فن صناعة الوهم

في زمن الفضاء المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي أضحت مجتمعاتنا عرضة لمختلف الرسائل الإعلامية من شتى الاتجاهات.

السبت، 29-08-2015 الساعة 13:25


في زمن تزدحم به الرسائل الإعلامية، التي تنتقل وقتياً لتحاصر العقول بصخبها وضجيجها ومن ثم تغرقها بمد لا حصر له من معلومات، تصطدم بوجدان المتلقي تاركة تأثيرات هائلة على المستوى الفردي وبالتالي المجتمعي. ففي زمن الفضاء المفتوح، ووسائل التواصل الاجتماعي أضحت مجتمعاتنا عرضة لمختلف الرسائل الإعلامية من شتى الاتجاهات، والتي تضرب أمواجها بشكل لا يكاد يتوقف على شواطئ وعينا بدون أي ساتر. والذي يعني بالضرورة، ترك الباب مشرعاً أمام تلك الأمواج الجارفة، لتحدث تأثيرات ليس لمجتمعاتنا على الأغلب القدرة على كبحها، أو حتى إعادة إنتاجها على نحو يتماهى وقيمنا الثقافية.

يقول الكاتب الكندي المارشال ماكلوهان بأن وسائل الإعلام تعتبر ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ التي نطل من خلالها على ﺍﻷﺣﺪﺍﺙ، وهي ﺍلاﻣﺘﺪﺍﺩ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻷﺑﺼﺎﺭﻧﺎ وأسماعنا، وبالتالي فإن لوﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺪﻭﺭ بالغ الأهمية في بناء ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴـﺔ في ﺃﺫﻫـﺎﻥ المتلقين، ومن ثم فهي أحد أهم المكونات لتشكيل الوعي على المستوى الفردي أو حتى المجتمعي، وخصوصاً في عصر تكنولوجيا المعلومات.

وللتوضيح أكثر، علينا أن لا نهمل النظر إلى نظرية "وضع الأجندة أو ترتيب الأولويات" وإن كانت قديمة بعض الشيء. حيث توضح النظرية دور وسائل الإعلام في إيجاد الصلة بين الأحداث التي تقع، والصور الذهنية التي تنشأ في أذهان الجماهير عن تلك الأحداث، وبالتالي تشكيل رأي عام معين يرتبط والسياسة التحريرية لتلك الوسيلة. وعليه فإن "مصداقية الخبر المنقول"، وبالتالي "الصورة الذهنية" التي تنشأ بناء عليه، لا بد أن تكون بالضرورة خاضعة للتقييم، بدلاً من أن تكون حقيقة راسخة كما يعتقد البعض!

أما عالم النفس النمساوي كيرت ليوين فيرى أن الرسالة الإعلامية تمر بالعديد من البوابات قبل أن تصل إلى المتلقي النهائي، وأثناء مرور الرسالة بكل "بوابة" يتم اتخاذ قرارات تتعلق بالمعلومات الواجب تمريرها أو منعها من المرور، وبحسب ليوين فكلما زادت المراحل التي تقطعها الرسالة يزداد تأثير حراس البوابات الإعلامية، وبالتالي يتأثر الشكل النهائي للرسالة الإعلامية. وعليه فإن فحوى الرسائل المختلفة سيمر بعدة تغيرات ستكون مرتبطة بالضرورة وإرادة هؤلاء الحراس، ليصل بعضها فيما قد لا يتسنى لغيرها العبور، أما تلك التى تصل فأيضاً ستصل وفقاً لما يمليه حراس البوابات. وعليه فإن تأثير تلك الرسائل قد لا يكون أيضاً مستنداً بشكل تام للحقائق المحضة.

مع الجزم بأن لوسائل الإعلام اليد العليا وبأن المحتوى الإعلامي ذو تأثير بالغ، فقد واصل العلماء البحث في تأثير وسائل الإعلام وقضايا الرأي العام. وهنا لا بدّ من التعريج على افتراض لأحد أهم الباحثين، فقد قدمت إليزابيث نويله- نويمان نظرية أقامتها بناء على بحوثها التجريبية في هذا المجال. حيث خلصت إلى افتراضها، مثار النقاش هنا، بأن وسائل الإعلام حين تتبنى آراء أو اتجاهات وأفكار معينة، فإن غالبية الجماهير سوف تتحرك في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام، وبالتالي ستتبنى الأفكار التي تدعمها تلك الوسائل لما لها من قوة وتأثير على الجمهور، وبالتالي يتشكل الرأي العام بما يتسق -مجدداً- والسياسة التحريرية لتلك الوسيلة.

وفي زمن الصراعات وتكالب وسائل الإعلام على عقول المتلقين، وقدرتها الهائلة على التأثير أضحى الرأي العام في مهب الريح! وهنا تبرز أهمية الفوارق الفردية وحتى المجتمعية من محصول معرفي وثقافي وضرورة تحكيم العقل وتمكينه، ليكون الحد الفاصل بين الحقيقة والكذب والتضليل. فالتلاعب بالعقول بهدف التحكم بالرأي العام عن طريق التأطير لنوع معين من المعرفة وتوظيف ذلك لخدمة أهداف سياسيىة محددة، يبرز بوضوح بحملات الدعاية الإعلامية التي تفننت بصناعة الوهم وتكميم أفواه الحقيقة.

فقد باتت الأذرع الإعلامية ومنذ عقود أشد الأدوات بطشاً، وبحسب روبرت ماكوني: "تهيمن حالياً على نظام وسائل الإعلام العالمية تسع شركات عملاقة من الدرجة الأولى، أكبر خمس فيها (تايم وارنر المبيعات 24 مليار دولار)، و(ديزني 22 مليار دولار)، و(برتلسمان 15 مليار دولار)، و(فياكوم 13 مليار دولار)، و(روبرت مردوخ 11 مليار دولار)"، وبما أن لتلك الوسائل الإعلامية سياسات تحريرية محددة تقوم بناء عليها بتبني آراء معينة، بل وحتى زوايا محددة للأحداث وبالتالي ربطها بصور ذهنية محددة تنشأ في العقول، فإن تلك المؤسسات التي تتقاسم فيما بينها النظام الإعلامي، والتي وصفها ريموند وليامز بـ"الهيمنة"، تشكل تلك الطبقة الحاكمة وعي الجماهير، فيقول: "هي مجموعة كاملة من الممارسات والتوقعات على كامل معيشتنا: حواسنا، توظيفاتنا للطاقة، يتم اختيارها كممارسات يتم تأكيدها وتعزيزها بشكل متبادل، وهكذا تشكل إحساساً بالواقع لمعظم الناس في المجتمع".

فعند تحليل بسيط لمضمون وسيلتي إعلام مختلفتين، نلحظ ذاك الاختلاف المهول عند نقلهما لِـ"نفس الخبر"، والذي قد يصل إلى درجة التضاد أو حتى الفجوة. وطبعاً تلك الفجوة هي مرآة تعكس الفرق فيما بين السياسة التحريرية لكل من الوسيلتين، والهدف هنا ليس نقدياً بقدر ما هو تسليط الضوء على مجموعة من الأفكار المتناثرة، والتي لا بد أن تطرح عدة أسئلة حول تأثيرات وسائل الإعلام، وبالتالي الآثار السياسية المترتبة عليها.

ومع تطور وزيادة فرص الوصول إلى شبكات الإنترنت أصبح العالم بلا حدود، وعلى ما يبدو بأن هذا التطور المضطرد حتمي، وعضوي، ولا نهائي؛ ممّا يلقي المزيد من الخوف في القلوب؛ بسبب النتائج المحتملة على الأفراد وبالتالي على المجتمعات. إذن فالعالم الافتراضي قد أسقط كل الأسوار وساهم بتوحيد المجتمعات عالمياً ولو بالأطر عامة على الأقل. وهنا تبرز أهمية دور المعلومات والتجارب الخاصة التي يراكمها الفرد من خلال البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة به، ليستند إليها في لحظات الريبة، ولدحض الظل المسدل على الحقيقة. مع التأكيد ممّا سبق أن الحقيقة المجردة قد لا تكون موجودة بشكل مطلق بعد الآن، على اعتبار أن كلاً يروج للحقيقة المنسجمة وغاياته. وتبقى الكلمة الفصل للمتلقي عند التقصي عن الحقائق وسبر غور ما خلف المفردات والرسائل في عصر يسيطر عليه فن صناعة الوهم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة