فتّشوا عن إيران كلما تستهدف السعودية (2)

التهديدات قد تكون بسبب الرعب الذي يجتاح إيران وهي ترى الحوثيين يتهاوون أمام ضربات قوات التحالف بقيادة السعودية.

السبت، 30-05-2015 الساعة 14:23


ذكرنا في الحلقة الماضية مؤشرين هامين حول اتهام إيران في استهداف السعودية، حيث تحدثنا عن بعض الوثائق الاستخباراتية التي تكشف عن محاولات ضرب الأمن السعودي، كما تحدثنا عن وثيقة أخرى تكشف بعض الخفايا عن تمدد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ"داعش". ونواصل الحديث في هذه الحلقة عن مؤشر آخر مهم يثبت بدوره ما نحن بصدد الحديث عنه.

3- تهديدات إيرانية ضد السعودية

تهديدات إيران للسعودية قديمة ومتجددة، لكنها تعالت وتزايدت أكثر منذ اندلاع "عاصفة الحزم" في اليمن، وهي مؤشرات أخرى تضاف إلى وضع ملالي طهران في دائرة الاتهام عند كل عملية إرهابية تضرب المملكة العربية السعودية ولو تبنتها تنظيمات متطرفة محسوبة على السنّة، أو أي محاولات قد تحدث لتحريك الشيعة السعوديين.

التهديدات قد تكون بسبب الرعب الذي يجتاح إيران، وهي ترى الحوثيين يتهاوون أمام ضربات قوات التحالف بقيادة السعودية، وطبعاً ليس كل من يهدّد يكون متورطاً، ولكن الأمر يختلف مع الدولة الصفوية ذات السوابق مع بلاد الحرمين، وأيضاً ما قامت به في عدة دول عربية بداية من الأحواز التي تحتلها منذ 1925، ومروراً بسورية والعراق ولبنان ثم اليمن، والحبل على الجرار في دول أخرى وعلى رأسها الدول المغاربية في شمال أفريقيا. لقد اشتدّ الخطاب المعادي للسعودية وتوسّعت الحرب الدعائية ضد حكامها من قبل مسؤولين إيرانيين ووسائل الإعلام الرسمية أو تلك التي تسيطر عليها الدولة، ووصل لدرجة لم يسبق لها مثيل منذ عام 1987 أثناء أحداث تظاهر فيها إيرانيون في مكة المكرمة، وأدى ذلك إلى سقوط مئات القتلى ووقف العلاقات الدبلوماسية بشكل مؤقت.

في سياق تهديد السعودية، نجد أن المسؤول الأول في إيران، علي خامنئي، قد حذّر في 14 أيار/ مايو 2015، عقب اجتماعه مع الرئيس العراقي فؤاد معصوم، من أنّ "السعوديّين قد ارتكبوا خطأ كبيراً في اليمن، وأنهم حتماً سيتضرّرون من جرّاء ذلك".

وسبق أن ألقى خامنئي في 9 نيسان/ أبريل 2015 خطاباً حذّر فيه الرياض من أنّ التدخل في اليمن سيؤدي إلى الفشل، قائلاً: "سيخسر السعوديّون حتماً في هذا....وسيمرّغ أنفهم في التربة"، وذهب خامنئي لدرجة التطاول على حكام السعودية بزعمه أنّ "العديد من الشباب عديمي الخبرة قد تولّوا شؤون [المملكة العربية السعودية]، واختاروا الهمجية سبيلاً بدلاً من اللباقة وحتماً سيدفعون ثمن ذلك"، على حد قوله.

وتواصل غضب خامنئي تجاه ما يجري في اليمن عبر خطاب ألقاه في 6 أيار/ مايو، حيث لم يقتصر على السعودية بل طال أمريكا أيضاً، حيث قال: "أنتم ترون أنّ لا مبرّر لما تقوم به حكومة المملكة العربية السعودية في اليمن...فلا يمكن تبرير السبب وراء إرسال طائرات لاستهداف الناس والبنى التحتية.."، ثم أضاف قائلاً: "لقد اختارت الأمّة الإيرانية طريق النهاية السعيدة، الطريق الصحيح...وسوف تنجح باختيارها".

أما في خطاب آخر ألقاه في 16 أيار/ مايو 2015 فقد وصل فيه لحد القول: "حتى الوثنيين في مكة المكرمة كانوا يعمدون إلى وقف الحرب في الشهر المكرّس [رجب]. واليوم أولئك الذين...يقصفون اليمن مائة مرة، ومائتي مرة في أربع وعشرين ساعة هم أسوأ وأقبح من وثنييّ مكة المكرمة". بالإضافة إلى ذلك، وصف إيران بأنها "محور الصحوة" في الشرق الأوسط، ثم ألمح إلى أنّ السعوديين يقاتلون عبثاً هذا المحور منذ 35 عاماً.

مسؤولون إيرانيون آخرون عبّروا عن مشاعر العداء للسعودية على غرار ما جاء به مرشدهم الأعلى، ففي 27 نيسان/ أبريل 2015، قال اللواء محمد علي جعفري، القائد العام لقوات "فيلق الحرس الثوري": إن "شاء الله، ستؤدي موجة التطورات المقبلة في المنطقة إلى انهيار آل سعود...[الذي] هو على شفير الاختفاء...ونحن نأمل أن يحدث هذا الأمر قريباً...فقد تتبّع اليوم الخائن السعودي خطا إسرائيل الصهيونية". كما وصف حراك الحوثيين بأنه أحدث إنجاز للثورة الإيرانية التي سماها الإسلامية، مشيراً إلى أنّ "مصير كلّ من يقف في طريق هذا الإنجاز...سيهزم شرّ هزيمة".

وفي 2 أيار/ مايو 2015، رئيس ديوان مكتب خامنئي، محمد محمدي كلبايكاني صرّح قائلاً: إنّ "الناس الأبرياء في اليمن يموتون بالقنابل السعودية...وبالتأكيد أن آل سعود سيسقط قريباً بنعمة الله". وفي اليوم نفسه، تباهى سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، بأن "مصير آل سعود سيكون مثل مصير صدام".

ويوم 11 أيار/ مايو 2015، قال مجتبى ذو النور، كبير مستشاري ممثل المرشد الأعلى في الحرس الثوري: إن "القرآن الكريم قد أذن لنا القضاء على إسرائيل، ولكن من الذي أعطى السعوديين مهمة إبادة اليمن، ولماذا يجب على أمريكا أن تدعم السعودية؟".‎

أما في 27 نيسان/ أبريل 2015، فقد انتقد قائد فيلق الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، المملكة العربية السعودية بسبب تدخّلها العسكري الأخير في اليمن، واصفاً السعوديين بـ"الخونة" وبأنهم "يسيرون على خطا إسرائيل" من خلال "القصف والقتل الجماعي" للشعب اليمني "بوقاحة وبصورة مخزية". واعتبر أن العدوان السعودي المتزايد في المنطقة يتطلب استجابة أكثر صرامة من طهران.

لم تأت التصريحات الإيرانية من فراغ، بل جاءت بسبب غرق إيران في الشأن اليمني، الذي تجاوز كل الحدود، وبلغ الأمر إلى حد اعتبار سيطرة الحوثيين على العاصمة هو انتصار للثورة الخمينية، وصل حال كبير مستشاري ممثل خامنئي في الحرس الثوري، مجتبى ذو النور، أن هنّأ "الشيعة في اليمن"، معتبراً أن "انتصار الجمهورية الإسلامية في اليمن سيفتح الأبواب أمام غزو المملكة العربية السعودية"‎.

كما ظلت إيران ترسل سفناً إلى اليمن خلال عملية التدخل التي قادتها السعودية، وحذّر المسؤولون الحكوميون الدول الأخرى من الاعتراض لها، مدّعين بأن هذه السفن تحمل مساعدات إنسانية. وفي 13 أيار/ مايو 2015، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية مرضيه أفخم: "لا يُسمح لتلك الدول التي هاجمت اليمن بتفتيش السفن الإيرانية".

كما أن مساعد قائد أركان القوات الإيرانية الجنرال، مسعود جزايري، حذّر السعودية والولايات المتحدة على وجه التحديد، معلناً أن التدخّل في شؤون السفينة الإيرانية التي كانت متجهة إلى اليمن سيؤدي إلى "إشعال نار الحرب التي قد تخرج عن نطاق سيطرتهم"، مضيفاً: أن "هناك حدود لضبط النفس الإيراني".

من جهتها، الرياض اتهمت طهران باستخدام السفن والطائرات لإعادة تزويد الحوثيين بالسلاح. وتنفي طهران هذا الدعم بنفس الطريقة التي نفت فيها دعمها العسكري لتنظيم "حزب الله" في لبنان على مرّ السنين، وتدّعي بدلاً من ذلك أن مساعداتها هي إنسانية وسياسية فقط، وثبت مع مرور الوقت أن كل تلك الادعاءات مجرد أكاذيب وأن الحزب هو حزبها في الشرق الأوسط، حيث تموّله بالمال وتمدّه بالسلاح.

لم يقتصر الأمر على جهات رسمية إيرانية، بل أن رجال الدين الشيعة في إيران والعراق ولبنان، تعاطفوا بشكل علني وصريح مع مليشيات الحوثيين، كما أنهم ظلّوا يدينون ويهدّدون السعوديين مختلف التهديدات، وصل الأمر بادعائهم أن المهدي سيخرج وينتقم من السعودية، فضلاً عن اتهامات أخرى كثيرة ومتنوعة.

نذكر على سبيل المثال، أنه خلال خطبة ألقاها عضو "مجلس الخبراء"، أحمد خاتمي، في 8 أيار/مايو 2015، وصف خاتمي أعضاء الحكومة السعودية بـ"رجال الموت"، وزعم أن سياستهم في اليمن هي نفس سياسة "إسرائيل" في غزة. كما هنأ "الشعب اليمني" على "قتاله ضد السعوديين وفي الحقيقة قتاله ضد أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني"، على حد تعبيره.

بالنسبة للمليشيات الإيرانية في الخارج فتهديداتها كثيرة جداً ولا تحصى ولا تعد، نذكر تهديدات حسن نصرالله زعيم ما يسمى "حزب الله" في لبنان، وهو مليشيا إيرانية بامتياز تابعة للولي الفقيه خامنئي.

حيث تحدث في خطاب ألقاه في 17 أبريل/ نيسان 2015، ومما قاله: إن "هناك خطراً على المسجد النبوي من داخل السعودية ومن أتباع الفكر الوهابي"، وقال إنه "بالعودة إلى التاريخ نجد أن الوهابيين دمرّوا كل الآثار الإسلامية في المدينة المنورة". وأضاف أن من "تبريرات العدوان هو التهديد المحتمل للسعودية وبعد العدوان تحول التهديد من محتمل إلى قطعي".

كما أوضح نصرالله أن "هناك من قال إن اليمنيين هددوا الحرمين الشريفين ولكن التهديد للحرمين هو من "داعش" أولاً"، وأضاف أن "داعش" عندما أعلنت خلافتها قالت إنها تريد أن تأتي إلى مكة وهم ينظرون إلى الكعبة كحجارة صماء.

وهذا طبعا تناقض صارخ وواضح وصريح مع ما تحدث به في خطاب سابق بتاريخ 27 مارس/ آذار 2015، لما اتهم السعودية بتمويل "داعش" لزعزعة الاستقرار في المنطقة، منوها إلى أنها استخدمت كل الوسائل لإسقاط بشار الأسد.

فهل يعقل أن تموّن السعودية من يهدّدها؟

تهديد آخر صريح أيضاً جاء في الاحتفال بالذكرى 22 لرحيل الخميني، لما قال نصرالله في خطابه: "ما يحضر لسوريا هو التقسيم، وإذا نجح سيصل إلى السعودية".

وبالمثل، حذر نائب الأمين العام لـ "حزب الله" نعيم قاسم، في مقابلة أجراها مع وكالة "أسوشيتد برس" في 13 نيسان/ أبريل 2015 بأن السعودية سوف "تتكبد خسائر فادحة جداً" و"تدفع ثمناً باهظاً" نتيجة لحملتها في اليمن.

أما عبد الملك الحوثي زعيم ميليشيا الحوثيين الإرهابية والقيادات الأخرى معه، فتهديداتهم للسعودية كثيرة جداً، ونذكر أنه وصف السعودية بـ"قرن الشيطان" في خطاب متلفز على قناته "المسيرة" بتاريخ 26 مارس/ آذار 2015. وقال الحوثي إن "كل الخيارات والحدود مفتوحة إذا لم يتم إيقاف العدوان" على حدّ تعبيره.

أما على المستوى الإعلامي، نجد رئيس تحرير صحيفة "كيهان" المحافظة والتابعة لخامنئي مرشد الثورة الخمينية، حسين شريعتمداري، ومن خلال مقال نشره في 12 أيار/ مايو 2015 وصف فيه العاصمة حكام السعودية، بأنهم "النظام الذي ارتكب جرائم كارثية"، وقال إنه "من الحق القانوني والديني لمسلمي اليمن مهاجمة حدود المملكة العربية السعودية".

هكذا نجد أن رجال الدين والسلطة والإعلام والميليشيات في إيران قد أجمعوا فيما بينهم على تهديداتهم الموجهة إلى السعودية داخلياً وخارجياً، واعتبارها مثل "إسرائيل"، كما ظهرت الكثير من الفيديوهات والتصريحات المنشورة إلى أن الحقد على السعوديين تجاوز ما يدّعونه من حقد على الصهاينة، أما التهديدات فقد تجاوزت كل ما يخطر على البال.

يتبع...

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة