاؤها، وبعدها لكل حادث حديث. فلسنا ضد الانتقاد، ولكن عندما يتحول الأمر إلى انتقام، كما يحدث، فهذا جريمة لا يمكن أن يوصف أصحابها إلا بالمتصهينين مع سبق الإصرار والترصد.

أجزم أن الكثيرين من المتصهينين العرب يتبعون حكامهم فقط، فلو غيّر هؤلاء الحكام مواقفهم نحو دعم المقاومة، فستجدهم، إن كانوا متدينين، يفتشون في الكتاب والسنّة على حروف الحاء والألف والسين كي يشيدوا بحماس، وسيطوون لأجلها أعناق النصوص الشرعية. وإن كانوا ليبراليين وعلمانيين سيختلقون النظريات والأخبار التي تجرم الصهاينة وترفع من شأن المقاومة. لذلك، التصهين العربي ليس ظاهرة عابرة ولا هو "ائتلاف إقليمي مع إسرائيل" فقط، على حد تعبير حكومة نتنياهو، بل هو داء عضال ينخر في القيم الإسلامية والعربية، والذين يدافعون عنه لأنه يخدم مصالحهم، سيأتي عليهم يوم ويشربون العلقم من أقداح هؤلاء الذين يؤجرون أفواههم وأقلامهم ومناصبهم، ويحاولون التقرب من عدو يحتقرهم بلا شك.

أخيراً، وليس آخراً، تستحق غزة كل الشكر، رغم الدماء والدموع التي تهزّ الجبال الراسيات، لأنها فضحت التصهين العربي من خلال هؤلاء الذين يحلبون نهود أخواتهم وبناتهم على مرأى الأعداء وفي أقداحهم أيضاً، وهؤلاء صاروا يحتاجون إلى العلاج النفسي قبل الوقوف أمام القضاء، كي يعاقبوا على جريمة الإشادة بالإرهاب والتحريض على الجرائم ضد الإنسانية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

تونس | الناطق باسم الحماية المدنية: ارتفاع حصيلة الفيضانات إلى 5 وفيات وفقدان شخصين