فليرحل الانقلاب..

ما نشهده انسداد تام لكافة آفاق الحل السياسي وانهيار تام لمنظومة الاقتصاد والخدمات والأمن والحقوق والمقومات.

الجمعة، 03-07-2015 الساعة 14:46


لست وحدي من يزعم أن عقارب ساعة مصر الانقلاب ليست في وارد العودة إلى الوراء، أو أن الانقلاب العسكري -بفضل العديد من المتغيرات على الأرض- في أحلى حالاته الأمنية والتسويقية دولياً على الأقل، فمن يبادر بالهجوم ويمتلك ميزة الفعل -لا رد الفعل- يمتلك فرصاً أفضل لحسم الجولة لصالحه وفقاً لقواعد الشطرنج، وهو ما يشجعه -بالدعم الدولي- لاستعجال الخطوة الأخيرة بـ"كش ملك"... أي إعدام كل من تبقى من رموز الشرعية، وأبرزهم الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي، وبصحبته قيادات جماعة الأخوان المسلمين، ولم لا؟

ألا يسوق النظام نفسه أنه الناجح الوحيد في وأد الربيع العربي، بل والإسلام السياسي ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين -وسواهم من مؤيدي الشرعية-، بعدما استعصت الجماعة على النفوذ البريطاني والحكم الملكي وسائر الأنظمة العسكرية المتعاقبة على مدى تسعين عاماً؟

الواضح بجلاء أن الكل يستعجل تلك الخطوة الأخيرة التي تأتي بعد اجتثاث تام لثورة يناير، بعدما أشعرت أجيالاً كاملة بطعم الكرامة والحريّة لأول مرة، يشهد على ذلك نجاح الانقلاب العسكري في الانقضاض على سائر مكتسباتها بكل ما تضمنته من استفتاءات دستورية شعبية وانتخابات حرة ديمقراطية وبرلمان ورئيس منتخب وشوط برلماني شاق شارف على الانتهاء صوب إقرار دستور الثورة المصرية، بموازاة تقديم رموز النظام القديم لمحاكمات عيب عليها خلوها من الشرعية الثورية، تلاها القتل على الهوية وبلا هوية لأنصار الشرعية اختصاراً لروتين التقاضي رغم هزليته الصارخة… محصلة بائسة عنوانها تجريم ثورة شعبية على يد ثورة مضادة ودولة عميقة وتحت رعاية عربية محفوفة بشرعية دولية.

وبدون الضوء الأخضر الدولي والدعم العربي، ما كان للانقلاب أن يتغول بهذا الشكل على جثة الشرعية، يشهد على ذلك اقتصار ردود الفعل الدولية -إزاء انتهاكات حقوق الإنسان بمصر- على بيانات القلق المقرونة بدعوة "مختلف الأطراف" لضبط النفس في كل مرة، ومعها حقن مليارات الحياة في عروقه للسير بمهمة الاجتثاث لمنتهاها. نتحدث هنا عن غطاء كامل لكافة المجازر وحملات الاعتقال والخطف والتعذيب والقتل وتلفيق التهم والمصادرة اليومية بحق معارضي الانقلاب، وبتمادٍ غير مسبوق في شيطنة الآخر وبمخرجات لا تقتصر على حشو السجون بعشرات الآلاف من العلماء والأكاديميين والنشطاء والطلبة بتهم ملفقة فمحاكمات هزلية لكل صوت ينبس بلا.

ما نشهده إذاً انسداد تام لكافة آفاق الحل السياسي، وانهيار تام لمنظومات الاقتصاد والخدمات والأمن والحقوق وكل مقومات المجتمعات التي تتوق للتنمية.

السؤال إذاً: إلى أين تتجه الأوضاع بعد ذلك؟

النظام من جهته قام بكل ما عليه من تصعيد للحل الدموي بقبضة أمنية لم تخل من النكهة البلطجية على الطريقة العربية، أما المكون الشعبي الذي يضم شرائح ساخطة من تدهور الأوضاع المعيشية فاحتاج لعامين أدرك بعدها أن وعود زعيم الانقلاب المشير عبد الفتاح السيسي المستقبلية تحت عنوان "وبكرة تشوفوا مصر" لا تتجاوز الواقع الحالي بلا حلول ممكنة لأي من الملفات المعاشة وعلى كافة الأصعدة.

أما عند الثوار فتحدي استعادة الثورة وتحدي تحرك قطار الإعدامات مقدمان على تحدي تدهور المعاش، رغم أن الأخير يرفد الثورة بقطاعات شعبية ساخطة التي لا تخلو من بعض من أيدوا الانقلاب ذاته في بادئ الأمر.

وبين هذا وذاك يبدو إجماع الشارع على التغيير -رغم صعوبته- لا تخطؤه العين، وهو ما يدركه قائد الانقلاب الذي ما فتئ يحذر الناس من مصير دول فاشلة كالعراق وسوريا رغم أنه دفع الأمور فعلاً بهذا الاتجاه.

ما يصعب التنبؤ به هنا هو كيفية حدوث مثل هذا التغيير بالغ الصعوبة، وذلك على ضوء القبضة الأمنية المحكمة… تغيير لن يكون -قطعاً- بوصفة ثورة رومانسية على غرار يناير 2011، بل على قاعدة "اجتثاث مقابل اجتثاث" كالسيناريو مرجح، يعبر عن ذلك سطور من مذكرة ناشط ثوري -يشاركه بالتأكيد فيها آخرون-، أترككم مع أحاسيسه وبدون تعليق:

"لو كان من يرتدي البدلة الحمراء أبي أو أخي أو ابني

لفعلت المستحيل لإنقاذه من حبل المشنقة

لا وقت هنا للتغني بشرف البدلة الحمراء ولا ببطولة الاعدام.

لا تفهموني غلط

الوقت فعل

لا رد فعل

والوقت ينفد

الطرف المقابل هو من يقوم بالافعال -دون رد فعل يكبح افعاله- ليتمادى أبعد في كل مرة.

الطرف المقابل هو من لديه من الأوراق والضوء الأخضر عالمياً وإقليمياً -ومن اتباعه محلياً- لنصب المشانق اليوم قبل الغد.

ماذا فعلنا لإيقاف مذبحة قتل الشرعية، والمهمة أكبر من فصيل بعينه؟

ألم يُستفزّ الشارع في كرامته وقوت يومه ومستقبل أطفاله ولا أفق في المستقبل سوى الزفت أمامه، كي يهب ثأراً لحقوقه وتفادياً للمزيد من خسائره؟

ألا يطال سوء الأوضاع وفشل النظام الجميع؟ ألا يتواصل انفضاض الأتباع من حوله على مدى عامين اثنين؟

أليس جل من يصطف في خندق النظام اليوم مستفيد من بقائه؟

ألا يفرحهم إعدام الشرعية بالقدر الذي يزيدهم اصراراً على موقفهم؟

ألا تتجه الأمور على مستوى الوطن نحو انتفاضة تتواصل لِلَجْم ودحر الانقلاب؟

ألا تستحق الشرعية والوطن والاحرار وراء القضبان والشهداء في الميادين وعلى المشانق تحرك المخلصين لدرء الهوان؟

لنترك خندق استعطاف الناس والعالم مرة واحدة وللأبد، فلم يجر ذلك سوى مزيداً من الانتهاكات والصمت الدولي عليها، وليكن الخطاب خطاباً يفهمه العالم… عالم لا يحني رأسه سوى للأقوياء.

إصنع قوتك في ميادينك…

تعينك في حراكك.

اضغط خصمك،

ضاعف الضغط

إلى أن ينكسر.

لتنتفض مصر كلها بنماذج حراك ثوري قوية لا مجرد تظاهرات وتجمعات اعتصامية، وليستعيد الشارع أجواء يناير -بنَفَسٍ أقوى هذه المرة-، يغري زبانية الانقلاب للقفز من السفينة.

عندها نقول ان البوصلة تتحرك بالاتجاه الصحيح، وعندها فقط يخشى القتلة من القيام بأي خطوة تصب البنزين على النار المشتعلة.

ليدرك الإنقلابيون أن من هم خارج الزنازين هم من يجب أن يحسب حسابهم، وليس من هم داخلها لأن ثورتنا شبابية.

إنها أمانة، بدأت بإعدام محمود رمضان، تبعه شباب عرب شركس، وبين هذا وذاك إعدامات الشارع…

فلتتوقف سبحة الإعدامات -التي لا يُراد لها أن تتوقف-، وليكن الإعدام لنظام القتل الدموي وحده، وإلا فنحن أمام شعبنا وأمتنا مقصرون و... ما لنا غيرك يا الله.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة