فوبيا قطر في زمن ثورات الشعوب (1)

ضاقت الشعوب العربية ذرعاً من هذه الأوبئة التي أوقعتها في التخلف والتبعية والإرهاب والتدخل الخارجي.

الثلاثاء، 10-02-2015 الساعة 15:13


سنوات طويلة قضتها أوطان عربية تحت أنظمة فاسدة ومستبدّة، وقد تغلغل الاستبداد والفساد في كل دواليب الدولة، وصار كالسرطان الذي صار يهدّد وجودها ومستقبل الأجيال المتعاقبة فيها.

ضاقت الشعوب العربية ذرعاً من هذه الأوبئة التي أوقعتها في التخلف والتبعية والإرهاب والتدخل الخارجي بشتى أنواعه، وصارت لا تجد أمامها من خيار للتغيير وإصلاح ما يمكن إصلاحه، سوى الثورات الشعبية ضد هذه الأنظمة الفاسدة والمستبدّة، والعمل على إسقاطها بالمظاهرات والاعتصامات السلمية في الشوارع، وصل في بعض الأقطار حد العمل المسلح بسبب العنف الأمني والعسكري الذي واجهت به الأنظمة شعوبها المنتفضة والثائرة ضدها.

"الربيع العربي" والمخاض الدامي

جاءت ثورات الشعبية تحت اسم "الربيع العربي" الذي تباهى به الكثيرون، وأشاد به آخرون من دعاة الحرية وتقرير المصير.

كما نقم منه من يرون كل شيء يستهدف الحكام، مؤامرة خارجية تريد تفتيت الأوطان ومحوها من الخريطة في إطار شرق أوسط جديد يراهن عليه المحافظون الجدد في البيت الأبيض منذ سنوات طويلة؛ وذلك لإعادة رسم الخارطة العربية وفق رؤية تتماهى وتتماشى مع مصالح القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

شخصياً لدي تحفظات عديدة على تسمية ما يحدث في المنطقة العربية بـ"الربيع العربي"، فقد كنت أراه مجرد خريف طغاة وأنظمة مستبدة، وهذا سيكون حافلاً بالعواصف والأعاصير وأنهار من الدماء والدموع والعرق، وأما الربيع الذي تتفتح فيه أزهار الأوطان، فهي نتيجة تصل لها الشعوب بعد فرض التغيير وتقرير مصيرها.

تجربة الجزائر الدامية

كثيرون يرون أن "الربيع العربي" قد بدأ في تونس من خلال ثورة الشعب التونسي على نظام زين العابدين بن علي، والتي أدت إلى "هروبه" في 2011/01/14 نحو المملكة العربية السعودية.

أصحاب هذه الرؤية يجحفون في حق شعوب أخرى ثارت منذ سنوات ودفعت الثمن غالياً، في ظل غياب الإعلام الثقيل وحتى الجديد المتجلي في شبكات التواصل الاجتماعي.

يتجاهل الكثيرون أن الثورات الشعبية انطلقت من الجزائر، لما ثار الجزائريون ضد النظام في 05 أكتوبر/تشرين الأول 1988، وكان أول شعب يدفع الثمن باهظاً بمقتل مئات الشباب في مظاهرات شعبية سلمية واجهتها قوات الأمن بالرصاص الحي، مما أجبر الرئيس الشاذلي بن جديد حينها على خطاب وجهه للشعب ووعد بإصلاحات سياسية جذرية، تجلت لاحقاً في الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية.

غير أن ثورة الشعب الجزائري ضد نظام الجنرالات، باءت بالفشل واتخذت مساراً دامياً، بعد انقلاب عسكري بتاريخ 1991/01/11 على الرئيس الشاذلي بن جديد وألغيت فيه الانتخابات البرلمانية التي جرت في 1991/12/26،وثار حينها الجزائريون بمظاهرات شعبية للدفاع عن اختيار الشعب الديمقراطي المتمثل في الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

وكانت كل جمعة موعداً لمظاهرات تسيل فيها الدماء، ووجد النظام حينها نفسه أمام مظاهرات سلمية، سرعان ما نجح في تحويلها إلى حرب أهلية مع تنظيمات مسلحة صارت تتشكل بطرق عجيبة وغريبة، فضلاً عن العنف الذي مارسه الأمن على مناضلي جبهة الإنقاذ ودفع الكثيرين منهم إلى الفرار نحو الجبال، وكانت أيضاً فرصة ذهبية للجهاديين من بقايا جماعة مصطفى بويعلي، الذين تغلغلوا حينها في قيادة الجبهة الإسلامية، لفرض خياراتهم الجهادية والعمل المسلح ضد العسكر والنظام الذي فرض نفسه بالقوة.

بدأت تتلاشى ثورة الجزائريين السلمية، ودخلت على خط مطالبها بالحريات العامة والشفافية والديمقراطية، تنظيمات متشدّدة وأخرى مشبوهة راحت تنحر وتقطع الرؤوس، وتطالب بمطالب لم تكن موجودة أصلاً في عقلية الجزائريين الثائرين.

للأسف الشديد أن هذه التجربة الغنيّة والثرية بالدروس والعبر، لم تستفد منها ثورات ما يسمى "الربيع العربي" التي وقعت في الأخطاء نفسها وكررتها بصورة أبشع، حيث أن ما كنّا نراه مع تنظيم "الجماعة الإسلامية المسلحة" الذي يعرف اختصاراً بـ"الجيا"، يتكرّر مع تنظيمات أخرى أكثر همجية ووحشية وبربرية، مثل تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ "داعش".

محاولات اغتيال الثورات العربية

بدأت الثورات تتمدّد من تونس إلى مصر ثم اليمن وليبيا وسوريا، وارتعشت أوصال بعض الأنظمة العربية المستبدّة من وصول هذه الثورات إلى ديارها، لذلك وجد الحكام الفاسدون أنفسهم أمام خيار إجهاض الانتفاضات الشعبية، بكل الوسائل المتاحة ولو على حساب دماء الشعوب وأوصال الأقطار المشتعلة بالثورات الشعبية.

غرقت في مستنقعات الدماء بعض الأوطان التي ثارت شعوبها على نسق تجربة الجزائر، وهذا الذي يجري في سوريا وليبيا، وربما مصر مستقبلاً لا قدّر الله إن بقي حال نظام السيسي على ما نراه.

لقد اتحدت المؤسسات العسكرية العربية النافذة بضوء أخضر من قوى كبرى على أن تغرق تجارب الحرية في حروب نجسة وقذرة، فقد تكفل الجيش السوري بحربه على الشعب السوري، وأدخل البلاد في دوامة من الدمار والخراب وملايين من القتلى والجرحى والمهجّرين واللاجئين، وتدمرت البلاد إلى حد لا يمكن وصفه.

كان من الممكن جداً تجنيب سوريا كل هذا الدمار وهذه الدماء، عبر الضغط على بشار الأسد للتنحي وإنقاذ البلد، كما جرى من قبل لما طردوه ليلاً من لبنان بهاتف من البيت الأبيض، لكن المصلحة الرسمية العربية والغربية كانت غير ذلك، فأوعزوا له بطرق مختلفة أن يواصل حرب الإبادة على السوريين، وفي المقابل يساهم الإعلام الثقيل في تحويل الضحايا من الشعب السوري إلى مجرد أرقام تمر عبر أخبار عاجلة على شاشات الفضائيات.

لم يقتصر الأمر على بشار الأسد، بل أنه تمّ الالتفاف على ثورة مصر بالإيعاز للمؤسسة العسكرية كي تنقلب على أول رئيس مدني شرعي في تاريخ الدولة المصرية، الذي وصل للحكم عبر صناديق الاقتراع وفي انتخابات شفافة ونزيهة شهد لها بذلك كل العالم.

قامت المخابرات المصرية بالتعاون مع أجهزة خارجية على مدار عام من حكم محمد مرسي، بالعمل على المستوى الشعبي من أجل تحريك الشارع في ثورة مضادة على ما يسمونه بـ"حكم الإخوان"، وهذا كله من أجل تبرير الانقلاب العسكري وعزل الرئيس الشرعي.

أما في تونس فقد نجحت الثورة المضادة لكن عبر صناديق الاقتراع، وإن كان في مصر وليبيا تعمل دول خليجية على إجهاض ثوراتها، فإن تونس تكفلت بشأنها الجزائر التي لعبت دوراً سرياً لإعادة نظام بن علي إلى الحكم واخراج الرئيس محمد المنصف المرزوقي، الذي كان غير مرغوب فيه لدى دوائر عسكرية واستخباراتية في الجزائر؛ بسبب نضاله القديم في مجال حقوق الإنسان، وطالما طالب لما كان حقوقياً في باريس بضرورة تحرير ثانٍ من الاحتلال الداخلي في الجزائر المتمثّل في نظام الجنرالات الحاكم.

في ليبيا، يتلقى الجنرال حفتر الدعم المادي والعسكري من عدة دول لديها المصلحة في إجهاض ثورتها أيضاً، وعودة الحرس القديم لنظام معمر القذافي، ولو أن ذلك سيمرّ على حرب مضادة ثانية سيسقط فيها ضحايا أبرياء من المدنيين، وتؤدي إلى تخريب ما تبقى من البلاد الغنية بالنفط والتي تسيل لعاب قوى عظمى بينها فرنسا.

في اليمن الذي بدوره ثار ضد نظام علي عبد الله صالح، وهذا الأخير كان محظوظاً لما خرج من الرئاسة عبر مبادرة خليجية أنقذته من مصير قد يشبه مصير القذافي أو حسني مبارك الذي قضى سنوات وهو في قفص المحاكمة يتناقل العالم صوره وهو على سرير متحرّك، حتى أنقذته هو وأبناؤه ثورة مضادة قادها الجنرال السيسي ونفذها بعدما هيأت لها المخابرات الظروف المواتية حتى يظهر الانقلاب العسكري مجرد استجابة لثورة شعبية على نظام الرئيس محمد مرسي.

رغم أن صالح نجا بجلده ونجحت السعودية في معالجته من حروق تعرض لها في محاولة اغتيال، بل أخرجته من عنق الزجاجة سالماً ومعافى، إلا أنه لم يحفظ الجميل لهذا البلد، وعاد لبيته بدل أن يكمل مشوار عمره ويترك وطنه يهنأ بخياراته الجديدة، راح يقود ثورة مضادة من خلال عصابات الحوثيين المتمردة والموالية لإيران حاربها نظامه لسنوات وبالتحالف مع المملكة العربية السعودية التي لا تريد أن تصل إيران لحدودها.

بعد انتخاب الرئيس عبد ربه منصور هادي وانتخاب برلمان شرعي، واستعادة بعض العافية في الدولة الفقيرة، يتفاجأ العالم وعلى رأسه السعودية، بمليشيات "أنصار الله" وهي تسيطر على صنعاء وتفرض نفسها على الدولة اليمنية، ثم تجرأت على إجبار الرئيس على الاستقالة وقامت بحلّ البرلمان.

قطر في الواجهة

على عكس ما كان عليه شأن الجزائر خلال ثورتها التي تحولت إلى حرب أهلية دامية انتهت بإجهاض المسار الديمقراطي، وذلك بسبب غياب تام للإعلام المعارض، في حين سخر النظام كل إمكانيات الدولة من أجل التسويق لرؤيته وفرض خياراته.

وجدت هذه الثورات الشعبية التي جاءت في إطار "الربيع العربي"، فضائيات كبيرة دعّمتها ونسفت التضليل الإعلامي الذي مارسته الأنظمة القائمة، وكشفت عبر شاشاتها فضائح من مختلف الأنواع، وشكّلت بوضوح صوت الشعب المنتفض الذي وصل لكل أرجاء العالم.

على رأس ذلك نجد قناة "الجزيرة" القطرية، التي ساهمت مساهمة فعالة في دعم الشعوب الثائرة، ولعبت دوراً محورياً في إسقاط أنظمة كل من تونس ومصر وليبيا واليمن ولا تزال تفضح نظام بشار الأسد في سوريا، وهذا الذي يقرّ به حتى أعتى خصومها.

دور "الجزيرة" يدخل في إطار مواقف قطرية داعمة لثورات الشعوب الثائرة، والذي لم يقتصر على الجانب الإعلامي فقط كما قد يخيّل للبعض، بل أن دولة قطر في مواقفها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية قد دعمت الشعوب في ثوراتها ضد الاستبداد والفساد، وغدت قطر بامتياز قبلة "الربيع العربي".

ساهمت الدوحة على مستوى الهيئات الدولية مثل الجامعة العربية والأمم المتحدة في دعم الشعوب الثائرة، ودعمت عسكرياً المعارضات المسلحة في ليبيا وحتى سوريا لدرجة ما، كما أن الدوحة تحوّلت أيضاً قبلة للمطلوبين بعد نجاح الثورة المضادة في مصر، وهذا بحدّ ذاته يعتبر دوراً كبيراً يندرج بلا شك في إطار حسابات تتعلق بدولة قطر لكنه إنساني إلى أبعد الحدود، وفي الوقت نفسه أن هذا الدور كان محورياً لبعض الثورات التي لا تزال تمرّ بمخاض عسير إلى حدّ كتابة هذه السطور.

في ظل حمّى الثورات الشعبية وما رافقها من ثورات مضادة ومؤامرات دولية مختلفة، ومع الدور البارز الذي لعبته دولة قطر على مستويات مختلفة لدعم الشعوب الثائرة، صار واضحاً أن الأنظمة العربية التي لا تريد للشعوب أن تقرر مصيرها بما يعود سلبياً عليها قد يصل لحدّ ثورة داخلية، عملت على صناعة فوبيا خطيرة للغاية يراد منها إلى جانب إجهاض الثورات التي قامت، صناعة كراهية وعقد واضحة تكبّل الشعوب التي لا زالت تلاحظ من بعيد، وتفرض عليها الصمت والركون الدائم لحكام هم من الفاسدين أيضاً.

هذا الوباء يمكن تسميته بـ"فوبيا قطر"، وصار يروج له في كثير من الدول العربية من طرف وسائل إعلام لا تريد لأنظمتها أن ترحل، وتتخوّف من شعوبها التي قد تصل لها عدوى "الربيع العربي".

وأيضاً ساعدت على صناعة هذه الفوبيا أنظمة أخرى لديها حسابات مع أطراف في دول الثورات؛ فمن لا يريد للإخوان أن يصلوا للحكم، صاروا يتهمون قطر بأنها عاصمة إخوانية، كما يفعل كل من يدعمون الجنرال السيسي ضد الإخوان المسلمين في مصر.

ومن يرون أن الثورات على الحكام لا تجوز شرعاً، صار يتهم قطر بأنها دولة تحرّض على فكر الخوارج، بل وصل حد اتهامها بصناعة الإرهاب ودعم تنظيمات متشدّدة مثل "داعش" و"القاعدة" سواء في سوريا أو العراق أو حتى منطقة الساحل والصحراء في شمال أفريقيا.

أما من يدعم نظاماً لأسباب إيديولوجية أو سياسية فتجده يتهم قطر بأنها تنفذ أجندة صهيونية، مثلما نراه مع أدعياء المقاومة الذين يدعمون نظام الأسد في حربه الدموية على الشعب السوري.

يتبع

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة