فوبيا السعودية في الراهن الصعب (1)

"لو أدرك بعض المسلمين ما يحاك لقبلة صلاتهم في دهاليز طهران وتل أبيب، لشكروا شعب السعودية وقيادتها على ما أجهضوا من مؤامرات على مدار تاريخهم".

الأربعاء، 28-01-2015 الساعة 12:15


"لو أدرك بعض المسلمين ما يحاك لقبلة صلاتهم في دهاليز طهران وتل أبيب، لشكروا شعب السعودية وقيادتها على ما أجهضوا من مؤامرات على مدار تاريخهم".

مئة وأربعة وأربعون حرفاً أثاروا زوبعة بمعنى الكلمة، لأن هذه الحروف لامست شغاف معطيات تاريخية ووقائع استخباراتية ورهانات سياسية يراها الكثيرون ويتغاضى عنها الأكثر.

هذه التغريدة صارت توصف بالتاريخية لدى شريحة واسعة من المغرّدين، نشرتها على حسابي في موقع التواصل الاجتماعي الشهير "تويتر"، والذي يتابعني فيه حوالي 220 ألف متابع.

ما إن نزلت مباشرة حتى لقيت إقبالاً واسعاً ومنقطع النظير، حيث في الساعة الأولى من ظهورها، تداولها الآلاف بالنشر وإعادة النشر والترحيب، وكذلك النقد اللاذع الذي تجاوز كل الحدود الأخلاقية والإنسانية، كما أنها طافت أجهزة المحمول في السعودية وغيرها عبر مختلف الوسائط.

ما يهم في حديثي هنا ليس التسييس غير المؤسس لتغريدتي الذي ذهب في تأويلها نحو اتجاهات مختلفة أغلبها لم تخطر على ذهني مطلقاً. ولا المشكلة أيضاً في مدى صحتها أو درجة الخطأ فيها، لأن الصواب فيها يظهر كالشمس في رابعة النهار، وأثبتته الحقائق التاريخية وتطورات الأوضاع بالمنطقة، ومناقشتها مثل الذي يريد أن يثبت للعالم أن الإنسان ولدته امرأة.

المهم ما بعد التغريدة، هي الطريقة التي تعاطى بها خصوم السعودية –إن صحّ التسمية- سواء ممن لهم حسابات مع حكامها أو حتى شعبها أو مع الدين الإسلامي بصفة أساسية. وقد تمادى الناقدون والساخطون لدرجة الهجوم الشرس على شخصي وعرضي وتاريخي النضالي، كما تلقيت الكثير من التهديدات التي تهاطلت علي تطالبني بمسح التغريدة وحتى بالاعتذار لمن سموهم "ضحايا المملكة"، كأنني خرجت من ملّة الإسلام وأنكرت معلوماً من الدين بالضرورة أو أشدت بالصهاينة وهم يحرقون غزّة أو يقتحمون القدس الشريف!

تهديدات يقول أصحابها إنهم قريبون منّي وسيقطفون رأسي قريباً جداً، ومهدّدون آخرون يتحدّثون عن تواجدهم في الدول التي أزورها وعلى رأسها تركيا، وبينهم من زعموا أنهم من السعودية ولديهم نفوذهم الكبير الذي سيفاجئني يوماً، وسيحرّمون عليّ دخول حتى بيت الله الحرام مستقبلاً!

بلا شك أن الذي يريد اغتيال شخصٍ لا يمكنه أن يخبره مسبقاً، كما أن الذي يريد استدراج فريسته لمكان ما لن يظهر خطّته قبل أن يتمكّن منها. لكن ما أكّدته لي هذه التغريدة هو وجود وباء حقيقي يمكن تسميته "فوبيا السعودية"، وقد بلغ منتهى الخطورة خاصة في هذا الظرف الصعب الذي تمرّ به المنطقة العربية عموماً والخليج العربي بصفة أخص.

لقد تأملت في الطعنات التي طالتني من كل جانب، ووجدت أن الطاعنين اتفقوا وتعاونوا وكانوا على قلب رجل واحد، حتى أولئك الذين يدّعون أنهم خصوم بعضهم بعضاً، وهكذا التقى أقصى اليمين مع أقصى اليسار.

نعم.. اجتمع على مائدة مضغ لحمي الحي، كل من أنصار تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ "داعش" وتنظيم "القاعدة" وغيرهم من أنصار التنظيمات المتشدّدة والفكر الجهادي. وكذلك أنصار إيران ومشروعها الصفوي في عمق الأمة الإسلامية. ليبراليون وعلمانيون من مختلف الدول العربية والإسلامية. القوميون العرب الذين يدعمون نظام بشار الأسد والمهووسين بـ "المقاومة والممانعة" في العالم العربي والإسلامي. المناهضون للثورات المضادة في دول "الربيع العربي". بعض الأحزاب والحركات الإسلامية ولكن بوتيرة أقل بحكم أنني غير متحزّب ولا أنتمي إلى تنظيم ولا جماعة. "سلفيون" يناهضون نظرية المؤامرة الغربية. أعداء ثورات الشعوب التي أسقطت أنظمة مستبدّة وفاسدة، وأيضاً معارضون سعوديون يعيشون في المنفى بينهم الكثير من يستعملون أسماء مستعارة في مواقع التواصل الاجتماعي.. الخ.

كل هؤلاء رغم تناقضاتهم الفكرية والدينية والسياسية والقومية، شحذوا سكاكينهم وأنيابهم، وراحوا يمزّقون جسدي بطريقة يعافها كل من فيه أدنى ذرة من الخلق الإنساني الرفيع، والذي وجب أن يتجلى في مواقف ترتبط أساساً بالاختلاف في الرأي وحرية تعبير يتغنّى بها الليبراليون والعلمانيون خاصة.

لقد تزامنت هذه التغريدة مع وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله رحمه الله، وإن كنت لم أستغل هذه الفرصة -كما روّج البعض- لصناعة الدعاية لنفسي، وأنا لست في حاجة إليها أصلاً، فحضوري الإعلامي والحقوقي والفكري عبر وسائل إعلامية في الشرق والغرب متواصل دائماً، كما أنه ليس من طبعي مثل هذه الطرق الملتوية في استغلال أتراح الناس أو حتى أفراحهم.

لكن ما غرّدت به في هذا الوقت بالذات ألقى بظلاله على المشهد، وأذاب الجزء الكبير من جبل الجليد عن حقيقة مرّة بطعم العلقم، تتعلق بـ "فوبيا السعودية" التي تسري في جسد العالم الإسلامي، وتمكنت حتى ممن ينتفعون بخيرات بلاد الحرمين ويتلقّون دعمها السياسي والاقتصادي بلا حدود.

من حقّ أيّ كان أن يعلن موقفه من سياسة حكام المملكة العربية السعودية الداخلية والخارجية سواء بالنقد أو الاشادة، وخاصة ممن يرون أنفسهم معنيين بها مباشرة سواء من السعوديين أو حتى من الجاليات العربية والإسلامية الموجودة على ترابها، أو ممن يعتقدون أنهم تضرّروا أو انتفعوا في أوطانهم من مواقفها الداعمة لطرف على حساب آخر.

لكن ليس من اللائق أبداً، أن يتحوّل النقد المشروع إلى مشروع يستهدف كيان الدولة ووجودها وأمنها واستقرارها، ولا يجوز مطلقاً أن يؤدي إلى تناسي وتجاهل الإيجابيات الكثيرة ونكران فضل هذه البلاد شعبياً ورسمياً، أو أن يغدو الموقف السياسي المناقض إلى وباء يطال المقدسات وعلى حساب القيم الإسلامية التي ترى وجودها الحقيقي داخل السعودية.

افتراءات على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لقد تفاجأت من هول الكراهية لدى الكثيرين الذين من شدّة ما تمكّن منهم وباء "فوبيا السعودية" تجاوزوا الحدود الأخلاقية، وصاروا يهاجمونني ويهاجمون غيري باستعمال نصفهم السفلي حيث عوراتهم بدل نصفهم العلوي حيث عقولهم، رغم أن منهم من يدّعي التنوير والتحرير!

المفاجأة لم تقتصر على هذا فقط، بل هي امتداد لما حدث من قبل حيث نشروا الافتراءات وبالغوا فيها لمنتهى الكذب، وقد كتبت بخصوص ذلك لما قلت في تغريدة بدورها لقيت إقبالا واسعاً:

"سمعت الكثير عن السعودية ولما زرتها صُعقت من هول الافتراءات التي طالت البلاد والعباد ويروّجها من يعادون قبلة الإسلام فقط".

هذه حقيقة وقفت عليها بنفسي، حيث زرت عدة مدن سعودية وحدثت الناس وجلست بين فقرائهم وأثريائهم أو بسطائهم وأعيانهم. ونذكر في هذا السياق لا الحصر ما قيل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبنفسي سمعت الكثير عنها مما يتنافى مع الحقوق والقوانين والمواثيق الدولية، حتى أنني لما زرت المملكة العربية السعودية وعدت إلى باريس سألني حقوقيون أعرفهم عن تعامل الهيئة التي أطلقوا عليها بالفرنسية "البوليس الإسلاموي"، وأنا غير ملتحٍ، بعدما كانوا يسمعون أن الهيئة تهين الزوار غير الملتحين. بل بينهم من ذهب إلى حدّ التخيّل أنني قد أتعرض للضرب بسبب ربطة العنق التي تشبه الصليب!

لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد وصل إلى حدّ الزعم أنهم يجلدون غير الملتحين في الشوارع، ويضربون اللواتي لا يتنقّبن في الأسواق والمحلات التجارية، ويفتّشون الهواتف المحمولة للشباب خارج أطر القضاء، ومن يجدون عنده رقم فتاة ليست من محارمه يعاقب، وإن كانت صورة أو فيديو يُجلد ويعذّب ويسجن من دون محاكمة، بل قيل إن المارة أمام مقارهم يسمعون بكاء وعويل المعتقلين والمعتقلات في زنازينهم... !

لما زرت البلاد بحثت في الموضوع بطرقي الخاصة والتقيت بمسؤولين في الهيئة وزرت بعض مقارها، فوجدتها عبارة عن مكاتب عادية، كما أن الحالات التي رأيتهم يتدخلون فيها في الشوارع تكون بالحسنى والنصيحة بطرق محترمة جداً سواء بالنسبة للمرأة أو الرجل.

بل علمت أن بعض الأعضاء والموظفين ارتكبوا مخالفات لا ترقى لما يشاع عنهم، ولما اشتكى المواطنون الذين كانوا ضحاياهم، جرى التحقيق فيها وعوقب من ارتكبها وتم فصلهم من الهيئة نهائياً. وطبعاً نحن لا نزكي هنا ولا نقول أن الهيئة مثالية، بل فيها حتماً تجاوزات، ولكن ليست بالصورة السوداوية التي تنتشر عنهم أو لدرجة ما نراه ونسمعه عن أجهزة أمن عربية.

لقد سكت المنتقدون عن كل ايجابيات الهيئة وذهبوا يتحدثون عن سلبيات أغلبها من وحي الخيال ولا أساس لها في أرض الواقع، ولا توجد عليها أدنى أدلة سوى أخبار غير موثقة تنتشر في مواقع مجهولة الهوية، وأغلبيتها تقف خلفها جهات مشبوهة ترى من مصلحتها أن تضغط على السعودية حتى تغيّر منهجها الديني أو منظومتها التربوية الإسلامية وتلحقها بباقي الدول العربية التي يقتصر الإسلام في دستورها على أنه شعار شفهي للدولة فقط، لكن على مستوى الممارسة الرسمية لا يوجد له أيّ أثر سوى في مواد تتعلق بالطلاق والمواريث وأحكام الزواج فقط، التي صارت بدورها مهدّدة من قبل المستغربين فكراً وسلوكاً.

يتبع ..

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة