فخ الحجاب

لدينا فئة من الفتيات غير المحجبات واللواتي لا يقتنعن بفرضية الحجاب رغم أنهن يعلمن أنه فرض.

الأربعاء، 23-03-2016 الساعة 14:14


أول تعارف بيني وبين ظاهرة الحجاب كان فعلياً في الصف الأول الابتدائي في مدرستي الحكومية التي كان الحجاب فيها إلزامياً، كان الحجاب بالنسبة لي وقتها زياً فقط لا أكثر، وفي الصف الثاني قررت أن أرتديه، عارضت والدتي ذلك بشدة ومنعتني (ربما علمت أن قراري جاء بحكم العادة لا أكثر)، ثم في نهاية الصف الثالث قررت مرة أخرى أن أرتديه؛ هذه المرة بإصرار أكبر، ولم ألق أي معارضة، وذهبت في اليوم التالي فخورة إلى المدرسة، وكان أول تعليق من أحد زملائي الصبية في الصف حين قال لي: "على فكرة لسا متذكر شكل شعراتك"، وهنا أذكر أني انفجرت ضاحكة، وقلت بما معناه إنك بالطبع ستذكر شكل شعري، هذا ليس المقصود من الحجاب.

رغم صغر سني، ورغم أني لم أعرف بالضبط ماذا يعني لي الحجاب، كنت أشعر به بالقوة، وبأني أميز وأكثر فهماً من الآخرين، وأقدر على تحمل المسؤولية، كنت الأولى في مدرستي التي تتحجب بهذا السن، وما لبثت صديقاتي أن لحقن بي في السنوات التالية، وكنت في كل مرة أشعر بالفخر أني جعلت الأمر سهلاً لهن.

في الصف السادس أنهيت حفظ القرآن، وكنت ماهرة بالتجويد، وبسرعة بدأت طريق إجازة التجويد، كل الجانب الإيماني بالنسبة لي كان في صعود حتى الصف الثامن، حين أجبرت على ارتداء النقاب كمرحلة متقدمة من الحجاب "الحقيقي"، وهو ما لم أقتنع به، ولن أقتنع به يوماً، منذ بدأ شكلي الخارجي يرتبط بطاعة لأوامر الوالد وليس طاعة لله.

بدأت علاقتي بالله تنحدر تدريجياً، وبدأت أفقد تلك الثقة التي كنت أمتلكها، ولم ألحظ ذلك وقتها أو أربطه بهذه النتيجة التي توصلت إليها الآن، ورغم أن رحلتي مع الحجاب انتهت بارتداء النقاب، فإنها فعلياً أصبحت أكثر عمقاً، كان في ذهني دائماً حاجز واضح بين الحجاب وبين النقاب، بين ما أمر الله به وما أنا مقتنعة به وما يجعلني أقوى، وبين ما يقيدني ويجعلني مشتتة، فشكلي الخارجي لا يعبر عما أومِنُ به، وهذا يجعلني بعيدة عن كوني صاحبة مبدأ، بابتعادي عن الشيء الذي أومن به حقاً بدأت أومن به أكثر، وبعد 11 سنة أجدني الآن أقدر على فهم فخ الحجاب بشكل أوضح، ربما يظن القارئ الآن أنني أشير إلى أن الحجاب في الصغر جعلني أُجر إلى النقاب، لكن هذا ليس هو الفخ الذي أود الإشارة إليه.

فلنتحدث الآن عن أزمة الحجاب التي نراها في الوقت الحالي، يسميها البعض هجمة شرسة على الحجاب، آخرون يرونها فتنة مفاجئة أو سوء تربية دينية من الأهل، أو كثرة مغريات أو نتيجة للحريات التي توصف بأنها "ما بتلبقلنا".

دعونا نركز على الظواهر الرئيسة المرتبطة بالحجاب والتي نراها بكثرة هذه الأيام:

لدينا فئة من الفتيات غير المحجبات واللواتي لا يقتنعن بفرضية الحجاب، رغم أنهن يعلمن أنه فرض.

لدينا فئة الفتيات المحجبات بالاسم، واللواتي لا يطبقن حدود الحجاب الشرعي بل يزدادون استعراضاً لأنفسهن بمجرد أن يضعن شيئاً على رؤوسهن يسمينه حجاباً.

لدينا صنف يظهر بكثرة هذه الأيام وهن الفتيات اللواتي يخلعن الحجاب، وغالباً خلع الحجاب مرتبط لديهن بحوادث اجتماعية معينة، العيش في بلد جديد وبيئة مختلفة، أو الطلاق، أو التحرر الفكري من التصرفات والعادات اللامنطقية المجتمعية أو الدينية.

ولدينا صنف الفتيات المحجبات حجاباً شرعياً لكنهن حقيقة لا يستطعن تغيير أي من الظواهر السابقة ويشعرن أن السبب مبهم ويخشين أن يتعرضن في المستقبل لشيء ما يزعزع قرارهن.

كل فتاة مسلمة تعلم يقيناً أن الحجاب فرض، لكن هناك مشكلة كبيرة في موضوع الاقتناع بالفرضية، لنبحث قليلاً في السبب:

إذا سألت مجتمعاتنا الإسلامية اليوم لماذا أتحجب؟ فستجد أصناف الإجابات الآتية:

إما أن يقال إن الحجاب هو تغليف للفتاة لحفظها تماماً كما نغلف الحلوى أو الأشياء الثمينة حتى لا يمسها الآخرون أو يقال لأن الجمال يجب أن يظهر للزوج فقط ولا أحد غيره يستحق أن يرى الفتاة، أو أن يقال إن الحجاب دليل الأخلاق، أو أن يقال إن الحجاب ردع للفتنة في المجتمع.

سنقوم الآن بعملية توصيل بسيطة بين الحجج التي نسوقها للحجاب، وبين الظواهر التي نراها كنتيجة لتلك الحجج.

فمن يقول إن الفتاة تتحجب لحفظها من باقي البشر يجد نفسه غير قادر على تبرير الأذى الذي تتعرض له المحجبة، أو حتى المنقبة، والذي قد يصل إلى التحرش والاغتصاب، وهنا تسقط فرضية أن الحجاب للحماية بالنسبة للفتيات المثقفات المتحررات فكرياً، ومن ثم لا يقتنعن.

من يقول إن الحجاب هو لحفظ ملكية الزوج في جمال المرأة، يجد نفسه أمام نساء يخلعن سلطة الرجل عنهن، ويخلعهن مع تلك السلطة الحجاب الذي ارتدينه فقط من أجل ذلك الزوج، وهنا الفتاة إن قررت عدم الزواج مثلاً أي إنها لا تملك من يستحق أن يرى جمالها، فكيف يمكن أن تقتنع بفرضية الحجاب؟

ومن يقول إن الحجاب دليل أخلاق يجد نفسه أمام ظاهرة فتيات يرتدين الحجاب لإثبات أخلاقهن، وهن في الحقيقة ناقصات خلق، وكنتيجة لذلك يعطين انطباعاً سيئاً للحجاب، وكنتيجة لذلك تجد غير المحجبة التي على خلق تقول: أنا أكثر خلقاً من كثير من المحجبات، فما حاجتي إلى حجاب يثبت أخلاقي؟

وهؤلاء الذين يقولون إن الحجاب هو لرد الفتنة عن المجتمع، لا يستطيعون أيضاً تفسير أن هناك مجتمعاتٍ الفتنةُ فيها مستشرية رغم أن النساء (أصل الفتنة) مستترات محتشمات، ولا يستطيع هؤلاء تفسير عدم سقوط فرضية الحجاب حتى في مجتمع آمن 100%، ولا يستطيعون تفسير عدم سقوط فرضية الحجاب عن القبيحة مثلاً التي لا يمكن أن تشكل فتنة!

إذاً نرى أن مشكلة الحجاب فعلياً هي مشكلة أن كل الأسباب التي نوردها للحجاب غير مقنعة، وما دام أن الفتاة غير مقتنعة فلا يمكن أن تصمد أمام ضغطٍ مهما قل أو كبر؛ لأنها لا تتصرف من مبدأ راسخ.

إن خطأنا يا سادة أننا نسينا مقصد الحجاب الحقيقي، الحجاب غير مرتبط بعلاقة المرأة بمجتمعها، ولا بزوجها، ولا ولي أمرها، ولا أي علاقة أفقية بين المخلوقين، الحجاب هو علاقة بين المرأة وخالقها فقط، علاقة رأسية لا أفقية، علاقة بثابت لاعلاقة بمتغيرات.

الحجاب هو أمر من الله تفعله الفتاة عندما تصل إلى مرحلة إيمانية تمكنها من تقبل أمر الله لها دون الحاجة لسبب، وهذا بالطبع يترافق مع ارتقاء سلوكي وأخلاقي.

دعونا نستذكر أصل القصة، فرض الحجاب على المسلمات في المدينة .. أي بعد مدة طويلة من البناء العقدي والإيماني على وجه الخصوص، وهذا يعني أن النساء طبقن هذا الأمر وقتها دون نقاش أو حاجة للإقناع، ليس لأنهن كنّ يعاملن من قبل كحلوى مكشوفة، وليس لأنهن ينشرن الفتنة في المجتمع المدني وقتها، وليس ذلك أيضاً كنوع من حفظ شرف أزواجهن الصحابة، ونوع من إظهار سلطة الرجال على النساء والتملك لجمالهن.. فعلن ذلك طاعة لله فقط.

كثيرون يظنون أن رحلة بناء الإيمان في المجتمع الإسلامي الأول تختلف عن بناء الإيمان في كل مسلم في أي وقت كان، يظن كثيرون أن الحجاب فرض وانتهى الأمر، واليوم الفتاة يجب أن تتحجب دون المرور بالتجهيزات المسبقة التي جهز الله بها ذلك الجيل الأول!

إن حقيقة الأمر بالحجاب المترافقة مع الصعود الإيماني هي في ذاتها حفظ لذلك الصعود ودافع لصعود أكبر، فكل أمر من الرب هو تربية، والتربية تضمن لنا عيشاً هانئاً وسلاماً داخلياً، وهذا لا يتحقق إلا بالتخلص من القيود الطينية التي تجرنا إلى الأسفل، إن الحجاب هو تربية للفتاة بالمقام الأول؛ فالفتاة كائن مجبول على حب الظهور؛ فكل الفتيات لديهن رغبة في أن يُنظر إليهن بإعجاب مهما تفاوتت نسب جمالهن.

هذه الرغبة الموجودة في الأنثى فقط قد تجرها إلى عبادة المظهر والتخلي عن مبادئها شيئاً فشيئاً حتى تنال الإعجاب، وهذا في حد ذاته قيد مهما بدا جميلاً. إن الروح لن تتحرر إلا إذا غيبنا في بعض المواقف سلطة الجسد.

الفتاة حين تتحجب تقول أنا الروح التي تسكن الجسد، والفكر الذي يسكن العقل والقلب، أنا لست شيئاً يُرى ويُتملك بل معنى يُفهم ويُشعر، وبهذا هي تربي نفسها أكثر على الاهتمام بالجوهر قبل المظهر في الأمور كلها، وتكون بذلك حرة من التصنيف الشكلي والحكم من النظرة الأولى، إذاً الحجاب في جوهره حرية المرأة المطلقة وقوتها.

تخيلوا معي إخوتي؛ لو أن كل فتاة متحجبة تعلم هذا الأمر تماماً، لو أن كل فتاة متحجبة الآن هي فتاة بمستوى إيماني عالٍ يترافق مع أخلاق وسلوك من مستوى معين؛ فهل سنرى محجبات بلا أخلاق؟

هل سنرى من يتحجج بدنو أخلاق المحجبات حتى لا تتحجب؟

هل سنرى من تتحرر من قيود المجتمع وقيود الزوج وترمي الحجاب مع كل ما رمت؟

ما معنى أي محاولة هجوم على ارتداء الحجاب بالنسبة لهذه الفتاة؟ ما معنى الحَر والتعب اليومي؟ ما معنى نظرات الناس لها؟ ما معنى كل موجات الإسلاموفوبيا؟ عندما تكون فتاة ترتدي الحجاب وهي تريد أن تقول للناس هذا مبدئي وهذا دليل علاقة بيني وبين الله لا يهزها شيء؟

إلى متى نظل يا إخوتي عمياً عن إصلاح الأخطاء من جذورها؟ إلى متى نظل نسيء لمعنى الحجاب الحقيقي بتفسيراتنا المادية؟ إلى متى نريد أن نظل خائفين أن تخلع فتاة حجابها دون سابق إنذار؟

لم لا نقول الحقيقة؟

لم نهاجم الفتيات اللواتي خلعن الحجاب ما دام أن تفسيراتنا هي الخاطئة؟ والله يجب أن نعتذر لكل أولئك.. فقد شوهنا بتفسيراتنا أجمل علاقة .. علاقة الفتاة بربها ..

الحل الآن هو بثورة على المفاهيم .. الحل يا أختي المحجبة لا أن تقاطعي صديقاتك اللواتي نزعن الحجاب، بل أن تحتضنيهن.. أن تسمعي آلامهن وتفتحي قلبك لكل أسئلتهن.. واللهِ نحن في وقت فتنة.. فتنة نحن صنعناها بأنفسنا.. فتنا أنفسنا بالابتعاد عن الفهم الصحيح للدين ..

الحل أيها الرجل أن تتخلى عن سلطتك على الفتاة، وأن تعلم أن سلطة الله عليها وعليك أقوى من أي شي.. ابتعد عن التسلط والسيطرة.. دعك من ذلك؛ فلا سلطة لبشر على بشر.. اعرف قدرك الحقيقي: إنما أنت منذر..فقط .. وإلا فأنت فتنة في الأرض وفساد كبير!

وهنا أعود إلى ما افتتحت به مقالتي.. كل تصرف لا يكون لله لن يؤدي بصاحبه إلا إلى الانحدار، ولو كان فعلاً عظيماً في نظر البشر كارتداء نقاب.. وكل تفسيراتنا البشرية المغلوطة ما هي إلا فخ يؤدي بالنهاية إلى أزمة الحجاب التي نعيشها.

أيتها الفتاة سيري في رحلتك الإيمانية .. اعرفي الله أكثر، وأحبيه أكثر، وبعد ذلك تحجبي عندما تجدين نفسك مستعدة لتكوني في الصف الأول للإسلام.. في كل يوم في كل دقيقة.. ترتدين الحجاب وتقولين بذلك أنا مسلمة، وهذا خلق الإسلام الذي ترونه فيَّ. أنا الإنسان الأقدر على إجابة أسئلتكم عن هذا الدين العظيم، وأنا الضوء الذي يدلكم على الطريق.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة