فوبيا السعودية في الراهن الصعب (2)

أتعجّب ممن يتباهون بالدفاع عن إيران رغم ضلالها وظلمها ويحرّمون على غيرهم التحدث عن محاسن بلاد الحرمين.

السبت، 31-01-2015 الساعة 10:22


"أتعجّب من الذين يتباهون بالدفاع عن إيران رغم ضلالها وظلمها ويحرّمون على غيرهم التحدث عن محاسن بلاد الحرمين رغم ما قدمته للإسلام والمسلمين".

مهاجمون لشخصي تباهوا لحد الهوس بدولة إيران، بينهم من راح يمجّد مقاومتها ووقوفها المزعوم ضد المشروع الصهيوني والإمبريالية الأمريكية. وآخرون يتغنّون بإنجازاتها، ووصل الأمر بأحدهم يسمّي نفسه مفكراً عربياً إلى أن وصف الدول العربية والإسلامية بأنها "دول مَنَوية" – أكرمكم الله – في حين أن إيران "دولة نووية"!

لقد تجاهل هؤلاء جرائم المشروع الإيراني العنصري التدميري، إذ إن كل بلاد يتمكّن منها يخرّب كيانها، ويمزّق وحدتها، ويقتلع جذورها، وهذا ما نراه في سوريا التي تعمل طهران على محوها من الخريطة إن لم يبق نظامها في الحكم.

ونتابع ما يجري في اليمن الذي سيطرت عليه مليشيات حوثية إيرانية إرهابية ستوصله إلى التقسيم والحرب الأهلية النجسة. وسبق أن تابعنا لبنان مع تنظيم "حزب الله" الذي ورّطه، ولا يزال، في صراعات وحروب بالوكالة لم يجنِ منها، ولن يجني، سوى الدمار، ولا يزال يدافع عن مصالح طهران على حساب أمن اللبنانيين واستقرار بلدهم.

كما أن العراق لا يزال يغرق في مستنقعات دموية بسبب التدخل الإيراني الطائفي السافر الذي بدأ بالتحالف مع أمريكا التي سمّاها الخميني بـ "الشيطان الأكبر"، وبفضلها تمكن المارينز من احتلال كابول ثم بغداد، والعبث بتاريخها ومكتسباتها وهويتها.

أخطاء كبيرة وخطايا كبرى

كشفت وثائق مسرّبة نشر "الخليج أونلاين" بعضها، مدى النشاطات الاستخباراتية الخطيرة للغاية التي جرت في السعودية، خصوصاً خلال العامين 2011 و2012 ولا تزال متواصلة لكنها بوتيرة أقل، بعدما تمّ توقيف وتفكيك خلايا سورية وإيرانية تقوم بالتجسّس والتجنيد لحساب نظام الأسد وملالي طهران.

معطيات خطيرة قدّمتها هذه الوثائق المسرّبة من فرع الأمن الخارجي (279) للمخابرات العامة التابعة لنظام بشار الأسد والمتحالفة مع المخابرات الإيرانية، بل إنها تحوّلت إلى مجرد دائرة تابعة لها فقط، وأكدت المعلومات أن فرعها في مدينة جدّة قام بعدة نشاطات لأجل تحريك المنطقة الشرقية السعودية في إطار ما يسمى "الربيع العربي".

بل وصل حد لقاء مندوب المخابرات السورية مع معارضين سعوديين في الخارج، وجرى التنسيق معهم من أجل ثورة شعبية ضد حكم آل سعود، والتي جرى التخطيط لاندلاعها من المناطق التي توجد بها أكثرية شيعية، ولكنهم حاولوا وفشلوا في تحريك أشخاص من مناطق سنّية لتفادي شبهة الطائفية والولاء لإيران.

كما أن مخابرات الأسد دفعت أشخاصاً مراهقين من شيعة السعودية للهجوم على رجال الأمن، وأدى ذلك إلى سقوط ضحايا، وهذا كي تستعمل دماءهم لإثارة مواجهة بين السلطات السعودية والمواطنين الشيعة، ما يؤلّب الرأي العام الدولي ضد المملكة في إطار ما يعرف بقانون حماية الأقليات.

خطّط الفرع الاستخباراتي السوري أيضاً لعمليات إرهابية تستهدف بعض المواقع المقدسة على طريقة تفجيرات الحرم عام 1989، ولكن مخططاته لم تنجح؛ بسبب ضربات الأجهزة الأمنية السعودية لهذه الخلايا، وهذا كله من أجل زعزعة أمن البلد ودفعه إلى التراجع عن دعم الثورة السورية خصوصاً.

أمر آخر أن وثيقة مسرّبة كشفت خطة مخابراتية اتفقوا عليها في بيروت، بمشاركة المخابرات الإيرانية وجهاز "حزب الله" الأمني، وتقرّر خلال الدورة التدريبية تنفيذ مخطّط رسمت معالمه يهدف إلى تشويه الدول الداعمة لثورة الشعب السوري، وعلى رأس ذلك السعودية وقطر وتركيا، وهذا ما يجري منذ فترة على شبكات التواصل الاجتماعي بطريقة تصاعدية غريبة، تجلّى لي شخصياً بوضوح لا يشوبه أدنى شك بعد تغريداتي المنصفة للحقيقة من دون انحياز لحاكم أو محكوم.

بلغ الهجوم ذروته على شخصي بسبب تجربتي مع نظام الأسد في إطار بعثة مراقبي الجامعة العربية، حيث كنت المراقب الوحيد الذي استقال علانية وفضح الدور القذر للبعثة، وعرّى جرائم النظام بحق الشعب السوري الثائر من أجل كرامته وحريته بعد سنوات من المعاناة تحت سلطة طائفية وأمنية بامتياز.

حدث كل هذا ونجد في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي من يروّج لادعاءات تخدم إيران وتبرئها مما هي فيه، وفي الوقت نفسه يوجّه سهامه إلى السعودية على أساس أنها تتآمر مع المحتلين على الدول العربية والإسلامية، وهذا ما دفعني إلى التغريد قائلاً:

"أعطوني قضية ضد استعمار أجنبي لم تدعّمها السعودية بداية من ثورة الجزائر، وأتحدّاكم أن تجدوا قضية عربية واحدة لم تتواطأ فيها إيران مع المحتلين".

هذه حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها، فلا توجد قضية عادلة ضد استعمار في العالم العربي والإسلامي إلا ودعّمتها السعودية سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، ولكن يوجد من ينكر ويقفز على الحق نحو باطل يخدم هواه، وللأسف الكثير من الجزائريين وقعوا في خطيئة ساهمت وسائل الإعلام في دعمها.

لذلك ناشدتهم في تغريدة موثقة تاريخياً:

"أيها الجزائريون الذين تطعنون حالياً في السعودية، وهي التي أدخلت ثورتكم للأمم المتحدة كقضية استعمار، ولولا الملك السعودي لوقفت إيران ضد قضيتكم".

هذه حقيقة تاريخية ثابتة، فالسعودية هي التي أدخلت القضية الجزائرية إلى الأمم المتحدة عام 1955، وصارت قضية استعمار بعدما كان الثوار مجرد "عصابات" متمردة في نظر المجتمع الدولي.

جاء ذلك بناء على تعليمات أصدرتها السعودية لمندوبها في الأمم المتحدة بتكريس جهوده لتأييد قضية الجزائر والدفاع عن حق شعبها، وانتدبت أحمد الشقيري لهذه المهمة الكبيرة.

الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود الذي تولى الحكم عام 1953، أي قبل عام من اندلاع الثورة الجزائرية في 01/ 11/ 1954 وبقي في الحكم حتى عام 1964، أي بعد عامين من الاستقلال الذي كان في 05/ 07/ 1962، كان من أكبر الداعمين للثورة والثوار الجزائريين من بداية الثورة المسلحة حتى الاستقلال.

عام 1956، وفي يوم الجزائر، بلغت حملة التبرعات 4 ملايين و200 ألف ريال سعودي، وأصدر الملك سعود رحمه الله أمراً ملكياً بمنح الجزائر 250 ألف جنيه إسترليني، ودرجت المملكة حينها على تخصيص يوم لجمع التبرعات من أجل الجزائر.

على مستوى آخر، فإن فرنسا بعد جلاء جنودها عن مصر، طلبت استئناف العلاقات السياسية مع السعودية، فوافقت شرط أن يتمّ ذلك بعد الاعتراف باستقلال الجزائر وإعادة حقوق الشعب الجزائري.

في حين أن إيران كانت ستقف ضد القضية الجزائرية في الأمم المتحدة لولا ضغوطات السعودية التي كان الشاه حينها يعمل على توطيد العلاقات معها لأسباب محلية وإقليمية ودولية عديدة.

حتى على المستوى الأدبي، نجد شعراء السعودية تغنّوا بالثورة، وللأسف كثيرهم لا تعرفهم الأجيال الجديدة في الجزائر، وعلى رأسهم أذكر الشاعر الكبير عبد الله بن إدريس، صاحب قصيدة "المجاهد الجزائري" التي فازت بجائزة إذاعة صوت العرب من القاهرة، والتي نظمها عام 1955 ومن أبياتها قوله:

إن "الجزائر" لن تبقى مكبّلـــــة***فريسة الجهل والأمراض والسغب

بل سوف تكتب، في صبر وفي جلد***"ثالوث" خزيك يا حمالة الحطــب

ولقد زرت هذا الشاعر الثائر في بيته بالرياض على هامش فعاليات المعرض الدولي للكتاب لعام 2014، وتفاجأت أنه رغم تقدّمه في السنّ لا يزال يتنفس ثورة الجزائر ويعشق ذكرها، ويهيم في ذكراها لمنتهى الهيام.

بالتأكيد ليس كل الجزائريين يطعنون في السعودية، لكن يجري ذلك مع شريحة من المؤيدين للتنظيمات الجهادية المتشدّدة، وكذلك بالنسبة للموالين لمشروع إيران، سواء من المتشيّعين أو المخدوعين بوهم المقاومة الصفوية، وأيضاً مع الليبراليين والعلمانيين الذين وصل الحال بهم إلى اتهام المملكة- زوراً- بدعم "الإرهاب" خلال مرحلة التسعينات الدموية في الجزائر.

لذلك غرّدت قائلاً:

"علمانيون جزائريون يتّهمون السعودية بدعم إرهاب التسعينات رغم أنه لا يوجد دليل يثبت ذلك، في حين توجد أدلة كثيرة عن تورط إيران التي يصفقون لها".

حقيقة تورّط المخابرات الإيرانية مع جماعات دموية مثل تنظيم "الجماعة الإسلامية المسلحة"، المعروف اختصاراً بـ "الجيا"، كشفت تفاصيلها في كتابي المثير للجدل "أسرار الشيعة والإرهاب في الجزائر"، الذي صدر عن مؤسسة الشروق صيف 2011، ودفع حينها السفارة الإيرانية بالجزائر أن أصدرت بياناً ندّدت فيه بالمعلومات وأنكرتها رغم ثبوتها لدى القضاء الجزائري، وحتى في أرشيف التنظيم الدموي وشهادات عناصر تائبة كانت تنشط تحت مظلته.

في حين لم أعثر رغم رحلة بحث طويلة وعميقة، على أيّ دليل مادي يثبت أن السعودية دعّمت الجماعات المسلحة الجزائرية، بل إن علماءها، وعلى رأسهم الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله، قد أصدروا فتاوى ودعوا المسلحين إلى إلقاء السلاح والعودة إلى رشدهم.

في الوقت الذي قطعت فيه الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران بعد تصريحات تبارك اغتيال الرئيس محمد بوضياف عام 1992، كانت العلاقات مع السعودية وطيدة، وقد استقبل الملك فهد الكثير من المسؤولين، بينهم الجنرال خالد نزار بصفته وزير الدفاع، وقد روى هذا الأخير وقائع اللقاء في مذكراته.

"إسرائيل" دائماً في المزاد

للأسف؛ كثيرون من عملاء الأجهزة الاستخباراتية الذين يوجدون في مواقع التواصل الاجتماعي تحت تسميات مستعارة، يتهمون السعودية بالعمالة للصهاينة، ويتباهون بمقاومة إيران المزعومة، مع أن هذه الأخيرة هي أكبر من خدم الدولة العبرية منذ بدايتها عام 1948 إلى يومنا هذا.

صار المعيار للأسف أن الذي تكرهه "إسرائيل" هو على الحق دائماً، ولو كان من عبدة الشياطين، وبذلك كان الأولى بهؤلاء المطبّلين أن يتدينوا بالنازية التي أحرقت اليهود في أفران "الهولوكست" بغض النظر عن التناقضات التي تحوم حوله، كما أنه من الأولى بهم - حسب مقاييسهم الباطلة - أن يعادوا موسى عليه السلام ويوالوا فرعون لأنه أنقذ اليهود من طغيانه!

لقد كثر الحديث عن اتهام السعودية بدعم "إسرائيل" التي تتهم المملكة في وسائل إعلامها أنها "مملكة القرون الوسطى"، وفكرها الديني وعملها السياسي يقف عائقاً أساسياً في وجه التطبيع الصهيوني مع الشعوب العربية.

طبعاً هذا الاتهامات تأتي من دون أدنى دليل ولا حتى موقف سعودي واضح ومعلن، وكل ما يجري هي مجرد أخبار تلوكها بعض وسائل الإعلام المعروفة بخلفياتها وتوجهاتها والأجندة التي تخدمها، وتجد في ظل هذه "الفوبيا" الخطيرة من يساعد على الترويج لها، فقد صار -للأسف الشديد- كل من له حساب مع جهة ما يصدق ويروّج للادعاءات المضادة لها ولو صدرت من الأعداء لحاجة في أنفسهم.

نذكر على سبيل الاستدلال، أنه في عام 1957 طالب أحمد الشقيري، رئيس الوفد السعودي في الأمم المتحدة، بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم، ووقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقطع المساعدات المالية عن "إسرائيل"، وقال حينها: "إسرائيل هي السبب في توتر الحالة في الشرق الأوسط".

أما الملك سعود رحمه الله فقد عبّر في خطابه بمناسبة ذكرى جلوسه على كرسي الحكم، عن استعداد الأمة العربية للتضحية بعشرة ملايين عربي للتخلّص من "إسرائيل"، وهو ما أزعج الصهاينة ووزّعوا بياناً في الأمم المتحدة تصف فيه الخطاب بأنه يهدّد سلامتها واستقلالها السياسي. وطبعاً مواقف الملك فيصل اللاحقة كثيرة ولا يمكن حصرها، فضلاً عن مواقف غيره من الملوك التي تثبت ما ذهبنا إليه.

دفعتني الادعاءات الباطلة إلى أن قلت كلمتي في تغريدة عبر حسابي على "تويتر"، وطبعاً فتحت شهية آكلي لحوم البشر للتلذّذ بالاتهامات بعد اجترارها، فهذا يزعم أنني أتلقّى أجراً على كتاباتي، وذاك يدّعي أنني أقيم في المملكة العربية السعودية مع أنه شرف لم أحظ به أصلاً.

آخرون يروّجون لمقال مزيّف جرى التلاعب في محتواه من طرف جهات ما عام 2008، وكنت قد تبرأت منه حينها، وهذا ما كنت أعاني منه منذ سنوات حيث فبركوا تصريحات صحفية، وتوجد جرائد نسبت لي حوارات مزوّرة. بل وصل الحال عام 2010 إلى اختراق بريدي الإلكتروني وإرسال بيانات باسمي إلى جهات متعددة.

لقد ازداد حجم استهدافي مطلع 2012 بعد استقالتي من بعثة المراقبين في سوريا، التي فضحت فيها جرائم ضد الإنسانية يقترفها نظام الأسد وإيران و"حزب الله" وعرّيت مخططاتهم القذرة.

يتبع

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة