فوز مريح لحزب العدالة والتنمية غداً

القاعدة الشعبية لحزب السعادة مرشحة للعب نفس الدور في انتخابات يوم غد، لكن لصالح حزب العدالة والتنمية هذه المرة.

السبت، 31-10-2015 الساعة 19:16


صديقي العضو البارز في حزب السعادة أخبرني أنه دعي منذ أيام إلى اجتماع تشاوري حول الموقف من انتخابات الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، بعدما فشلت محاولة التفاهم مع حزب العدالة والتنمية، وقد حضر الاجتماع 25 شخصاً من أبرز قيادات الحزب في إستانبول.. وبعد نقاش طويل ومباحثات عميقة طرح صديقي على الحاضرين السؤال التالي: هل تشكّون في إخلاص الطيب أردوغان؟ 12 منهم أجابوا: "لا نشك في إيمان الطيب ولا في إخلاصه"، فقال لهم: "إذن سنصوت لحزب العدالة والتنمية هذه المرة"، فلم يعترض الباقون، حسب قوله!

لئن شكل المحافظون الأكراد بيضة القبان في انتخابات السابع من يونيو/حزيران الماضي فرجحوا كفة حزب الشعوب الديمقراطي، وساهموا في تخطيه عتبة 10% الانتخابية، فإن القاعدة الشعبية لحزب السعادة مرشحة للعب نفس الدور في انتخابات يوم غد، لكن لصالح حزب العدالة والتنمية هذه المرة؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن حزب السعادة حصل على 949 ألف و178 صوتاً في انتخابات 7 يونيو/حزيران الماضية، بعد اتفاقه انتخابياً مع حزب الاتحاد الكبير. لكن أهمية أصوات حزب السعادة تكمن في توزعها الجغرافي أكثر من عددها الكمي، فقد أظهرت دراسات أجريت عقب الانتخابات، أنه لو توحد حزب العدالة والتنمية مع حزب السعادة في الانتخابات الماضية لكسب حزب العدالة والتنمية مقعداً برلمانياً إضافياً في كل من إسطنبول، وأنقرة، وسامسون، وأديامان، وبىليكاسير، وأرزنجان، وجيريسون، وقيسري، وسيفاس. وتشير الدراسات نفسها إلى أن أصوات حزب السعادة التي ذهبت سدى في انتخابات 7 يونيو/ حزيران الماضية، لو أعطيت لحزب العدالة والتنمية لتمكن الأخير من كسب 5 نواب على حساب حزب الشعب الجمهوري، و5 نواب من حساب حزب الحركة القومية، و7 نواب من حساب حزب الشعوب الديقراطي في المدن الشرقية .

لقد تنبه حزب العدالة والتنمية إلى أهمية هذه الشريحة الشعبية، فذهب باتجاه التفاهم مع قيادة حزب السعادة التي تعنتت، وأصرت على طلب 20 مقعداً، بينما أصوات الحزب لا تتعدى 1%.. فتحول حزب العدالة والتنمية إلى خطب ود تلك الشريحة عن طريق كسب دعم رموز هامة في حركة المرحوم نجم الدين أربكان "ميللي غوروش"، مثل الشيخ "محمد تالو" الذي أكد دعمه لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في بيان صدر عن الشيخ أمس الجمعة، كما تم ترشيح إسماعيل قهرمان وزير الثقافة في حكومة أربكان، وأحد أبرز أركان الحركة الإسلامية في تركيا.

لكن هل تكفي أصوات قواعد حزب السعادة ليفوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مريحة تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده؟

الجواب : بالتأكيد لا تكفي.. إذن فكيف سيتمكن حزب العدالة والتنمية من زيادة عدد مؤيديه؟ وما هي حظوظه في استعادة ما فقده من أصوات؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا مراجعة الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الحزب في انتخابات 7 يونيو/ حزيران الماضية، والتي أدت إلى تحول قسم من أصوات مؤيديه إلى حساب الأحزاب المنافسة الأخرى؛ حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الحركة القومي تحديداً. وذلك من خلال النقاط الرئيسية التالية:

أولاً: المسألة الكردية:

تعتبر المسألة الكردية أحد أهم معضلات السياسة في تركيا، وحتى عموم منطقة الشرق الأوسط؛ بسبب تشعبها وامتدادها جغرافياً على أكثر من دولة؛ ممّا جعلها عرضة وذريعة للتدخلات الخارجية على الدوام.

في انتخابات 7 يونيو/ حزيران الماضية قرر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي خوض الانتخابات باسمه لأول مرة في تاريخ الحركة الكردية، حيث كان السياسيون الأكراد إما أن يعقدوا اتفاقات مع الأحزاب السياسية فيترشحوا من خلال قوائمها، أو يترشحوا كمستقلين، وفي كلتا الحالتين ما إن يصلوا البرلمان حتى يجتمعوا ويشكلوا كتلة برلمانية خاصة بهم.

قرارهم خوض الانتخابات باسم حزبهم وتحت شعار "نكون أو لا نكون" اضطر الأكراد المحافظين الذين يصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية في العادة، إلى التصويت لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، وإن كانوا على خلاف أيديولوجي معه؛ لأن فشله في الحصول على نسبة 10% من أصوات تركيا معناه أن الأكراد يشكلون أقل من تلك النسبة؛ لذلك غلب الدافع الاثني على الإيديولوجي؛ مما أظهر للعيان خطأ استراتيجياً ارتكبه حزب العدالة والتنمية الذي ماطل كثيراً في تخفيض تلك النسبة المرتفعة بالنظر لمثيلاتها عالمياً إلى 5% أو 7%، حيث كان بالإمكان قطع الطريق على ذلك الابتزاز السياسي. الآن وبعد أن حلت تلك العقدة ولم تعد ذات شأن، من المتوقع أن تعود بعض تلك الأصوات إلى مكانها الأصلي حزب العدالة والتنمية.

لكن هل هذا هو هاجس الأكراد الوحيد؟

بالطبع لا، إذ يشكل غياب الأمن وضعف سيطرة الدولة بشكل كامل على مقاليد الأمور في مناطقهم الهاجس الأول والأساس الذي يؤثر على استقلالية قرارهم، ويحد من حريتهم في التصويت بشكل مستقل، فلا يزال حزب العمال الكردستاني ذا قوة وسطوة رغم الضربات الموجعة والمؤثرة التي تلقاها من الجيش التركي في الأيام الأخيرة.

لقد وعدت الدولة التركية عشائر تلك المنطقة بتوفير الحماية لهم، لكن يبدو ذلك بعيد المنال في انتخابات غد، حيث ستستمر تهديدات حزب العمال الكردستاني إلا من مناطق محدودة، مثل أرضروم وبعض مراكز المدن الكبيرة؛ ممّا يقلل إلى حد كبير نسبة الأصوات التي تود الرجوع إلى حزب العدالة والتنمية.

لكن قرار حزب (الإسلامي الكردي) HÜDAPAR بعدم دخول الانتخابات سيكون في صالح العدالة والتنمية، حيث من المرجح أن تصب أصوات مؤيديه في خانة الأخير، الأمر الذي فسره البعض على أنه اتفاق ضمني بين الطرفين.

ثانياً: حزب الحركة القومي:

استهدفت استراتيجية حزب العدالة والتنمية الانتخابية قواعد حزب الحركة القومي بشكل رئيسي؛ لقربها إيديولوجياً من طروحات العدالة والتنمية، ثم بسبب سلبية قيادة حزب الحركة القومي، وتعنت رئيسه ورفضه لكل العروض السياسية، واستنكافه عن القيام بالواجب الوطني في الأوقات الحرجة التي تمر بها تركيا، مخالفاً بذلك عقيدة الحزب وخطه الكلاسيكي الذي يجعل الدولة التركية في المركز ولو على حساب مصالحه الحزبية.

لقد رفض دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومي، عرض حزب العدالة والتنمية في الشراكة من أجل تشكيل حكومة ائتلافية، ثم رفض عرض حزب الشعب الجمهوري له برئاسة الوزراء في حكومة ائتلافية معه، ورفض دعم حكومة أقلية يشكلها حزب العدالة والتنمية مؤقتة إلى حين إجراء الانتخابات، كما رفض المشاركة في حكومة الانتخابات.. جميع العروض السابقة كانت من أجل تشكيل حكومة في ظروف اعتيادية تحت قبة البرلمان، لكن عناده وسلبيته المطلقة دفعت الجميع في نهاية المطاف إلى تشكيل حكومة استثنائية حسب المادة الرابعة من الدستور، حيث تم تشكيلها بمشاركة جميع الأحزاب بحسب نسبة مقاعدها في البرلمان، ومع ذلك رفض بهجلي إرسال أي وزير للمشاركة فيها؛ ممّا اضطر نائبه وابن الرئيس المؤسس للحزب، طغرل توركش، لدخولها رغماً عنه، فقام بفصله من الحزب ليلتحق الأخير بحزب العدالة والتنمية.

يرجح كثير من المراقبين السياسيين أن يدفع بهجلي ثمن عناده وسلبيته غير المبررة غالياً، حيث سيكون حزب العدالة والتنمية وجهة الساخطين على الرئيس وسياساته، وخصوصاً بعد القوة والعزيمة والصلابة التي أظهرها رئيس الوزراء، أحمد داود أوغلو، في محاربة الإرهاب والضربات الموجعة التي وجهها الجيش التركي لحزب العمال الكردستاني، ثم الخطاب ذو النبرة القومية الذي دغدغ به داود أوغلو مشاعر قواعد الحركة القومية، والأهم من ذلك كله وضع ملف المصالحة مع الأكراد على الرف، كلها خطوات من المتوقع أن يحصد العدالة والتنمية ثمارها.

ثالثاً: الوعود الانتخابية:

جرت العادة ألّا يقدم حزب العدالة والتنمية أية وعود أو رشى انتخابية، لكن الدراسات الميدانية أثبتت أن شريحة لا بأس بها تهمها بالدرجة الأولى حياتها اليومية، وبتعبير أدق ما سيدخل جيبها من زيادة في الرواتب والأجور وغيرها من المحفزات؛ ممّا اضطر الحزب لمجاراة بقية الأحزاب التي تقدم الوعود الخيالية لأنها تعلم يقيناً أنها لن تصل للسلطة بمفرها، وإذا وصلت من خلال حكومة ائتلافية فمن السهل التنصل من تلك الوعود .

كما جرت العادة أن تترك أحزاب اليمين خزينة الدولة مليئة، فتأتي من بعدها أحزاب اليسار لتأكل ذلك الرصيد وتبعثره، لتعود الدولة للإفلاس، ويعود المواطن ليطرق باب أحزاب اليمين من جديد.

في المحصلة أدرك حزب العدالة والتنمية أن إنفاق 20- 30 مليار دولار من أصل 138 مليار دولار موجودة في خزينة الدولة على المواطنين كوعود الانتخابية، خير من بقائها في الخزينة ليأتي حزب الشعب الجمهوري فيبعثرها كما فعل من قبل.

الدلائل والدراسات والجو العام تشير إلى تقدم حزب العدالة والتنمية بنسبة تتيح له تشكيل الحكومة بمفرده، رغم حرص قيادات الحزب على القول بأن الأمور ما زالت غامضة، في محاولة منهم لشحذ الهمم وعدم ترك مجال للتهاون والتراخي.

أعتقد أن الرئيس أحمد داوود أوغلو شرع منذ اللحظة في كتابة كلمة الشكر التي سيلقيها من شرفة مبنى الحزب ليلة غد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة