فوبيا قطر في زمن ثورات الشعوب (2)

قطر نجحت بلا أدنى شكّ أن تناطح الكبار على كل المستويات الإعلامية خصوصاً من خلال شبكة الجزيرة وتفرض نفسها.

السبت، 14-02-2015 الساعة 13:06


سمعنا الكثير من الاتهامات التي توجّه إلى دولة قطر، وهي الدولة الصغيرة في المكان وصارت كبيرة في المكانة، أمر صار يعترف به خصومها قبل حلفائها وأصدقائها، ولا يمكن إنكار ذلك أبداً.

قطر نجحت بلا أدنى شكّ أن تناطح الكبار على كل المستويات، سواء الإعلامية، خصوصاً من خلال شبكة الجزيرة التي تحولت من قناة صغيرة في دولة صغرى، إلى قناة كبيرة في دولة كبرى، تفرض نفسها على العالم، وتصنع الرأي العام العالمي.

كما أن قطر فرضت نفسها اقتصادياً، حيث صارت تتمركز في دوائر استثمارية على الساحة الدولية، أما على المستوى الدبلوماسي فقد تحوّلت إلى دولة صارت تفرض معادلاتها عربياً ودولياً.

كذلك نجحت على مستويات أخرى عديدة، منها الرياضية حيث تستضيف تظاهرات عالمية مثل كأس العالم لكرة القدم وكأس العالم لكرة اليد، وقد كان التفكير في إجرائها ببلد عربي يشبه الخرافة التي لا يمكن أن تتحقق أبداً.

استقالتي من بعثة المراقبين في سوريا

يُتهم بالعمالة لقطر، كل من يطالب بالتغيير وحتى الاصلاحات في بلاده، وتزعم أبواق الأنظمة أن هذه الدولة الثرية تموّن المعارضات وتقدم لهم خدمات كبيرة وتساعدهم، ومن يندّد بالانتهاكات الجسيمة للحقوق والحريات، يجد أمامه التهمة جاهزة أيضاً.

شخصياً لما كنت في بعثة مراقبي الجامعة العربية بسوريا، لاحقتني تهمة العمالة لقطر، بل أن إعلام النظام السوري وحلفائه في لبنان وإيران وروسيا وغيرهم، راحوا يزعمون أنني عيّنت في البعثة من قبل إمارة قطر حتى أفسد المشروع العربي لإخراج سوريا من الأزمة، وأكون الجسر الذي يجري على ظهره تدويل الملف السوري حسب مزاعمهم.

رغم أن تعييني جاء من لجنة لحقوق الإنسان في باريس، بعد طلب الجامعة العربية بانتداب حقوقيين من جنسيات عربية، ولا علاقة لقطر بذلك من قريب أو من بعيد. كما أنه لم يجمعني تواصل سواء بالهاتف أو غيره مع أيّ مسؤول قطري إلى يومنا هذا.

البعض يرى أن سفري يوم 10/01/2012 من دمشق إلى الدوحة، وظهوري على قناة الجزيرة القطرية في "حصاد اليوم"، هو دليل قاطع على أن استقالتي من بعثة مراقبي الجامعة العربية جاءت تحت الرعاية القطرية.

رغم أنه لو كان الأمر كذلك لتفاديت هذه الشبهات وسافرت إلى باريس ومنها أجري حواراً صحفياً مع الجزيرة عبر الأقمار الصناعية أو حتى في مكتبها بالعاصمة الفرنسية. ولكن أن أسافر من دمشق إلى الدوحة وأظهر بالزيّ الرسمي للمراقبين في أستديوهات الجزيرة فهذا يؤكد على أن القضية تتعلق بموقف شخصي مني ولا علاقة لأيّ جهة أخرى بذلك.

لقد استقلت من البعثة يوم 06/01/2012 في حمص ثم غادرتها نحو دمشق صباح يوم 09/01/2012، وتعرّضت مع مراقبين آخرين إلى محاولة اغتيال كانت فاشلة والحمد لله، وتمكّنت بفضل الله من مغادرة دمشق نحو الدوحة ظهر يوم 10/01/2012 وعلى حسابي الشخصي، حيث حجزت من وكالة سياحية تتواجد بالقرب من فندق الشيراطون بالعاصمة السورية، ولم أجد في ذلك اليوم سوى طائرة نحو تركيا وأخرى نحو مصر والثالثة نحو قطر، والسفر نحو اسطنبول والقاهرة تقتضي تأشيرة أحضرها من قنصلياتها لأنني دخلت سوريا بجواز جزائري، وكنت في قمة العجلة بعد شعوري أن حياتي صارت في خطر، كما أن الجنرال الدابي تراجع عن الموافقة بإيعاز من جهات ما ورفض مغادرتي للبعثة.

القصة رويتها كاملة وبالتفاصيل في كتابي "ثورة أمة: أسرار بعثة الجامعة العربية إلى سوريا" الصادر عن مكتبة العبيكان في السعودية ويمكن العودة إليها، ومعرفة أن سفري نحو قطر كان اضطراراً، كما أنني أدركت أن الدوحة وجزيرتها صارت تسبب صداعاً لنظام بشار الأسد لذلك قررت أن أفضحه عبر برامج الجزيرة نفسها التي كانت أفضل من يتناول شأن الثورة السورية ويسوّقها لكل العالم.

قطر وأوهام خصومها

بلا شك أن "فوبيا قطر" دفعت إلى الهجوم على كل من يدعّم ثورات الشعوب ويقف معها، وإلى توزيع الاتهامات يميناً وشمالاً من دون أدنى تبيّن ولا دليل، وصل حدّ اعتبار أن قطر أكبر عميل للصهاينة، رغم أن ما قدمته لقطاع غزة لا يمكن وصفه من حيث الدعم المالي والإعلامي والدبلوماسي، وبفضل الله ثم قناة الجزيرة القطرية تمكّنت من اجهاض كل مخططات نتنياهو الذي كان يريد أن يذبح غزة في صمت وتحت أجنحة الظلام.

سبق ذلك، دور قناة الجزيرة في غزو أمريكا لأفغانستان، وقد كانت القناة الوحيدة التي تنقل للعالم جرائم جورج بوش الابن بحقّ المدنيين الأفغان، مما دفع إلى قصف مقرّها في كابول، ونجى حينها بأعجوبة مراسلها الإعلامي السوري تيسير علوني.

وهو الذي تكرر أيضاً عام 2003 في العراق، حيث فضحت جرائم الجيش الأمريكي خصوصاً الفلوجة، وقد دفعت القناة الثمن باهضاً حيث استشهد مراسلها طارق أيوب. ثم استشهد مصورها علي الجابر في ليبيا عام 2011، وتعرض مراسلوها وإعلاميوها لمضايقات كثيرة في شتى أنحاء العالم.

قد نختلف مع الجزيرة في أمور بلا أدنى شكّ ولدينا تحفّظات على بعض توجهاتها ومنهجها، لكن لا أحد ينكر فضلها في الكثير من المحطات الحاسمة، ولولاها ما رأى العالم الكثير من الجرائم التي كانت من قبل تمرّ في صمت، وتجعل الشياطين القتلة يحقّقون كل أهدافهم ثم وسائل إعلامهم تظهرهم كأنهم ملائكة قدّموا للبشرية رسائل مقدسة!

إن كانت في قطر قاعدة عسكرية أمريكية معلنة، فتوجد عدة دول عربية بها قواعد غير معلنة. وأخرى مثل المغرب تحوّلت إلى مركز لسجون سرية يجري فيها تعذيب الأسرى والمعتقلين والمختطفين بينهم مغاربة.

بل دول تدّعي الممانعة والمقاومة هي أكبر من يتعامل مع الصهاينة تحت الطاولة ويقدم لهم خدمات لم يسبق لها مثيل، ومواقفهم تتماهى مع تل أبيب وواشنطن لأبعد الحدود، وعلى رأس ذلك نجد نظام الأسد في سوريا وتنظيم "حزب الله" في لبنان.

كما أن دول عربية تدّعي المقاومة للمشروع الغربي تتواجد على أراضيها مكاتب معتمدة لجهاز المخابرات الأمريكي، ويقوم باستنطاق مساجين غير أمريكيين بل مواطنين من هذه الدول، وبينهم من خضعوا للتعذيب من قبل ضباط أمريكان تحت الرعاية المحلية، وهذا ما حدث في الجزائر.

إن كان دعم غزة، والوقوف مع ثورة الشعب السوري وشعوب أخرى، هي الحسنات الوحيدة لدولة قطر، فهذا يكفيها ويرفع من شأنها الذي لا يحتاج إلى تزكية من أحد طبعاً، في حين أن أنظمة الدول التي تروج لـ"فوبيا قطر" لم تقدم شيئاً إلى شعوبها أو للشعوب الثائرة ولا للمقاومة في فلسطين، إن لم تكن تتآمر عليها في دهاليز الأجهزة الاستخباراتية أغلب الأحيان.

ساندت قطر ثورة الشعب المصري فصارت تُتهم بأنها إخوانية، ووقفت مع ثورة الشعب السوري فقيل أنها صهيونية، ودعّمت المقاومة في غزة فقيل أنها إرهابية، ودافعت عن لبنان في حرب يوليو/ تموز 2006 التي ورّطها فيها "حزب الله" فقالوا أنها صفوية.

التهم تهاطلت عليها من كل جانب وصلت حدّ سحب السفراء من دول خليجية، وكل ذلك في إطار الضغط على الدوحة حتى تغيّر مواقفها، لكن ذلك لم يحدث، لأن القضية تتعلق بمبادئ دولة وليس أهواء حكام يرون أنفسهم أكبر من الدول.

حقّقت قطر الكثير من الانجازات، فهي الدولة العربية التي صارت قبلة كل المؤسسات الدولية، وهي قبلة كل المضطهدين في أوطانهم، وهي قبلة زعماء العالم، وهي الدولة العربية الأولى التي صارت قبلة الرياضيين والفنانين والمثقفين من كل أنحاء العالم.

انجازات قطر على المستوى الداخلي والدولي كثيرة جدًّا، ولا يمكن حصرها في هذا المقال، وفي الوقت التي حققت قطر مكانة كبرى وهي دولة صغيرة من حيث المكان، تراجعت دول عربية أخرى كبيرة في مساحتها وحتى مكانتها في الماضي القريب، ولكن بسبب حكامها الفاسدين الذين لا يحملون مشاريع مستقبلية، لم يعد لها مكانة تذكر في الخريطة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، للأسف الشديد.

بدل مهاجمة قطر والتحريض عليها بـ "فوبيا" لا تقدم ولا تؤخر شيئاً، على الأنظمة العربية أن تصنع ماهو أفضل منها، وبدل اتهام قطر بالعمالة لجهات دولية على هذه الدول أن تقدم لفلسطين أكثر مما تقدمه قطر. وبدل اتهام قطر بأنها تتآمر على الشعوب بالثورات، على هذه الدول أن تحمي نفسها بالعدالة وتحصّن أوطانها بالحكم الراشد، أما أن تكون مستبدّة ولما يثور عليها شعبها تسارع إلى توزيع الاتهامات المجانية، فهذا كلام فارغ سيرتدّ على أصحابه لما ترفسهم أقدام شعوبهم.

فوبيا قطر وباء فتاك يريد المروّجون له من الأنظمة المستبدّة والشمولية والحلف الصفوي الإيراني وأطراف أخرى غربية، من أجل اجهاض إرادة الشعوب في التحرير والتغيير. لكن هذا لا يستمر كثيراً لأن ما بني على باطل مصيره البطلان حتماً، ومهما سكتت الشعوب أو جرى تخويفها فإن إرادتها في الحرية ستتحرك لاحقاً عندما تنكشف عورات الأنظمة أكثر مما عليه في السابق.

في الأخير لست هنا للدفاع عن قطر فهي لديها من يدافع عنها، كما أن لها سلبياتها أيضاً، ولكن أردت أن أكشف لضحايا "فوبيا قطر"، أنهم بالفعل يحتاجون للعلاج الذي يبدأ من خلال هذا الكلام الذي كشفنا فيه حقائق صارت من المحظورات لدى دول همّها أن تبرّر مواقفها ولو على حساب الحقيقة التي تكون في صالح خصومهم.

أدرك أن التهم ستطالني مرة أخرى كما جرى من قبل مع "فوبيا السعودية"، وستزداد أكثر مع فوبيات أخرى سنتحدث عنها لاحقاً، ولكن ذلك لا يهم ولا يؤثر قيد أنملة على مشروعي في فضح أوبئة فكرية وسياسية وإيديولوجية مدمّرة، كما أنه ما يشغلني هو تحريك المياه الراكدة في مستنقعات الكراهية التي تنتشر وتكبر وستخرّب ما تبقى من أوطاننا المخرّبة في أغلبها أصلاً.

ظاهرة "الفوبيا" التي تتحرّك وتتكاثر بمختلف أنواعها، هي أخطر ما يدمّر الذات الإنسانية في العالم العربي، ويجعلها تعيش متقوقعة لا تفكّر ولا تنتج ولا تحمل الأمل في المستقبل، وهذا ما يريده أعداء أوطاننا التي ستظل تنتقل من حروب نجسة إلى أخرى أنجس في ظل كراهية تصنعها فوبيات تحوّلت إلى أوبئة مزمنة وفتّاكة تبيد قيم الوجود والبقاء في نفسية الشعوب وتصل بها لدرجة اليأس الذي لم ولن يخدم سوى الطغاة والبغاة والغزاة دائماً وأبداً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة