فارس ترجل عن صهوة جواده وبقي حياً في قلوب المسلمين

نتكلم عن العلامة الدكتور مكي حسين الكبيسي، الذي دافع عن المظلومين في كل بلاد العالم الإسلامي من خلال خطبه ومواعظه ودروسه الخاصة والعامة.

الأحد، 14-08-2016 الساعة 17:50


اليوم يودع العالم الإسلامي الرجل الذي عرفه أهل العلم، وعرفته المساجد والمدارس والجامعات، بتواضعه وكرمه وخُلقه العظيم، ترجل الفارس عن صهوة جواده.. آن الأوان له أن يرتاح من عناء أيام خلت، عندما نتكلم عن سيرة عالمٍ مجاهدٍ، هو العلامة الدكتور مكي حسين الكبيسي، دافع عن حقوق المظلومين في كل بلاد العالم الإسلامي من خلال خطبه ومواعظه ودروسه الخاصة والعامة، حيث كانت دروسه لا تخلو من ذكر فلسطين، وبورما وأفغانستان، والشيشان، فضلاً عما كان يحمله من هم على العراق، وغيره من البلاد التي ظُلم فيها المسلمون، وعندما دخل الاحتلال الأمريكي إلى العراق كان أول من دعا إلى خروج الناس إلى الميادين، والوقوف بوجه الاحتلال، وعندها قال قوله المشهور في بداية دخول الاحتلال: "إن الاحتلال الأمريكي لن يكتفي بتقسيم العراق، وإنما سيقسم المنطقة إلى دويلات صغيرة يستطيع من خلالها تمرير مخططاته الخبيثة"، وبقي هذا العالم الجليل على نفس مبدئه من الاحتلال إلى أن خرج من العراق، وبعد خروج الاحتلال لم يتقاعس عن مهمته الدعوية، فعندما دبت فتنة الطائفية المقيتة، تصدى لها، وأعلنها مدويةً أمام الطائفيين: أن لا بد للعراقيين أن يتوحدوا من أجل ان يُفشلوا مخططات الاحتلال، وبقي يدعو الله تعالى أن يحفظ العراق جميعاً في كل خطبه، بل كان يردد دائماً: اللهم احفظ أنبارنا وبغدادنا وكربلائنا وموصلنا ونجفنا، كان يمر على ذكر كل المحافظات بأسمائها من أجل أن لا يفرق بين أبناء العراق.

انتهج العلامة الراحل منهج الوسطية والاعتدال في كل المحافل، وأسس لتجديد الخطاب الإسلامي على مبدأ التسامح والمحبة وتقبل الآخر، وكان في كل لقاءاته مع العلماء وطلاب العلم والسياسيين يردد: "فلنعمل في المتفق عليه، ويعذر بعضنا البعض الآخر فيما اختلفنا فيه"، كان هذا بالنسبة لمنهجه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أما على الصعيد الاجتماعي فقد كان- رحمه الله تعالى- مصلحاً بين كل الناس، يحضر كل مناسباتهم سواءً كانت أفراحاً أم أحزاناً، وكان أصحاب هذه المناسبات لا يدعونه يترك المجلس دون أن يتكلم.

عرفته منابر الفلوجة صداحاً بالحق، لا يخشى في الله لومة لائم، كان رحمه الله يكاد يكون العالم الوحيد في علم أصول الحديث على ضفاف نهر الفرات، لم يتهاون في إلقائه للدروس الخاصة بعلم الحديث النبوي سواءً في بغداد أم باقي المحافظات، لديه العديد من المؤلفات، وتخرج على يده المئات من طلاب العلم والعلماء.

أوكلت إليه رحمه الله تعالى عدة مناصب رفيعة سرعان ما تخلص منها ليتفرغ لطلاب العلم، وآخرها عمادة كلية الإمام الأعظم، وأشرف وناقش مئات الرسائل لمراحل الماجستير والدكتوراه في مختلف الجامعات العراقية، وتعرض لعدة مضايقات من قبل النظام السابق بسبب صراحته وطرحه للأمور بأسمائها الحقيقية، وكان زائراً مستمراً لمديرية الأمن في الأنبار؛ بسبب شجاعته في قول الحق، وبعد احتلال العراق في عام 2003م ، تعرض لعدة محاولات اغتيال من قبل المتطرفين الذين حاولوا إسكات صوت الاعتدال والوسطية، وأبى الله إلا أن يحفظه من هؤلاء المجرمين.

في بداية عام 2014م، هاجر مع أهله إلى كردستان العراق (أربيل)، وبقي هناك يُعلم العلم الشرعي، ويقوم بواجبه الإسلامي والأخلاقي تجاه أهله الذين يسكنون المخيمات ويعانون من ظلم التهجير، وكان طلب من الله الشهادة فنالها، وخرج من الدينا ولكن أي خروج! خرج بصحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما رآه أحد الناس في المنام وهو لا يعرفه، فجاء إليه في المستشفى وأخبره أه رأى في الرؤيا أن رسول الله اصطحبه معه.

استبشر الجميع من حوله بأن الشيخ سيشفى من مرضه، ولكن الله قضى أمراً كان مفعولاً عندها قال الشيخ مكي رحمه الله تعالى هذا رسول رسول الله، جاء ليأخذني إلى الله تعالى، ولم يمض إلا يومان حتى انتقل الشيخ العلامة الدكتور مكي حسين الكبيسي إلى مثواه الأخير إلى الله تعالى.

طبت حياً وميتاً يا أيها المُحَدِّث الجليل، فوالله إننا نشهد أنك أديت الأمانة قدر ما استطعت وزيادة، رحمك الله يا شيخنا وأسكنك الله الفردوس الأعلى.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة