فرنسا الحالمة بالكابوس الجزائري

يبدو أن قياس مستوى العلاقات الجزائرية الفرنسية في الوقت الراهن أمر صعب جداً، بالرغم من أن كل المؤشرات تؤكد أنها سمن على عسل.

الجمعة، 04-03-2016 الساعة 18:16


يبدو أن قياس مستوى العلاقات الجزائرية الفرنسية في الوقت الراهن أمر صعب جداً، بالرغم من أن كل المؤشرات تؤكد أنها سمن على عسل؛ نظراً للتقارب الذي أصبح يلمس بين ساكني قصر الإيليزيه وقصر المرادية، ومستوى أرقام التعاون الاقتصادي والأمني بين الحكومتين في مجال مكافحة الإرهاب في المنطقة، ودعم جهود الجزائر في إحلال السلام في مالي وقبلها ليبيا، لكن المتابع للعلاقات السياسية بين البلدين يلمس حدة سلبية في نبرة التعامل الفرنسي في جانبه السياسي والإعلامي مع السلطة في الجزائر، ونحدد هنا الطبقة السياسية الفرنسية اليمينية ومختلف أذرعها الإعلامية التي لم تعد تتوانى عن تقديم صورة جزائرية تشابه ما يقع في بلدان الربيع الجارف كسوريا وليبيا، ولماذا تتحرك الآن لترعيب أوروبا مما تراه المستقبل المخيف للجزائر؟

الجميع يعرف مدى الهيمنة والتأثير الفرنسي في اللعبة السياسية الجزائرية، ودور باريس في تقديم الشرعية لفلان وعلان على رأس النظام القائم، سواء أكان الحكام في الإليزيه من اليمينيين أو من الاشتراكيين، لكن في السنوات الأخيرة، وخاصة مع صعود الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، لسدة الحكم في فرنسا شهدت العلاقات الثنائية تدهوراً لا مثيل له، حيث أدارت الجزائر ظهرها بصورة كاملة لمشروعين هامين قادهما نظام ساركوزي، وهما الاتحاد من أجل المتوسط الذي تحفظت الحكومة الجزائرية منه، ولم ترَ فيه مشروعاً يعود على البلدان الجنوبية بالفائدة، والمخطط الثاني كان قيادة فرنسا لغزو عسكري أجنبي أطاح بنظام دولة جارة هي ليبيا، حيث عبرت الجزائر آنذاك، وعلى مختلف المستويات، عن رفضها لتدخل الحلف الأطلسي بعيداً عن إرادة الشعب الليبي، ومنذ ذلك التاريخ تجمدت العلاقات بين الجزائر وباريس إلى غاية عودة الاشتراكيين إلى الحكم، ورجع الدفء إلى العلاقات بين النظامين، لكن اليوم في الوقت الذي تشهد فيه الجزائر نوعاً من الاستقرار السياسي والأمني مقارنة بدول الجوار، وحتى باقي الدول العربية، وبعيداً عن لغة الدبلوماسيين الذين يأتون إلى الجزائر تباعاً للالتقاء بالرئيس بوتفليقة المريض منذ ثلاث سنوات على الأقل، ويقولون هذا الكلام العاطفي حول الدور الإقليمي الذي تلعبه الجزائر في محيط إقليمي وعربي بائس، تشهد الأوساط السياسية الباريسية نقاشاً يعبر عن "قلق" من مستقبل الجزائر، هذا ما اتجه إليه مجلس الشيوخ الذي تخمن أنه يتجه إلى "الانهيار"، نفس الأمر ذهبت إليه الصحيفة اليمينية "لوفيغارو" قبل أسبوع؛ من خلال نشرها لملف من صفحتين مثير للجدل، وصفت من خلاله الوضع الاقتصادي والسياسي للجزائر بـ "القنبلة الموقوتة"، معتمدة على تحاليل بعض الصحفيين الجزائريين الذين لديهم مواقف معارضة وراديكالية من النظام السياسي القائم، البعض في الجزائر قرؤوا في هذه التحاليل مزايدات وتضخيماً معهوداً تنفخ فيه الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية تجاه الجزائر كلما كانت البلاد تعيش أزمة معقدة، حيث نفس الشيء حصل أيام السنوات الحمراء، حيث استخدمت بعض الدوائر الإعلامية الفرنسية شعار "من يقتل من؟" لزيادة الغموض حول الحالة التي كانت تعيشها البلاد من جراء الحرب الدائرة بين الدولة والجماعات الظلامية المسلحة.

نشر اليمين الفرنسي لتخوفه من "القنبلة" الجزائرية الموقوتة، وتسويق ذلك أوروبياً كما ترى الوضع بعينها لن يقرأ إلا في خانة تأزيم العلاقات أكثر بين هذا التيار والجزائر، وساركوزي الذي يريد العودة إلى قصر الإليزيه عبر بوابة حزب الجمهوريين فقد الثقة في علاقة جيدة مع نظام الرئيس بوتفليقة ولم يعد يراهن على هذا الأمر نهائياً، هذا عندما نقرأ مختلف الخرجات الأخيرة لهذا الرجل الذي لم يعد يتوانى عن التشكيك في قدرات السلطات الجزائرية في تنمية البلاد والبقاء واقفة في وجه التهديدات الأمنية وذهب لتهديد الجالية الجزائرية في فرنسا بمراجعة قانون الهجرة الذي يمنح مزايا معتبرة للمهاجرين الجزائريين، ونتذكر تصريح وزير خارجيته برنارد كوشنير، الذي هاجم الشخصيات الحاكمة في الجزائر واعتبرها معتمدة على الشرعية الثورية، وبمجرد ذهابهم من السلطة ستتحسن العلاقات مع الدولة الجزائرية. نظام الرئيس بوتفليقة يكون قد محا ساركوزي نهائياً من ذهنه ورحب بغريمه في التيار اليميني وزير خارجيته السابق آلان جوبي، وتم استقباله في القصر الرئاسي في زيارة رسمية فاتحين معه باب الحديث حول العديد من الملفات المشتركة بين البلدين في إشارة واضحة لغريمه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

البعض يقول إن الجزائر التي مرت بسنوات أمنية جد صعبة في تسعينيات القرن الماضي، وعرفت كيف تحافظ على تماسك الدولة والمجتمع، وقهر الوضع الأمني المتردي بفضل تضحيات الملايين من الجزائريين الذين لم يهاجروا في قوافل، ووقفوا صامدين في وجه آلة الموت، لن تعجزها أي ضربة أخرى بالنظر لتجربتها السابقة في هذا المضمار، اللهم إلا إذا كان هناك سيناريو خارجي يدبر بليل يعمل على العصف بوجود وكينونة الجزائر دولة وشعباً، هذا الأمر سيكون معه حديث آخر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة